عائلة كامل حسين.. حين يصبح الإبداع إرثاً عائلياً وذاكرةً فنية

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست كل العائلات التي تجمعها صلة الدم قادرة على أن تجمعها أيضاً وحدة الاهتمامات والرؤى والمواهب، لكن بعض البيوت تتحول، بفعل الثقافة والشغف والمعرفة، إلى فضاءات إبداعية تتوارث فيها الأجيال حب الجمال، وتتشابك داخلها الكلمة مع اللون، والقصيدة مع اللوحة، والذاكرة مع التجربة الإنسانية. ومن بين هذه النماذج التي تستحق التوقف عندها عائلة الفنان التشكيلي والشاعر والناقد العراقي الراحل كامل حسين، التي قدمت للمشهد الثقافي والفني العراقي تجارب متعددة، امتدت من التشكيل إلى الشعر والأدب.
إن الحديث عن هذه العائلة ليس استعراضاً لسير أفرادها بقدر ما هو محاولة لقراءة تجربة ثقافية تتجسد فيها العلاقة بين الموهبة والتنشئة، وبين الإرث الإبداعي والقدرة على إنتاج تجارب مستقلة، لكل منها ملامحها الخاصة.

وُلد الفنان التشكيلي والشاعر والناقد كامل حسين في مدينة البصرة عام 1952، وتخرج في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، فرع الرسم، عام 1977. ومنذ بداياته الفنية، اتجه إلى بناء تجربة تشكيلية ذات خصوصية، استلهمت الكثير من ملامح البيئة العراقية، ولا سيما ذاكرة البصرة بما تختزنه من ماء ونخيل وموانئ وأمكنة وتفاصيل إنسانية.
لم يكن كامل حسين رساماً يكتفي بتسجيل المشاهد الخارجية، بل كان ينظر إلى اللوحة بوصفها مساحة للتعبير عن الذاكرة والوجدان، مستفيداً من قدرته على الجمع بين الحس التشكيلي والتأمل الشعري والنقد الفني. وقد أقام معارض شخصية عديدة داخل العراق وخارجه، وواصل تطوير تجربته عبر مراحل مختلفة، حتى بلغ معرضه الشخصي الثالث عشر، الموسوم (موسيقى الألوان)، الذي يعكس جانباً من علاقته العميقة بالتشكيل وإمكاناته التعبيرية.
كانت تجربته تتجاوز حدود الفرشاة والألوان، إذ امتلك حضوراً في الكتابة الشعرية والنقدية، الأمر الذي أضفى على رؤيته الفنية أبعاداً ثقافية وجمالية. فالناقد فيه كان يحاور الفنان، والشاعر كان يمنح اللوحة حساسية إضافية، لتتداخل هذه المستويات في شخصية إبداعية متعددة الاهتمامات. رحل كامل حسين في 13 نيسان 2017، لكنه ترك وراءه تجربة فنية وأدبية تستحق إعادة القراءة والتوثيق، فضلاً عن إرث عائلي واصل حمل شعلة الإبداع في مجالات مختلفة.
في هذا البيت الثقافي حضرت الشاعرة والفنانة التشكيلية ليلى عبد الأمير، زوجة الفنان الراحل كامل حسين، لتشكل ركناً آخر من أركان التجربة الإبداعية للعائلة. ولدت في بغداد، وتخرجت في أكاديمية الفنون الجميلة، فرع الرسم، بجامعة بغداد، وعملت في مجال التعليم، جامعـةً بين رسالتها التربوية واهتماماتها الفنية والأدبية.
لم تتوقف تجربتها عند التشكيل، بل وجدت في الشعر فضاءً موازياً للتعبير عن الذات والعالم. وقد أصدرت مجموعتين شعريتين هما (ثمة عزفٌ في السماء) عن دار الصواف، و(أختفي وتلاحقني المرايا) عن مؤسسة أبجد، فضلاً عن مشاركاتها في مجاميع شعرية وأعمال أدبية مشتركة، من بينها (الموسوعة المعاصرة لمائة شاعر وشاعرة عرب) المترجمة إلى الإسبانية، و(مئة نص نثري) المترجمة إلى الإنجليزية. كما نشرت نصوصها في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية والدولية، وشاركت في مهرجانات وأمسيات وفعاليات ثقافية متعددة، ونالت تكريمات وشهادات تقديرية، وتناول تجربتها عدد من النقاد والباحثين بالدراسة والقراءة.
إن أهمية تجربة ليلى عبد الأمير تكمن في قدرتها على الجمع بين حساسية الفنانة التشكيلية وشفافية الشاعرة، حيث لا تبدو الكلمة بعيدة عن اللون، ولا القصيدة منفصلة عن الصورة. إنها تجربة تؤكد أن الإبداع لا يلتزم جنساً أدبياً أو فنياً واحداً، بل يبحث دائماً عن وسيلته الأكثر قدرة على التعبير.
أما الشاعر والفنان التشكيلي أنمار كامل حسين الموسوي، نجل الفنان الراحل كامل حسين، فقد حمل جانباً من الموروث الفني للعائلة، لكنه اتجه إلى تشكيل تجربته الخاصة في الشعر والفن التشكيلي. وُلد في الكاظمية ببغداد في 22 أيلول 1985، ودرس الفنون التشكيلية، فرع الرسم، في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل. وقد أسهم تكوينه الأكاديمي في تعزيز علاقته بالصورة والتكوين واللون، إلى جانب اهتمامه بالشعر والكتابة والمشاركة في الفعاليات الثقافية.
يمثل أنمار نموذجاً لتداخل الفنون في شخصية المبدع، إذ تتجاور في تجربته اللغة الشعرية مع الرؤية البصرية، ويبدو أثر التكوين الفني واضحاً في اهتمامه بالصورة والمشهد والتعبير. وقد شارك في أنشطة ثقافية وأدبية، وحضر في فضاءات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، فضلاً عن مشاركاته ولقاءاته الإعلامية والثقافية.
ولا ينبغي النظر إلى تجربته باعتبارها امتداداً آلياً لتجربة والده، فلكل جيل أسئلته وأدواته، ولكل مبدع طريقته في قراءة العالم. إن قيمة الإرث الحقيقي لا تكمن في تكرار تجربة السابقين، بل في القدرة على استلهامها والانطلاق منها نحو أفق جديد.
وتبرز الفنانة التشكيلية تيسير كامل حسين، ابنة الفنان الراحل كامل حسين والشاعرة ليلى عبد الأمير، وشقيقة أنمار، بوصفها وجهاً آخر من وجوه هذه العائلة التي ارتبطت بالفن والأدب. وُلدت في بغداد، الكاظمية، ونشأت في بيئة كان الفن فيها جزءاً من الحياة اليومية، الأمر الذي أسهم في تكوين وعيها الجمالي منذ سنواتها الأولى. وعلى الرغم من حصولها على بكالوريوس العلوم، قسم تكنولوجيا المعلومات، من جامعة بابل، وعملها في مجال الحاسبات، ظل الرسم يمثل فضاءها الإبداعي الأثير.
تنتمي تجربتها التشكيلية إلى التعبيرية والتجريدية التعبيرية، حيث لا تتعامل مع اللون باعتباره عنصراً زخرفياً، بل تمنحه وظيفة وجدانية وفكرية، وتستخدمه للتعبير عن الحالات الإنسانية والنفسية. وتتميز أعمالها بضربات فرشاة قوية وحيوية، وباهتمام واضح بالمرأة والجسد الإنساني، وما يحملانه من دلالات تتصل بالجمال والذاكرة والانفعال.
وقد تنوعت أعمالها بين البورتريه والموضوعات الرمزية والتجريدية، وشاركت في معارض جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ومعارض الفنانات التشكيليات وفعاليات وزارة الثقافة، إلى جانب معارض مشتركة داخل العراق وخارجه. كما نُشرت أعمالها في صحف ومجلات ومواقع ثقافية وفنية، واقتنيت لوحاتها في عدد من البلدان العربية والأوروبية، وحصلت على جوائز وشهادات تقديرية. وامتد حضورها إلى عالم الأدب، إذ أسهمت لوحاتها في تزيين أغلفة دواوين شعرية وروايات ومجموعات قصصية، في علاقة جمالية تجمع الصورة بالكلمة.
كان معرضها الشخصي الأول «ما لا يُرى»، الذي أقيم في قاعة الأطرقجي بمنطقة المنصور، محطة مهمة في مسيرتها، إذ قدمت من خلاله رؤيتها الخاصة لما يتجاوز حدود المرئي، وجعلت من اللون وسيلة لاستكشاف ما تختزنه النفس الإنسانية من مشاعر وأسئلة.
إن ما يميز عائلة كامل حسين ليس مجرد اجتماع عدد من الفنانين والشعراء تحت سقف واحد، بل ذلك التنوع في التجارب والوسائط التعبيرية. فالأب كامل حسين جمع التشكيل بالشعر والنقد، والأم ليلى عبد الأمير جمعت الشعر بالرسم والعمل التربوي، فيما اتجه أنمار إلى الشعر والتشكيل، وواصلت تيسير مشروعها البصري برؤية تعبيرية خاصة. وهنا تبرز مسألة مهمة تتعلق بالبيئة الثقافية ودورها في صناعة المبدع. فالطفل الذي ينشأ في بيت تحضر فيه اللوحة والكتاب والقصيدة، وتكون فيه الحوارات الفنية والأدبية جزءاً من تفاصيل الحياة، تتاح له فرص مبكرة لاكتشاف الجمال وتكوين الحس النقدي والخيال. غير أن هذه البيئة، مهما كانت غنية، لا تصنع الإبداع وحدها؛ إذ يحتاج الموهوب إلى الاجتهاد والتجربة والتعلم والمثابرة حتى يتحول الاستعداد إلى منجز حقيقي.
لعل أجمل ما في هذه العائلة أن أفرادها لم يحصروا أنفسهم في قالب إبداعي واحد، بل توزعت اهتماماتهم بين الشعر والرسم والنقد والتعبير البصري، بما يمنحنا صورة عن تعدد المواهب داخل الأسرة الواحدة، وعن قدرة الثقافة على أن تصبح لغة مشتركة بين أفرادها.
إن عائلة كامل حسين تمثل تجربة تستحق الاهتمام والتوثيق في سجل الثقافة العراقية المعاصرة، ليس من باب المجاملة العائلية، بل لما قدمه أفرادها من تجارب فنية وأدبية متباينة، وما أضافوه إلى المشهد الثقافي من حضور في مجالات التشكيل والشعر والنقد.
لقد رحل كامل حسين، لكن أثره لم ينتهِ برحيله؛ فقد بقيت أعماله شاهدة على تجربته، وبقيت ذاكرته حاضرة في محيطه الإبداعي والعائلي. أما ليلى عبد الأمير، وأنمار كامل حسين، وتيسير كامل حسين، فيواصل كل منهم مساره الخاص، حاملاً نصيبه من هذا الإرث، ومضيفاً إليه رؤيته وتجربته.
فالإبداع لا يورث كما تورث الممتلكات، وإنما قد تنمو بذوره في بيئة تؤمن بالثقافة والجمال، ثم تتفتح بجهد أصحابها وموهبتهم. وهكذا يصبح البيت أكثر من مكان للسكن؛ يصبح مدرسة للحس الجمالي، وفضاءً للحوار، وذاكرة تتعاقب فيها الأجيال، وتظل فيها الألوان والقصائد شاهدة على أن الفن حين يسكن البيوت، لا يغادرها بسهولة.

قد يعجبك ايضا
∧