بقلم: أحمد زبير باني
مقدمة: حين يتحول التعليم إلى شكلٍ من أشكال المقاومة
بوصفي مشرفًا تربويًا عايش تفاصيل الميدان التعليمي في كوردستان، أجدني أمام ظاهرة لا يمكن تناولها بلغة العاطفة وحدها، بل بلغة الفلسفة والوعي الجمعي.
في كل مرة أقف فيها أمام معلمٍ في صفٍّ ناءٍ، أرى في عينيه ما يتجاوز الوظيفة: أرى موقفًا إنسانيًا، وصمودًا أخلاقيًا، وإيمانًا بأن التربية ليست مهنة بل قدر، وأن التعليم في كوردستان لم يكن يومًا وسيلة للعيش فقط، بل شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة.
في اليوم العالمي للمعلم، لا يمكن أن يمر الحديث عابرًا، لأن الحديث عن معلم كوردستان هو حديث عن الضمير الذي لم يُغلب، وعن الكلمة التي قاومت القمع، وعن السبورة التي بقيت تضيء حتى حين انطفأت الكهرباء.
المعلم… الضمير الذي لا يغيب
في تاريخ كوردستان الحديث، كان المعلم هو الحارس الأول للوعي الجمعي، وصوت العقل في زمن الصراع.
لم ينتظر مكافأة، ولم يستسلم للظروف، بل ظل يؤمن أن بناء الإنسان هو الشرط الأول لبناء الوطن.
لقد مارس دوره التربوي كرسالة أخلاقية تتجاوز المصلحة، وكفعل مقاومة ضد النسيان وضد محاولات التجهيل.
في كل مدرسة، وفي كل قرية، كان المعلم هو “ضمير المجتمع” الذي لا يتقاعد أبدًا.
بعد انتفاضة 1991… ميلاد المعنى من رحم العزيمة
حين انسحب النظام البعثي من مدن كوردستان بعد انتفاضة عام 1991، واجه المعلمون فراغًا إداريًا وماديًا كاملًا.
ومع ذلك، اختاروا أن يستمروا في التعليم دون رواتب أو دعم رسمي. لم يكن ذلك مجرد تصرف عفوي، بل فعلًا فلسفيًا يعبر عن جوهر الواجب الأخلاقي — الواجب من أجل الواجب، كما وصفه كانط.
لقد أدركوا أن غيابهم عن الصف يعني غياب المستقبل، فقرروا أن يكونوا الجسر الذي تعبر عليه الأجيال نحو الغد.
ذلك الموقف لم يكن طارئًا، بل تأسيسًا لثقافة تربوية ترى في المعلم الضامن الأول لبقاء المجتمع حيًا وفاعلًا.
حين قُطعت الرواتب… بقي الوعي
في الأزمات اللاحقة، خصوصًا عندما قطعت بغداد ميزانية الإقليم ورواتب موظفيه، أعاد المعلمون كتابة المعنى نفسه بإصرارهم على مواصلة التعليم.
لم يتركوا الساحة فارغة، بل ملأوها علمًا وحنانًا.
قالوا للعالم بفعلهم لا بكلماتهم: “قد تُقطع الأرزاق، لكن لا يُقطع الوعي.”
لقد واصلوا الدرس، رغم التعب، لأنهم أدركوا أن التربية ليست ترفًا اجتماعيًا، بل شرط بقاء الأمة واستمرارها.
خنادق العلم في مواجهة خنادق النار
حين اجتاح تنظيم داعش بعض مناطق كوردستان، كان البيشمركة في جبهات القتال، وكان المعلمون في جبهة الوعي.
في الوقت الذي كانت المدافع تدوي، كانت الأقلام تكتب، وكان الدرس فعل مقاومة.
لقد أثبت المعلم الكوردي أن السلاح لا يقتصر على الرصاص، فالكلمة أيضًا سلاح، والمدرسة خندقٌ لا يقل شرفًا عن جبهات الحرب.
وهكذا، التقت البطولة العسكرية بالبطولة التربوية لتشكّلا معًا درع كوردستان الحقيقي.
المعلم كرمز فلسفي وثقافي
المعلم الكوردي هو تجسيد حيّ لفكرة “المثقف العضوي” التي تحدث عنها أنطونيو غرامشي، لأنه يعيش بين الناس ويصنع التغيير من داخلهم.
ومن المنظور الوجودي، هو كائن أصيل بالمعنى الذي تحدّث عنه هايدغر — يواجه العدم بالإبداع، والحرمان بالعطاء، واليأس بالأمل.
إنه الفيلسوف العملي الذي لا يكتب الفكرة على الورق فقط، بل يطبّقها في الحياة اليومية.
إنه يمارس الفكر كعملٍ أخلاقي، ويرى في التعليم فعلًا من أفعال الحرية.
هوية لا تُقهر
لقد حافظ المعلمون في كوردستان على اللغة الكوردية، وعلى ذاكرة الأمة، وعلى الحلم الجمعي الذي حاولت الحروب محوه.
في كل حصة دراسية كانوا يزرعون معنى الانتماء، وفي كل تلميذ كانوا يرون مشروعًا لوطنٍ جديد.
لقد صانوا الهوية حين تاهت، وحافظوا على الأمل حين خفت نوره، فكانوا الجدار الأخلاقي الذي استندت إليه كوردستان في أحلك الظروف.
خاتمة: المشرف التربوي شاهدًا على البطولة اليومية
بصفتي مشرفًا تربويًا، أرى يوميًا في عيون المعلمين تلك الشعلة التي لا تنطفئ. أراهم وهم يحولون الفقر إلى إبداع، والصعوبات إلى دروس في الصبر.
هم لا ينتظرون الشكر، لأنهم يعرفون أن أعظم المكافآت هي أن يروا أبناءهم الطلبة يواصلون الطريق الذي بدؤوه.
في اليوم العالمي للمعلم، أقولها من القلب وباسم كل من عاش الميدان التربوي:
إن معلمي كوردستان لم يكونوا موظفين في مؤسسة، بل كانوا المؤسسة نفسها.
هم النور الذي لم يخفت، والحلم الذي لم يمت، والفلسفة التي كتبتها كوردستان بدموعها وطباشيرها على جدران الزمن