لم تعد معركة الشعب الكردي هي البقاء

شادي حاجي

على مدى عقود طويلة، انشغل الشعب الكردي والقوى السياسية الكردية بمعركة الوجود. كانت الأولوية حماية الهوية، والحفاظ على اللغة، والدفاع عن الحقوق الأساسية في مواجهة مشاريع الإنكار والإقصاء. وفي ظل الحروب والتحولات العاصفة التي شهدتها المنطقة، بدا البقاء بحد ذاته إنجازاً يستحق الاحتفاء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال البقاء كافياً؟
في السياسة كما في التاريخ، لا يمكن لأي شعب أن يظل أسير مرحلة واحدة إلى الأبد. فبعد أن تنجح الأمم في تثبيت وجودها، تنتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً: مرحلة التأثير. وهنا تكمن المهمة التاريخية الجديدة للشعب الكردي في القرن الحادي والعشرين.
لقد تغيرت المنطقة بصورة جذرية. تراجعت هيمنة الدول المركزية في بعض الأماكن، وظهرت فواعل جديدة، وتبدلت موازين القوى الإقليمية والدولية. وفي خضم هذه التحولات، لم يعد السؤال الكردي محصوراً في الحقوق الثقافية أو التمثيل السياسي، بل أصبح مرتبطاً بموقع الكرد في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية نفسها.
غير أن التأثير لا يُصنع بالشعارات، ولا يتحقق عبر استدعاء المظالم التاريخية وحدها. فالقوى المؤثرة لا تُقاس بحجم معاناتها، بل بقدرتها على إنتاج الحلول وبناء المصالح وصناعة المستقبل. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الحركة السياسية الكردية ليس كيف تدافع عن القضية الكردية فحسب، بل كيف تقدم مشروعاً يفيد المنطقة بأسرها. فالفاعل الذي يربط مصالحه بمصالح الآخرين يمتلك فرصاً أكبر بكثير من الفاعل الذي يكتفي بالحديث عن ذاته.
إن الجغرافيا التي يعيش فيها الشعب الكردي ليست عبئاً فقط، بل فرصة استراتيجية هائلة. فهي تقع عند تقاطع تركيا والعراق وسوريا وإيران، أي في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. والسؤال ليس كيف يمكن تحويل هذه الجغرافيا إلى ساحة صراع جديدة، بل كيف يمكن تحويلها إلى مركز للتجارة والطاقة والاستثمار والتواصل بين الشعوب.
كذلك فإن أي مشروع كردي يسعى للتأثير الإقليمي يحتاج إلى ما هو أكثر من القوة العسكرية أو النفوذ الحزبي. يحتاج إلى مؤسسات ناجحة، واقتصاد منتج، وتعليم متطور، وإعلام مهني، ومراكز بحث قادرة على إنتاج الأفكار لا استهلاكها فقط. فالتاريخ الحديث يثبت أن النفوذ المستدام يبدأ من قوة النموذج قبل أن يبدأ من قوة السلاح.
لقد أثبت الكرد قدرتهم على الصمود، لكن مرحلة التأثير تتطلب إضافة عنصر آخر إلى معادلة القوة: العقل الاستراتيجي. فالشجاعة تحمي المكتسبات، أما العقل فيحولها إلى نفوذ ودور تاريخي. وفي عالم تتشابك فيه المصالح الإقليمية والدولية، تصبح القدرة على قراءة التحولات وبناء التحالفات واستثمار الفرص عاملاً حاسماً في صناعة المستقبل.
ومن هنا، فإن أكبر خطر يواجه الكرد ليس قوة خصومهم بقدر ما هو خطر استنزاف طاقتهم في الانقسامات الداخلية والصراعات قصيرة المدى. فالأمم التي تريد التأثير في محيطها تحتاج إلى حد أدنى من التوافق حول أهدافها الاستراتيجية الكبرى، حتى لو اختلفت في التفاصيل السياسية اليومية.
لقد كانت معركة القرن الماضي هي معركة البقاء. أما معركة هذا القرن فهي معركة التأثير. والفرق بينهما كبير. فالأولى تهدف إلى حماية الذات، بينما الثانية تهدف إلى المشاركة في صناعة البيئة السياسية المحيطة.
إن مستقبل الكرد لن يتحدد فقط بما يطالبون به، بل بما يستطيعون بناءه. وعندما ينجحون في بناء نموذج سياسي واقتصادي وثقافي جاذب، ستصبح مصالحهم جزءاً من معادلات المنطقة، لا مجرد ملف من ملفاتها. عندها فقط ينتقلون من موقع المتأثر بالأحداث إلى موقع المساهم في صنعها.
إن المهمة التاريخية المطروحة اليوم ليست مجرد الحفاظ على ما تحقق، بل الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة، ومن سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل. فالشعوب التي تكتفي بحماية وجودها تبقى على هامش التاريخ، أما الشعوب التي تحسن توظيف عقلها ومواردها وجغرافيتها فإنها تتحول إلى شريك في صناعة التاريخ نفسه.
لقد نجح الكرد إلى حد كبير في تجاوز اختبار البقاء، أما التحدي الحقيقي الذي ينتظرهم اليوم فهو النجاح في اختبار التأثير. وبين الاختبارين مسافة تختصرها كلمة واحدة: الرؤية.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً وتأثيراً

قد يعجبك ايضا