موريتانيا وكردستان: الجسور الثقافية بين «بلد المليون شاعر» و«موطن النشيد والجبال»

الباحث الحقوقي رنج باراوي*

حين ننظر إلى الخارطة الجغرافية والتاريخية، قد يبدو لنا للوهلة الأولى أن موريتانيا (شنقيط) القابعة في أقصى مغرب العالم العربي، وإقليم كردستان النابض في قلب الشرق الأوسط، عالمان متباعدان يعيش كل منهما في عزلة عن الآخر. لكن، حين نغوص في أعماق الحراك الثقافي، والتاريخ الأدبي، وتلك الأساليب الصارمة التي اتخذها كلا الشعبين للحفاظ على هويتهما عبر «الكلمة»، ندرك كم هي قريبة تلك الأرواح البشرية من بعضها. إن القواسم المشتركة بيننا إنسانية وحية إلى حد يجعل هذين الإقليمين المتباعدين يتآخيان كأشقاء روحيين وثقافيين.

هذا المقال ليس مجرد قراءة تاريخية جافة، بل هو رحلة وجدانية في أعماق الثقافة، وتاريخ الأدب الإسلامي الموريتاني، واستكشاف لتلك النقاط الإنسانية والأدبية التي تربط الشعراء الشناقطة بنظرائهم الأكراد (لا سيما في كردستان العراق).

١. لماذا نختار موريتانيا تحديداً كبوابة ثقافية؟

قبل الغوص في تفاصيل الأدب، يبرز سؤال جوهري: لماذا نختار موريتانيا بالذات لتكون الشريك والتوأم الثقافي لإقليم كردستان؟ إن الاختيار ليس وليد الصدفة، بل يستند إلى أبعاد فكرية واستراتيجية عميقة:

بوابة فريدة نحو فضاء المغرب العربي وأفريقيا: تمثل موريتانيا الجسر الجغرافي والثقافي الرابط بين العالم العربي والقارة الأفريقية. إن بناء توأمة معها يمنح الفكر الكردي دائرتا نفوذ ثقافي جديدتين (المغرب العربي والعمق الأفريقي)، مما يكسر العزلة المعرفية ويفتح آفاقاً رحبة للحوار الحضاري.

التشابه المذهل في معركة الحفاظ على الذات: كلا الشعبين عاش ظروفاً سياسية وجغرافية معقدة، وتعرضت هويتهما لمحاولات تذويب وصهر فكري (سواء عبر الاستعمار أو الأنظمة الشمولية). الاختيار النابع من هذا المشترك يعني بناء تحالف بين إرادتين نجحتا في البقاء عبر “القوة الناعمة” للأدب والتقاليد، وهو ما يجعل التجربتين متطابقتين إنسانياً.

الحياد المعرفي والاستقلالية الفكرية: تتميز الثقافة الموريتانية بخصوصية شديدة تجعلها بعيدة عن الاستقطابات الإقليمية الحادة في الشرق الأوسط. هذا الحياد يمنح إقليم كردستان فرصة لبناء شراكة مرنة، قائمة على الاحترام المتبادل والتبادل المعرفي النقي، بعيداً عن أي حسابات سياسية ضيقة.

٢. تاريخ الأدب الموريتاني الإسلامي وروائعه:

لقد صُقلت موريتانيا، أو ما عُرفت في التاريخ الفكري والإسلامي بـ «بلاد شنقيط»، على نوع من الثقافة لا ينفصل فيه «الشعر» عن «الحياة». ومن هنا جاء لقبها الشهير «بلد المليون شاعر». بالنسبة للإنسان الموريتاني، لم يكن الشعر ترفاً أو زينة تُزخرف بها الصفحات، بل كان لسان حال الخبز والماء، وديواناً لتدوين قيم الفروسية والشهامة، ودرعاً يحمي اللغة والعقيدة في وجه عواصف الصحراء.

خيام المحاضر (جامعات الصحراء المتنقلة): كانت «المحاظر» بمثابة المدارس والجامعات الثقافية المتنقلة على ظهور العيس من فج في الصحراء إلى آخر. تحت ظلال تلك الخيام، لم يكن الطفل والشباب الموريتاني يدرسون القرآن والفقه المالكي فحسب، بل كانوا يحفظون المعلقات السبع ودواوين الشعر الجاهلي وقواعد لغة الضاد، حمايةً لهويتهم من التلاشي.

عذوبة الروائع الأدبية: لم يكن كتاب «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لمؤلفه أحمد بن الأمين الشنقيطي مجرد موسوعة للأسماء، بل كان وثيقة إثبات الهوية الثقافية لأمة برهنت للعالم كيف يمكن للإنسان أن يعيش بكرامة وشموخ في قلب عزلة الصحراء. وإلى جانب ذلك، تأتي إبداعات شعراء كبار مثل أحمد ولد عبد القادر والشيخ ولد بانمۆ، لتعبّر عن تلك الصراعات الإنسانية القائمة بين جمال الطبيعة وقسوة الأيام.

٣. تجليات التلاقي الروحي بين شعراء الكرد والشناقطة:

رغم اختلاف اللغة وتباين الجغرافيا بين (رمال الصحراء الحارقة وقنن الجبال الشامخة)، فإن أدب هذين الشعبين يتعانق في محطات كثيرة من الشجن والفخر، خاصة عندما نربطها بعوالم كبار شعراء كردستان العراق:

المحظرة والحجرة؛ مهد العارفين: مثلما كانت «المحظرة» في موريتانيا هي المحرك الأساسي للثقافة، كانت «الحجرة» (الكتاتيب الملحقة بالمساجد) في كردستان (في السليمانية، وأربيل، ودهوك) منبع الضوء الذي تخرّج منه أعظم مبدعينا. شعراء مثل نالي ومحوي تعمقوا في علوم اللغة والمعرفة بين جدران تلك الحجرات. إن التصوف والعرفان الذي يسكن قلوب شعراء شنقيط، يفيض بذات الحرارة في وجدان الشاعر الكردي «محوي»؛ حيث يرى كلا الطرفين الخالق والإنسانية عبر مرآة العشق الطاهر.

الكلمة كسلاح في وجه المحو الفكري: واجه الموريتانيون التغريب الثقافي الذي فرضه الاستعمار الفرنسي بسلاح حفظ الشعر وصون الحرف, فلم يسمحوا للغتهم الأم بأن تموت. كم هو مألوف هذا الصراع لنا نحن الأكراد! ففي أحلك عهود الاضطهاد، جعل شعراء كردستان العراق من الشعر قلاعاً لحماية الهوية واللغة، ابتداءً من الصرخة الوطنية لـ فائق بيكس، والفلسفة الثورية لـ قانيع، وصولاً إلى البيانات الثقافية والملحمية لـ شيركو بيكس.

الطبيعة كجسد للتأمل: بالرغم من أن الشاعر الموريتاني يناجي جفاف البادية ومنازل الحبيب الدارسة، والشاعر الكردي (مثل عبد الله غوران) يتغزل بجلال الجبال، والينابيع، وفتاة القرية، إلا أن كلا الطرفين يلتقيان في جوهر واحد: الرغبة في العودة إلى النقاء الإنساني الأول، وتجسيد الارتباط المخلص بالأرض التي ينتمون إليها.

حسرة الغربة (النوستالجيا): كلما ارتحل علماء شنقيط نحو المشرق أو بلاد الشام لطلب العلم أو الحج، بكت قوافيهم شوقاً لخيامهم الكاحلة ورمالهم الذهبية. هذا الشجن والغرق في حب الوطن نلمسه تماماً في الرسالة الشعرية التاريخية التي أرسلها الشاعر الكردي نالي من نفيه في الشام إلى مدينته السليمانية، مستهلاً إياها بـ: «جعلت فدا تراب طريقك أيها النسيم العليل…»؛ إنها صرخة الإنسان الذي يسكنه الوطن، لا الذي يسكن هو في الوطن.

٤. بناء الجسر: كيف نصنع التقارب؟

لكي لا يبقى هذا التناغم الثقافي مجرد حبر على ورق، ولكي يتحول إلى واقع ملموس، يمكننا فتح عدة نوافذ إنسانية وأكاديمية:

إطلاق مشاريع ثقافية مشتركة: إن عمل الكتاب والمثقفين في الإقليم من خلال المؤسسات الثقافية لبناء صرح فكري أو منتدى يربط بين كردستان ومنطقة المغرب العربي (ولا سيما موريتانيا)، يمثل خطوة إستراتيجية بالغة الأهمية لتلاقح الأفكار.

الترجمة الروحية (لا اللغوية الفنية فحسب): نحن بحاجة ماسة لنقل أصوات شعراء كردستان العراق بلغة عربية بليغة تصل إلى الخيام والجامعات في نواكشوط وشنقيط، وفي المقابل، استقطاب الأدب الموريتاني الثري (خاصة الرواية الموريتانية المعاصرة) وإدخاله إلى المكتبة الكردية.

مهرجان «الجبل والصحراء»: تنظيم فعاليات ثقافية مشتركة يلتقي فيها الشجن الكردي (الحيران والمقام) مع شجن العود الموريتاني والمديح النبوي؛ لإيصال رسالة مفادها أن همّ الإنسان الكردي فوق قمته، وهمّ الإنسان الموريتاني فوق رملته، هو همّ إنساني واحد، وصرخة واحدة من أجل حياة تملأها الكرامة.

٥. مقترحات خاصة لتعزيز التآخي الثقافي والمعرفي:

لتحويل هذه الرؤية الإنسانية إلى آليات عمل مستدامة تخدم التقارب بين إقليم كردستان وموريتانيا، يمكن تبني المقترحات الثقافية والفكرية التالية:

تأسيس «مركز شنقيط-كردستان للدراسات المقارنة»: إنشاء مركز بحثي أكاديمي مستقل أو ملحق بالجامعات الكبرى يعنى بدراسة التقاطعات القانونية والشرعية والأدبية بين منظومة “المحاظر” الشنقيطية و”الحجرات” الكردية، وبحث سبل تطوير نظم التعليم التراثي ودمجها بالحداثة.

مبادرة التبادل الأكاديمي والمنح الدراسية: تفعيل برنامج بعثات متبادل يتيح لطلاب الدراسات العليا في موريتانيا دراسة التاريخ المعاصر والقانون في كردستان، ويمنح الباحثين الأكراد فرصة التبحر في علوم اللغة العربية والتشريع القانوني والفقه المالكي في نواكشوط.

إنشاء “الأسبوع الثقافي المشترك” في أربيل ونواكشوط: إقامة تظاهرة سنوية دورية تحتفي بالصناعات التقليدية؛ يعرض فيها الفن الكردي بألوانه الزاهية وتطريزاته الجبلية إلى جانب الخيمة الموريتانية وصناعاتها الجلدية والنحاسية الصحراوية، مما يخلق تمازجاً بصرياً فريداً.

إطلاق مجلة فكرية نصف سنوية باسم (أثر السنابل): تكون منبراً حراً يكتب فيه المفكرون من كلا الإقليمين، وتُعنى بنشر البحوث المقارنة، والقصص الساخرة، والنقد الاجتماعي والسياسي، وتقديم قراءات في مسارات الإصلاح القانوني والاجتماعي في كلا البلدين.

ملتقى الفن الصوفي والموسيقى الروحية: دمج الدفوف والأذكار الكردية (القادرية والنقشبندية) بالمديح النبوي الموريتاني والإيقاعات الأفريقية (كالولوف والسونينكي)، في عرض أدائي مشترك يثبت أن لغة الروح والوجدان تتجاوز حدود الألسن والقوميات.

٦. موريتانيا؛ توأم ثقافي حقيقي لكردستان:

إن مفهوم «التوأمة الثقافية» يكتسب معناه الحقيقي عندما يحافظ شعبان على خصوصيتهما وأصالتهما في خضم الصراعات العاتية. وموريتانيا تستحق تماماً هذا الوصف مع إقليم كردستان:

فسيفساء التعايش: موريتانيا هي نقطة الالتقاء الوارفة بين العرب والمكونات الإفريقية الأصيلة الأخرى، والذين نسجوا معاً ثقافة غنية. وفي المقابل، كان إقليم كردستان دائماً ملاذاً دافئاً لتعايش الكرد، التركمان, الكلدوآشور، العرب، الإيزيديين، والمسيحيين. هذا التسامح المشترك هو أقوى ركائز التفاهم بيننا.

الأصالة في أسلوب الحياة: مثلما يرتدي الكردي أزياءه القومية بفخر واعتزاز، فإن الإنسان الموريتاني، ومهما بلغ من التحديث والمدنية، ما زال يرتدي فضفاضته التقليدية (الدراعة) بكل كبرياء، وينصب خيمته ويقدم قهوته المرة لضيوفه في قلب كبريات المدن الحضرية. هذه الأصالة هي علامة على شعب حي، يدرك تماماً ماذا يعني لك أنت أيضاً أن تعتز بخصوصيتك وثقافتك.

عندما يقف كاتب أو شاعر كردي فوق قمم جبال كردستان الشامخة متأملاً الأفق، ويمد نظيره الموريتاني يده إلى قلمه فوق الشواطئ الذهبية للمحيط الأطلسي، فإن كليهما في الحقيقة يرسمان لوحة واحدة؛ لوحة الإنسان الذي ينشد العيش بحرية وكرامة. إن التواصل الثقافي بين موريتانيا وإقليم كردستان ليس حلماً بعيد المنال، بل هو بداية لرحلة فكرية عميقة يمكن تحقيقها عبر النخب والمؤسسات الأكاديمية، لأنه في نهاية المطاف، مهما اختلفت اللغات، فإن الكلمات عندما تخرج من القلب، تفهمها كل الشعوب.

*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان العراق

قد يعجبك ايضا