المعهد الإسكندنافي لأبحاث الشرق الأوسط
قراءة تحليلية صادرة عن المعهد الإسكندنافي لأبحاث الشرق الأوسط وتعكس نقاشاً أكاديمياً وسياسياً حول أدوار الفاعلين الدوليين والإقليميين في قضايا الشرق الأوسط،
مع تزايد الحديث عن استمرار دور السفير الأميركي توم باراك في ملفات الشرق الأوسط، ولا سيما العراق وسوريا، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة هذا الدور: هل يمثل باراك مجرد مبعوث ينفذ استراتيجية واشنطن، أم أنه أصبح أحد أبرز مهندسي السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة؟
لا شك أن الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط اليوم من منظور مختلف عما كان عليه الحال قبل عقدين. فالأولوية لم تعد نشر الديمقراطية أو إعادة بناء الدول كما كان يُطرح في الخطاب السياسي الأميركي سابقاً، بل أصبحت ترتبط بشكل أكبر بالأمن والمصالح الاقتصادية والطاقة واحتواء الخصوم الإقليميين والدوليين. وفي هذا السياق، يبدو أن توم باراك يمثل نموذجاً لدبلوماسية تقوم على البراغماتية السياسية أكثر من اعتمادها على الخطابات التقليدية المتعلقة بحقوق الإنسان أو التحولات الديمقراطية.
ويرى كثير من المراقبين أن تصريحات باراك ومواقفه خلال الفترة الماضية عكست فهماً خاصاً لطبيعة التحولات الجارية في المنطقة. إلا أن بعض الأطراف السياسية والمدنية تنظر إلى أدائه بقدر من التحفظ، معتبرة أن خطابه يميل أحياناً إلى تقديم الرؤية الأميركية باعتبارها المرجعية الأساسية التي يجب أن تتكيف معها الأطراف المحلية، بدلاً من التعامل معها كشركاء متساوين في صياغة مستقبل بلدانهم.
العلاقة الخاصة بين توم باراك ودونالد ترامب
لفهم الدور الذي يلعبه توم باراك اليوم في الشرق الأوسط، لا بد من فهم طبيعة علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالعلاقة بين الرجلين لا تعود إلى السنوات الأخيرة فقط، بل تمتد إلى ثمانينيات القرن الماضي عندما كانا يعملان في قطاع العقارات في نيويورك. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تطورت العلاقة بينهما من شراكة أعمال إلى صداقة سياسية وشخصية وثيقة.
ويعتبر باراك أحد أكثر الشخصيات قرباً من ترامب خارج الدائرة السياسية التقليدية في واشنطن. فهو لم يكن مجرد داعم سياسي، بل لعب دوراً محورياً في تمويل حملة ترامب الانتخابية عام 2016، كما ترأس لجنة حفل التنصيب الرئاسي الذي جمع رقماً قياسياً من التبرعات تجاوز مئة مليون دولار.
ومن وجهة نظر كثير من المراقبين، فإن نفوذ باراك لا ينبع من منصبه الرسمي فقط، بل من قدرته على الوصول المباشر إلى الرئيس الأميركي نفسه. ولهذا السبب ينظر إليه البعض باعتباره ناقلاً لوجهة نظر ترامب الشخصية بقدر ما هو ممثل للسياسة الأميركية الرسمية.
كما أن خلفيته كرجل أعمال ومستثمر عالمي، وخاصة في قطاع العقارات والاستثمارات في الشرق الأوسط، تجعل قراءته للمنطقة مختلفة عن قراءة الدبلوماسيين التقليديين أو خبراء وزارة الخارجية الأميركية.
رجل أعمال أم مهندس للسياسة الإقليمية؟
يثير هذا الواقع سؤالاً مهماً: هل يتعامل باراك مع الشرق الأوسط بعقلية الدبلوماسي أم بعقلية رجل الأعمال؟ يرى بعض منتقديه أن مقاربته للملفات الإقليمية تعطي أهمية كبيرة للاستقرار السياسي الذي يخدم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، بينما يرى مؤيدوه أن هذه البراغماتية قد تكون أكثر واقعية من الخطابات السياسية التقليدية التي لم تنجح في حل أزمات المنطقة خلال العقود الماضية.
وفي كل الأحوال، فإن قرب باراك من ترامب يمنحه ثقلاً استثنائياً لا يملكه كثير من الدبلوماسيين الأميركيين الآخرين. ولذلك فإن تصريحاته ومواقفه غالباً ما تُقرأ على أنها تعكس توجهاً أوسع داخل الدائرة المقربة من الرئيس الأميركي، وليس مجرد آراء شخصية أو مواقف فردية.
ومن هنا تأتي أهمية متابعة دوره في ملفات العراق وسوريا والعلاقات الأميركية مع القوى الإقليمية المختلفة، لأن تأثيره المحتمل قد يتجاوز حدود العمل الدبلوماسي التقليدي ليصل إلى مستوى المشاركة في صياغة الرؤية السياسية الأميركية تجاه المنطقة
.
العراق في قلب المشروع الأميركي الجديد
إذا استمر باراك في لعب دور مؤثر في الحوار بين واشنطن والحكومة العراقية، فمن المتوقع أن يكون أحد الملفات الرئيسية هو إعادة رسم العلاقة بين العراق وإيران. فالولايات المتحدة تنظر إلى النفوذ الإيراني داخل العراق باعتباره أحد أكبر التحديات أمام مشروعها الإقليمي. ولذلك يرى كثير من المحللين أن واشنطن ستسعى إلى تشجيع الحكومة العراقية على تقليص الاعتماد السياسي والأمني على طهران وتعزيز استقلالية القرار العراقي.
وفي هذا الإطار، قد تتعرض الحكومة العراقية لضغوط متزايدة تتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة ودور الحشد الشعبي وموقعه داخل المنظومة الأمنية العراقية. وتعتقد بعض الأوساط السياسية أن واشنطن تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها جزءاً أساسياً من إعادة ترتيب التوازنات داخل العراق.
لكن هذه الرؤية تواجه تعقيدات كبيرة، لأن الحشد الشعبي لم يعد مجرد ملف أمني، بل أصبح جزءاً من المشهد السياسي والاجتماعي العراقي، وأي محاولة للتعامل معه من منظور أمني بحت قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد من حدة الانقسامات الداخلية.
سوريا بين الحسابات الدولية والطموحات الإقليمية
في الملف السوري، لا يزال الجدل أكبر وأكثر تعقيداً. فمنتقدو باراك يرون أن مقاربته للقضية السورية تركز بصورة أساسية على التوازنات الجيوسياسية، بينما لا تعطي وزناً كافياً للأبعاد الإنسانية والاجتماعية التي خلفتها سنوات الحرب الطويلة.
فبعد أكثر من عقد من الصراع، ما زالت ملايين العائلات السورية تعيش بين النزوح واللجوء والفقر وانعدام الاستقرار. ولذلك يعتقد كثيرون أن أي مشروع سياسي لا يضع معاناة السوريين في المركز سيبقى مشروعاً ناقصاً مهما كانت أهدافه الاستراتيجية.
كما يثير موقف واشنطن من بعض الملفات الحساسة، مثل العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومستقبل المناطق الكوردية، ووضع الدروز والأقليات الأخرى، نقاشات واسعة داخل الأوساط السياسية السورية.
ويرى بعض المراقبين أن الإدارة الأميركية الحالية أصبحت أكثر ميلاً إلى إعطاء مساحة أكبر للدور التركي في رسم مستقبل شمال سوريا، وهو ما يثير مخاوف لدى قطاعات كوردية وسورية وعربية واسعة تخشى من إعادة رسم التوازنات الداخلية على حساب أطراف أخرى كانت شريكاً في محاربة تنظيم داعش أو في إدارة مناطق واسعة خلال السنوات الماضية.
إسرائيل في معادلة توم باراك
لا يمكن فهم أي دور أميركي في الشرق الأوسط من دون التوقف عند العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ولهذا يرى كثير من المحللين أن أي مقاربة يتبناها باراك تجاه ملفات سوريا أو العراق أو لبنان ستأخذ بالاعتبار المصالح الأمنية الإسرائيلية بوصفها أحد الثوابت الرئيسية في السياسة الأميركية في المنطقة.
ويعتقد بعض المراقبين أن واشنطن تنظر إلى مستقبل سوريا والعراق من زاوية أوسع تتعلق بإعادة رسم التوازنات الإقليمية وتقليص نفوذ القوى التي تعتبرها تهديداً لأمن إسرائيل أو للمصالح الأميركية.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو باراك أن أولويات الأمن الإقليمي قد تحظى أحياناً باهتمام أكبر من القضايا الإنسانية أو مطالب بعض المكونات المحلية، بينما يرى مؤيدوه أن حماية أمن الحلفاء جزء طبيعي من سياسات أي دولة كبرى.
كيف تنظر العواصم العربية إلى دور توم باراك؟
لا يقتصر الجدل حول باراك على العراق وسوريا فقط، بل يمتد أيضاً إلى عدد من العواصم العربية التي تتابع باهتمام طبيعة الدور الذي يسعى إلى لعبه في المنطقة. فالسعودية وقطر والأردن ومصر تنظر إلى الملف السوري من زاوية تختلف جزئياً عن الرؤية الأميركية. فهذه الدول ترى أن استقرار سوريا وإعادة إعمارها وعودة مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين تمثل أولويات أساسية للمرحلة المقبلة.
ترى الرياض أن استقرار سوريا جزء من مشروع أوسع يهدف إلى تعزيز الاستقرار والتنمية الاقتصادية في المنطقة. كما تسعى المملكة إلى لعب دور مؤثر في إعادة الإعمار والاستثمار. أما قطر فتؤكد أهمية بناء دولة سورية مستقرة وقادرة على استعادة مؤسساتها وتوفير الخدمات لمواطنيها، إلى جانب دعم مشاريع التنمية وإعادة بناء الاقتصاد.
وبالنسبة للأردن، فإن الملف السوري يرتبط مباشرة بالأمن الوطني والحدود والتجارة والاستقرار الإقليمي، بينما تحاول مصر الحفاظ على دور متوازن يؤكد على وحدة الدولة السورية ومؤسساتها الوطنية.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل تتطابق الرؤية الأميركية مع الرؤية العربية بالكامل؟ أم أن هناك اختلافات في ترتيب الأولويات بين الأمن الجيوسياسي من جهة وإعادة البناء والتنمية من جهة أخرى؟
هل يتراجع الدور الكوردي؟
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل يتعلق بمستقبل الدور الكوردي في سوريا والعراق.
فالكورد كانوا من أبرز الشركاء المحليين للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش، ودفعوا أثماناً بشرية وسياسية كبيرة خلال تلك المرحلة. ولذلك يشعر كثير من الكورد بالقلق من أن تؤدي التفاهمات الإقليمية الجديدة إلى تقليص دورهم السياسي أو إضعاف موقعهم التفاوضي في أي ترتيبات مستقبلية.
ولا يقتصر هذا القلق على سوريا فقط، بل يمتد إلى العراق أيضاً، حيث تخشى بعض الأوساط الكوردية من أن تؤدي الصفقات الإقليمية والدولية إلى تهميش مطالبها أو تقليص دورها في المعادلة السياسية العراقية.
كيف تنظر أوروبا وحلف الناتو إلى هذا النهج؟
في الأوساط الأوروبية، لا يدور النقاش عادة حول الأشخاص بقدر ما يدور حول السياسات والنتائج. فبعض الحكومات الأوروبية تفضل نهجاً يعتمد على المؤسسات الدولية والدبلوماسية متعددة الأطراف والحلول السياسية طويلة الأمد، بينما تميل بعض الإدارات الأميركية إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة وارتباطاً بالمصالح الاستراتيجية والأمنية.
ولهذا يرى بعض المراقبين الأوروبيين أن المقاربة الأميركية في الشرق الأوسط قد تكون أحياناً أكثر صرامة وأقل اهتماماً بالتفاصيل الاجتماعية والسياسية المحلية مقارنة بالرؤية الأوروبية التقليدية.
لكن في الوقت نفسه لا توجد مؤشرات رسمية على وجود رفض أوروبي أو من حلف الناتو لشخص توم باراك نفسه، بل إن الخلافات – عندما تظهر – تكون مرتبطة بالسياسات والأولويات أكثر من ارتباطها بالأشخاص.
منطق القوة أم منطق الشراكة؟
الانتقاد الأساسي الموجه لباراك لا يتعلق بشخصه فقط، بل بنمط التفكير الذي يعتقد منتقدوه أنه يمثله. فهناك من يرى أن بعض صناع القرار في واشنطن ما زالوا ينظرون إلى الشرق الأوسط من زاوية المصالح الاستراتيجية الأميركية أولاً، وأنهم يتعاملون مع قضايا المنطقة باعتبارها ملفات أمنية يمكن إدارتها من خلال موازين القوة والضغوط السياسية والاقتصادية.
في المقابل، يرى المدافعون عن السياسة الأميركية أن أي دولة كبرى تتحرك وفق مصالحها الوطنية، وأن واشنطن ليست استثناءً من هذه القاعدة. لكن السؤال الذي يطرحه كثير من أبناء المنطقة هو: هل يمكن بناء استقرار حقيقي من خلال الضغوط السياسية وحدها؟ أم أن الاستقرار يحتاج إلى شراكات متوازنة واحترام إرادة الشعوب ومطالبها؟
سواء اتفق المرء أو اختلف مع توم باراك، فإن الجدل الدائر حوله يعكس نقاشاً أوسع حول مستقبل الدور الأميركي في الشرق الأوسط. فالقضية ليست قضية شخص واحد، بل قضية رؤية كاملة لكيفية إدارة العلاقات بين القوى الكبرى وشعوب المنطقة. وبين من يرى في باراك دبلوماسياً يسعى إلى حماية المصالح الأميركية، ومن يراه رمزاً لسياسة القوة والضغوط، يبقى الحكم النهائي مرتبطاً بالنتائج التي ستظهر على أرض الواقع في العراق وسوريا خلال السنوات القادمة.
وفي النهاية، فإن مستقبل المنطقة لن يصنعه المبعوثون الدوليون وحدهم، بل ستصنعه أيضاً إرادة شعوبها وقدرتها على بناء دول قوية ومؤسسات مستقلة وحوارات وطنية حقيقية تتجاوز الانقسامات والصراعات التي أنهكتها لعقود طويلة
د. نورالدين خوشناو
مدير المعهد
المعهد الإسكندنافي لأبحاث الشرق الأوسط
SMERI – Scandinavian Middle East Research Institute
.