محمد علي محيي الدين
مقداد محمد علي محمد رضا محيي الدين، المهندس المتخصص في الطاقة والهندسة النووية، واحد من أبناء النجف الأشرف الذين اتسعت رحلتهم العلمية والمهنية إلى خارج حدود الوطن، من دون أن تنقطع صلتهم بالمدينة التي شهدت ولادتهم وتشكّل بداياتهم. ففي مسيرته تتجاور المعرفة العلمية الدقيقة مع الخبرة الهندسية والإدارية، وتلتقي رحلة التحصيل الأكاديمي في جامعات العراق وأمريكا الشمالية مع سنوات طويلة من العمل في قطاعات الطاقة والصناعة والنفط والغاز، فيما ظل العراق والنجف حاضرين في ذاكرته ووجدانه، مهما تباعدت المسافات.
وُلد مقداد محيي الدين في النجف الأشرف عام 1959، ونشأ بين مدينتين عراقيتين تركتا أثرهما في تكوينه الدراسي؛ فقد أكمل المرحلتين الابتدائية والمتوسطة في بغداد، ثم عاد إلى النجف ليتابع دراسته الإعدادية، التي أنهاها عام 1976. وينتمي إلى عائلة لها حضورها الثقافي، فهو ابن أخ الشاعر الراحل الحاج رسول محيي الدين، الأمر الذي يضع سيرته في سياق أسري يجمع، إلى جانب الاهتمام بالعلم والعمل، صلة بالأدب والشعر والذاكرة النجفية.
اختار مقداد طريق العلوم، فحصل على شهادة البكالوريوس في علوم الفيزياء من جامعة الموصل عام 1980. ولم تكن هذه الخطوة نهاية مرحلة الدراسة الجامعية الأولى، بل بداية رحلة تخصصية اتجهت نحو واحد من أدق فروع المعرفة العلمية وأكثرها ارتباطاً بالتكنولوجيا الحديثة. فالفيزياء النووية لا تكتفي بفهم مكونات المادة وخصائصها، بل تفتح الباب أمام تطبيقات واسعة في الطاقة والصناعة والبحث العلمي، وتتطلب من دارسها قدرة على الجمع بين الأساس النظري والتعامل الدقيق مع الأنظمة التقنية المعقدة.
وفي عام 1984، نال درجة الماجستير في الفيزياء النووية من جامعة كونكورديا الكندية، ليعزز بذلك تكوينه العلمي في بيئة أكاديمية مختلفة، تتيح للباحث الاطلاع على مناهج البحث والتطبيقات العلمية المتقدمة. وبعد ست سنوات، واصل تخصصه في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل عام 1990 على درجة ماجستير ثانية في الهندسة النووية من معهد جورجيا للتكنولوجيا في مدينة أتلانتا، المعروف باسم «Georgia Tech»، وهو من المؤسسات الأكاديمية البارزة في مجالات الهندسة والتكنولوجيا.
ويكشف هذا المسار الدراسي عن توجه واضح نحو التخصص العميق، إذ انتقل من دراسة الفيزياء بوصفها علماً أساسياً إلى دراسة تطبيقاتها الهندسية في المجال النووي. ومثل هذا الانتقال يقتضي الجمع بين الفهم العلمي للظواهر النووية والقدرة على التعامل مع الأنظمة والمنشآت التي توظفها في إنتاج الطاقة، وهو ما هيأه للانتقال من مقاعد الدراسة إلى ميدان العمل الهندسي.
وعلى الصعيد المهني، عمل مقداد محيي الدين مهندساً نووياً في عدد من المفاعلات النووية المخصصة لإنتاج الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة، متنقلاً بين ولايات كاليفورنيا ونيوجيرسي وتينيسي وتكساس. كما عمل في مصنع لاستخلاص البلوتونيوم في مدينة دنفر بولاية كولورادو. وتكشف هذه المحطات عن اتساع نطاق خبرته العملية، وعن احتكاكه ببيئات صناعية وتقنية تتطلب معرفة تخصصية والتزاماً بالإجراءات والمعايير التي تحكم العمل في المنشآت النووية.
فالعمل في مجال الطاقة النووية لا يقوم على المعرفة النظرية وحدها؛ إذ تتداخل فيه اعتبارات السلامة والتشغيل والكفاءة الفنية وإدارة المخاطر، وتصبح الدقة في الأداء جزءاً أساسياً من المسؤولية المهنية. ومن هذا المنطلق، مثّلت خبرته في المفاعلات والمنشآت النووية مرحلة مهمة في مسيرته، أتاحت له الاقتراب من التطبيق العملي للتخصص الذي أمضى سنوات في دراسته.
لكن مسيرته لم تتوقف عند حدود العمل الهندسي المباشر. فمنذ عام 2000، اتجه إلى مجال الإدارة والأعمال، وأسهم في تأسيس شركة بالشراكة مع شركة «Phelps Service»، بتمويل من مستثمر سعودي، واتخذت الشركة من مدينة الظهران في المملكة العربية السعودية مقراً رئيسياً لها، مع فروع في الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. وقد شغل مقداد منصب المدير الإداري للشركة، واستمر في هذا الدور حتى عام 2025.
وتخصصت الشركة في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات، وهي مجالات تمثل ركائز أساسية للاقتصادات الخليجية، وتحتاج إلى خبرات فنية وإدارية قادرة على مواكبة متطلبات الصناعة وتنسيق الأعمال بين الشركات والمؤسسات المختلفة. وعملت الشركة مع عدد من المؤسسات الكبرى في المنطقة، من بينها أرامكو السعودية، والشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك»، وشركة نفط الكويت، وشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، إلى جانب جهات أخرى.
وقد مثّل الانتقال من الهندسة النووية إلى الإدارة في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات تحولاً في طبيعة المسؤوليات، لا قطيعة مع التكوين العلمي. فالمهندس الذي يتعامل مع الأنظمة التقنية المعقدة يمتلك قاعدة معرفية يمكن أن تسهم في فهم احتياجات الصناعة، فيما تتطلب الإدارة الناجحة مهارات إضافية في التخطيط والتنظيم ومتابعة الأداء وبناء العلاقات المهنية. ومن خلال توليه الإدارة على مدى ربع قرن تقريباً، جمع مقداد بين خلفيته العلمية وخبرته في إدارة الأعمال، ضمن بيئة اقتصادية تتجاوز حدود الدولة الواحدة وتمتد عبر أسواق الخليج.
وتشير هذه المرحلة من سيرته إلى أن مسارات التخصص العلمي لا تنتهي بالضرورة عند حدود المهنة الأولى، بل يمكن أن تتطور باتجاهات جديدة تستفيد من الخبرة السابقة وتضيف إليها مهارات مختلفة. فقد انتقل من التعامل مع المنشآت النووية في الولايات المتحدة إلى إدارة شركة تعمل في قطاعات صناعية حيوية في المنطقة العربية، محتفظاً بخيط يجمع بين المعرفة التقنية ومتطلبات العمل المؤسسي.
ومع اتساع مسؤولياته وتعدد ارتباطاته المهنية، لم تنقطع صلته بالعراق وأهله وأرحامه. فقد ظل يزور النجف الأشرف كلما سنحت له الظروف، وكانت زياراته المتعددة إلى مدينته الأثيرة تعبيراً عن رابطة تتجاوز مكان الإقامة والعمل. فالإنسان قد يبني حياته في بلدان بعيدة، وينشئ شبكة واسعة من العلاقات المهنية، لكنه يظل محتفظاً بمدينته الأولى بوصفها جزءاً من ذاكرته وتكوينه الشخصي. وفي حالة مقداد محيي الدين، بقيت النجف حاضرة في مسار حياته، لا باعتبارها مكان الميلاد فحسب، بل بوصفها موطناً للأهل والقرابة والجذور.
وتحمل العودة المتكررة إلى المدينة معنى خاصاً في حياة المغترب؛ إذ تعيد وصل الحاضر بالماضي، وتمنح المسافة الجغرافية بعداً إنسانياً لا تستطيع السنوات أن تمحوه بسهولة. فالنجف، بما تحمله من مكانة تاريخية وثقافية واجتماعية، تظل بالنسبة إلى أبنائها فضاءً للانتماء والذاكرة، مهما امتدت رحلاتهم العلمية والمهنية في العالم.
إن سيرة المهندس مقداد محيي الدين تقدم مثالاً لمسار عراقي جمع بين الدراسة المتخصصة والعمل التقني والخبرة الإدارية العابرة للحدود. فمن جامعة الموصل إلى جامعة كونكورديا ومعهد جورجيا للتكنولوجيا، ومن المفاعلات النووية الأمريكية إلى قطاعات الطاقة والصناعة في الخليج، تتتابع محطات حياته على امتداد عقود من التحصيل والعمل والتطور المهني. ومع ذلك، لا تختزل سيرته في الشهادات والمناصب والمؤسسات التي عمل معها؛ فهناك أيضاً ذلك الخيط الشخصي الذي ظل يربطه بوطنه ومدينته وأسرته.
وبين العلم والعمل والاغتراب، تبدو رحلته صورة لمسار اختار فيه أن يوسّع آفاقه، وأن يستثمر تخصصه في مجالات متعددة، من دون أن يجعل النجاح المهني بديلاً عن الانتماء. فقد أخذته الدراسة إلى الخارج، وفتحت له الخبرة أبواب العمل في مؤسسات دولية وإقليمية، لكن النجف بقيت نقطة العودة التي تستعيد عندها الذاكرة صلتها بالبدايات. وهكذا تظل قصة مقداد محيي الدين حكاية مهندس عراقي حمل معه معرفة بلاده إلى العالم، وعاد من حين إلى آخر ليجدد صلته بالأرض التي انطلق منها.
وقد استندت هذه السيرة إلى المعلومات الواردة في كتاب تحديث الحديث للأستاذ محمود محيي الدين عن المهندس مقداد محمد علي محمد رضا محيي الدين، بشأن نشأته وتحصيله العلمي وخبرته في مجالات الهندسة النووية والطاقة وإدارة الأعمال، وصلته المستمرة بمدينة النجف الأشرف وأهله في العراق.