بين صناعة الشهرة وصناعة الوعي أسماء عزيز. انموذجا

د. زيد محمد كاظم

في زمن أصبحت فيه الشهرة الرقمية معياراً مضللاً لقياس النجاح الإعلامي، وتحوّلت فيه بعض المنصات إلى مساحات لاستعراض الحضور والمظهر وملاحقة الترند، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الإعلامية الناجحة، ليس من زاوية قدرتها على جذب الأنظار، بل من خلال ما تمتلكه من رصيد ثقافي، ومهارات مهنية، ووعي برسالة الإعلام ومسؤوليته تجاه المجتمع.فالإعلام ليس مجرد ميكروفون يُمسك، أو كاميرا تقف أمامها الإعلامية، ولا هو مساحة لتحقيق الانتشار أو بوابة للبحث عن المكاسب المادية؛ إنه قبل كل شيء مسؤولية معرفية، تتطلب ثقافة واسعة، وحضوراً واعياً، وقدرة على قراءة المجتمع وفهم تحولاته، فضلاً عن امتلاك أدوات الحوار والتأثير والإقناع. اذ يمكن النظر إلى تجربة الإعلامية أسماء عزيز في راديو العراقية بوصفها تجربة تستحق التوقف عندها، ولا سيما إذا ما قُرئت من زاوية المعايير المهنية التي ينبغي أن تحكم العمل الإعلامي. فالقيمة الحقيقية للإعلامية لا تتحدد بمقدار ظهورها أو حجم الضجيج الذي يرافق اسمها، وإنما بما تقدمه من مضمون، وبما تتركه من أثر لدى المتلقي. فالفارق بين إعلامية تصنع حضورها بالثقافة وأخرى تبحث عن حضورها بالاستعراض، هو الفارق بين من تنظر إلى الإعلام باعتباره رسالة ومهنة، ومن تتعامل معه باعتباره وسيلة للشهرة وتحقيق المكاسب. فالأولى تستثمر عقلها في تطوير أدواتها، وتعمل على إثراء خطابها بالمعلومات والمعرفة، وتدرك أن الحوار الناجح لا يقوم على كثرة الكلام، بل على جودة السؤال وعمق الفكرة واحترام عقل الجمهور. أما الثانية فقد تنجح في صناعة انتشار مؤقت، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويل ذلك الانتشار إلى قيمة إعلامية مستدامة.ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الأناقة أو الحضور أو الجاذبية الشخصية؛ فهذه عناصر يمكن أن تضيف إلى الشخصية الإعلامية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الثقافة والخبرة والكفاءة. فالمشكلة تبدأ عندما يصبح الشكل بديلاً عن المضمون، والمتابعون بديلاً عن الجمهور الواعي، والترند بديلاً عن الرسالة الإعلامية. وإن ما يحتاج إليه المشهد الإعلامي اليوم ليس مزيداً من الوجوه التي تتنافس على الظهور، بل إعلاميات يمتلكن القدرة على إنتاج المعنى، وفتح النقاش، وتقديم المعرفة، وممارسة النقد المسؤول. إعلاميات يدركن أن الميكروفون ليس امتيازاً شخصياً، بل أمانة مهنية، وأن احترام الجمهور يبدأ من احترام عقله وعدم الاستخفاف بوعيه. و تكتسب أسماء عزيز أهمية بوصفها اسماً يُطرح في نقاش أوسع عن ضرورة استعادة المعايير الثقافية والمهنية في تقييم الإعلاميات، بعيداً عن المقاييس الاستهلاكية التي تختزل النجاح في الشهرة والمال والمظهر. فالإعلامية التي تمتلك الثقافة واللغة والحضور والقدرة على إدارة الحوار، تستطيع أن تقدم صورة مختلفة عن معنى العمل الإعلامي، وتؤكد أن القيمة المهنية لا تُشترى بالانتشار، ولا تُصنع بضجيج المنصات. فالإعلام لا يحتاج إلى إعلاميات يعرفن كيف يظهرن فقط، بل إلى إعلاميات يعرفن ماذا يقلن، ولماذا يقلنه، وما الأثر الذي يتركنه بعد انتهاء البث.
فالشهرة قد تمنح صاحبها مساحة على الشاشة، والمال قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكن الثقافة وحدها تمنح الإعلامية عمقاً، والمهنية تمنحها احتراماً، والمصداقية تمنحها مكانة في ذاكرة الجمهور. وتبقى المعادلة واضحة: ليست كل من ظهرت أمام الكاميرا صنعت تجربة إعلامية، وليست كل من امتلكت جمهوراً امتلكت رسالة؛ فهناك من تبحث عن أن يعرفها الناس، وهناك من تعمل لكي يعرف الناس أكثر. وبين الاثنين تكمن المسافة الحقيقية بين صناعة الشهرة وصناعة الوعي.

قد يعجبك ايضا
∧