صلاح بكر
في سجلات التاريخ ، تتجلى حكايات الشعوب التي صاغتها المعاناة ، ومن بينها يبرز اسم “الپيشمرگە” كرمز خالد للصمود والتضحية. لم تكن الپيشمرگە مجرد قوة عسكرية ، بل هي تجسيد حي لروح شعب عانى ويلات الاضطهاد والإبادة على مر العصور. لقد ولدت هذه القوة من رحم القهر ، من صرخات الأمهات الثكالى، ومن دماء الأبرياء التي روت تراب كوردستان، لتصبح درعاً واقيا وحارسا أمينا للهوية الكوردية.
تأسست الپیشمرگە ليس رغبة في القتال ، بل ضرورة وجودية فرضتها ظروف قاسية ، كانت مبادئها راسخة في الدفاع عن الأرض والعرض والكرامة ، متسلحة بإيمان عميق بعدالة قضيتها ، في خضم المعارك لم تكن الپیشمرگە تقاتل من أجل غنيمة أو سلطة ، بل من أجل حق البقاء والعيش بحرية وسلام في ارضه. أخلاقها في الميدان كانت تعكس قيم الشجاعة والإباء ، والتمسك بالمبادئ الإنسانية حتى في أحلك الظروف في مواجهة أنظمة استبدادية لم تتوان عن استخدام أقسى أساليب القتل والإبادة الجماعية ضد الشعب الكردي.
شهد التاريخ لحظات فارقة أكدت هذه الحقيقة ، فبعد سقوط النظام البعثي في العراق، وحينما حاول الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر فرض رؤيته على المشهد العراقي الجديد ، كان للرئيس مسعود بارزاني موقف تأريخي لا ينسى ، ففي بغداد وعندما أشار بريمر إلى إمكانية حل قوات البيشمركة ، كان رد الرئيس بارزاني حاسما وواضحا: “أنا ذاهب إلى كوردستان، وإذا كانت لديك القدرة على حل الپیشمرگە ، فتعال أنا في أربيل”. هذه الكلمات لم تكن مجرد تحد ، بل كانت إعلاناً صارخاً بأن الپیشمرگە ليست كياناً يمكن حله بقرار إداري ، بل هي جزء لا يتجزأ من وجود الشعب الكوردي وإرادته الحرة.
واليوم ، لا يزال الرئيس مسعود بارزاني يؤكد على هذه الحقيقة الخالدة ، ففي تصريحاته الأخيرة ، شدد على أن “الپیشمرگە ولدت من رحم دماء ومعاناة ودموع”، وأن سلاحها ليس مجرد أداة للحرب ، بل هو رمز للتاريخ والتضحية والكرامة. إنها ليست مجرد قوات ، بل هي قصة شعب أبى الانكسار ، وحمل على عاتقه أمانة الدفاع عن وجوده وحقوقه ، لتظل الپيشمرگە ، إلى الأبد ، صدى الألم ونبض الكرامة والبقاء في قلب كوردستان.