لقاء مع الفنانة (غرام الربيعي) على هامش المعرض السنوي للطبيعة ٢٠٢٦ في قاعة كولبنكيان

أجرى الحوار: ثائر البياتي

ما بين الشعر والرسم يتشاكل الابداع بين انامل وروح الفنانة الأديبة

بدأت حكايتي مع الفن التشكيلي منذ الطفولة بالدهشة وما تخلفه من أثر جميل، بالفطرة صنعت أشجارًا وحيوانات من الطين، خلال دراستي في المرحلة الابتدائية، ثم أسعدني الحظ بأن تعلمت أصول الرسم على يد الفنان الكبير سعدي الكعبي، خلال دراستي في متوسطة الجزيزة للبنين، شاركت بلوحات نالت استحسان القائمين على المعارض التي كانت تقيمها وزارة التربية آنذاك واستحسان الجمهور، رغم نجاحي في الامتحان النظري والعملي وتم قبولي للدراسة في معهد الفنون الجميلة؛ إلا أن ظرفًا قاهرًا حال دون دراستي فيه، ورغم أنني تخليت عن الرسم منصرفًا للأدب؛ إلا إن الدهشة مازالت تزداد اتساعًا وعمقًا، ما أن يعلن عن معرض للفن التشكيلي اسارع بزيارته، متأملًا في اللوحات مستغرقًا بالتفاصيل، مأخوذًا بالألوان وانسجامها، في آخر معرض أقامته وزارة الثقافة والسياحة والآثار، عصر يوم الأربعاء المصادف ٢٠٢٦/٧/١٥ في مبنى كولبنكيان للفنون/ قاعة جواد سليم، تحت عنوان (معرض الطبيعة السنوي ٢٠٢٦)، حيث شارك أكثر من خمسين فنانة وفنان برواية جمال الطبيعة العراقية الخلابة، باتجاهات ومدارس وأساليب شتى، مجسدين الأصل الرافديني للفنان العراقي وحميمية انتماءه لهذه الأرض الزاخرة بالجمال والمعطاء، شاركت التشكيلية والشاعرة غرام الربيعي بلوحتها (من وحي شجرة) الباهرة، حيث سعدت بلقائها ، واستثمرت مشاركتها بطرح بعض الأسئلة التي تبادرت إلى ذهني خلال تواجدي في المعرض، ولم تبخل السيدة المبدعة غرام الربيعي بالإجابة بصدر رحب وردود وافية، فكان هذا الحوار الهادىء والرائق:

* معروف عن السيدة غرام الربيعي أنها في الشعر رسامة وفي الرسم شاعرة، البداية كانت مع الشعر أم مع الرسم وأيهما أكثر تأثيرًا في وجدان السيدة غرام؟

– البداية مع الرسم ثم كتابة الخواطر حتى تحولت بفعل القراءات الى كتابات شعرية تزامنت مع الرسم واستمراره بشغف. وتأثير الشعر أكثر لأنها لغة التعبير المباشرة عن الاحساس الذي ينتابنا.

* طبعًا هناك فرق في التفاعل بين اللوحة والمشاهد وبين القصيدة والمتلقي، نود أن توضحي لنا نقاط الاختلاف ونقاط الالتقاء بين الأمرين؟

– عادة التفاعل مع الشعر يعتمد على ذائقة ووعي المتلقي ومدى تفاعله مع الصورة والدلالات ومدى الأصغاء لمحتوى النص فبعضهم يقتربون من النص لأنها اللغة ومشتركاتها من الصوت والالقاء يقرب ذلك للمتلقي.

أما مع اللوحة أغلب الناس يتناغمون مع جمال اللوحة بانسجامها اللوني والشكل ويميل الى الطبيعة والواقعية وتقنيات اللوحة والتكنيك المستعمل أما اللوحات التجريدية فيعتمد على ذائقة المتلقي ومدى معرفته بدلالات الالوان والأشكال وهذا يحتاج أحيانا الى نخب الفنانين أو المثقفين لتحديد مدى استيعاب اللوحة ورمزياتها والتفاعل معها كلوحة جميلة أو لا.

والبعض يحكم على مدى الاخراج النهائي للوحة ولا يشترط فهمها. أما المشتركات كلاهما تحتاج الى وعي متقدم وفهم لرمزيات النص البصري أو اللغوي ليقترب من معنى العمل وفهمه والتفاعل معه.

* المتابع لأعمالكم الفنية يرى شغفًا في البحث عن الجمال في البيئة المحيطة بنا والتفاصيل من حولنا حدثينا عن هذا الشغف ودوافعه.
– بالتأكيد أي عمل هو نتاج تفكير المبدع وتأثره بما حوله واستيعاب ما هو مخفي عن الاخرين لترجمته من خلال المخيال الذي يمتلكة المبدع وأيضا المرجعيات المعرفية للشكل أو الموضوع ودلالات اي رمز للتعبير عن حدث ما أو شيء ما من خلال ترجمته الى عمل نهائي وهنا يجب التمتع بمقومات كثيرة يختلف بها عن العامة ليمكنه انتاج ذلك.. رصد الواقع بعيون جمالية وروح تعبيرية خيال مختلف يمنح العمل جمال وروحية تنبعث من اللوحة الى المتلقي وان اختلفت الآراء. وانا شغوفة بالطبيعة والافكار الني تحيط بها.لذا يتحقق ذلك في لوحاتي.

* نجد في أعمالكم الدقة في النسب واحساس عال في تدرج وتمازج الألوان وتوازن دقيق في التفاصيل مما يعني أن هناك دراسة وتخطيط للعمل قبل وأثناء تنفيذه مع أننا نعرف أن الابداع عادة عفوي وتلقائي وأحيانًا صاخب وقد يتغاضى المبدع عن بعض القواعد فكيف وفقتم بين هذين الجانبين؟

– عادة الفنان يستخدم المعقول واللامعقول في اعماله للابتعاد عن المألوفات والمكررات كي ينتج شيئا جديدا والابداع عادة لا يعتمد على التقييد والقوانين الصارمة ليتحرر منها نحو ما هو جديد، وهذا لا يعني الافلات من نظريات الفن والواقع التي يتحكم بها الفنان والاقتراب من خلق الجديد.

انا شخصيا تأثرت بدراستي الاكاديمية في هندسة الديكور والتصميم الداخلي مع الرسم ومدارسه جعلت لوحاتي تخضع لهذه المنهجيات.

فالابداع لا يكتمل بالعفوية ان لم تكن هناك دراية للخروج بجديد والتمرد على الاشكال والانماط المعروفة يحتاج الى ممارسات كثبرة وتجريب واطلاع ووعي وخيال للوصول الى نتائج مرضية.

* بعض الألوان تنسجم أو تتوافق مع المزاج العام للفنان حتى أنه يفضلها في ملابسه أو أثاث بيته أو مرسمه ما هي الألوان الأقرب أو التي تتوافق مع المزاج العام للسيدة غرام؟

– ألوان وأشكال العمل الفني يخضع للموضوع وفكرة اللوحة، يستطيع الفنان التمرد على بعض المساحات والأشكال عن واقعيتها المعروفة لخلق حياة اخرى للشكل والفكرة، وهنا يستخدم الفنان الالوان التي يميل لها على أن لا تتعارض مع الفكرة والموضوع. ولكن العمل الفني لا يخضع دائما لما يحب أو لايحب لان العمل هو من يشترط حاجته من اللون.

أما انا شخصيا” أميل الى الاسود والأبيض والأخضر والبنفسجي.

* ما دلالات هذه الألوان وما تأثيرها النفسي على المشاهد؟

– لكل لون دلالاته الخاصة لخدمة فكرة العمل، المشاهد ربما غير معني بها بقدر ما ترتاح له بصيرته وبصره وذائقته الخاصة فيميل البعض الى التوافق اللوني المتحقق هارمونيا في كل اللوحة وبعضهم يميل الى الالوان المتضادة والحارة والصريحة كأنه يراها أكثر اشتعالا وضوءا وطاقة محركه لحواسه. وهذا أيضا يتبع ذائقة ووعي المتلقي .

* لكل فنان وأديب مزاج خاص لمزاولة الكتابة أو الرسم ويعتمد طقوسًا خاصةً به لا نجاز عمله فما هي الطقوس الخاصة بكم؟

– عادة الكتابة والرسم تحتاج الى هدوء وذهن صافي للتركيز على الموضوع واعتماد الخيال الذي يرسم بالأقاص فكرة النص او اللوحة.

انا عادة إذا اكتب أحب أن اختلي واهدأ لأنجاب فكرة نص.

أما في الرسم فأهوى سماع موسيقى هادئة لاستكمال فكرة العمل والانسجام معها. وهذا لا يعني استحالة العمل بعدم توفرهم اضطرارا .

* هل هناك لوحة لفنان عراقي أو عربي أو عالمي وددتم لو أنكم أنتم من رسمها وإن كان الجواب نعم فما اسمها ولماذا؟

– لا لم يحدث ذلك معي؛ لأني أؤمن ان لكل فنان تفكيره واسلوبه وتمكنه من ادواته وتقنياته اللونية والأسلوبية. لم أشغل بالي بالتقليد قدر التجريب.

* من يتأمل لوحتكم المشاركة في معرض الطبيعة السنوي ٢٠٢٦ يجد انها قصيدة مرسومة تفيض مشاعر سامية من أين جاءت فكرة اللوحة وما اسمها وما الرسالة التي عملتم على إيصالها للمشاهد وبأي المواد والأدوات نقذتموها؟

– المعرض مخصص للطبيعة فحتما يشرد الذهن الى الماء والاشجار وكائنات الوجود، وأنا لي مع الأشجار حكايات وحكايات وأشعر بان هذا الكائن يمتلك الكثير من العجائب والأسرار من الصفات والمواصفات لتحتل ذاكرتي وخيالي لذا اعتمدتها العنصر المركزي وسط المحيط الطبيعي لها لكن لعبت الألوان وتكنيك التلوين. دورا” في اعطاء حيوية وحركة للعمل.

الالوان أكريليك وباستخدام الفرشاة والسكين كأدوات للتفيذ. اسم اللوحة من وحي شجرة وهي رسالة الى الثبات والمقاومة والتصدي لكل الظروف والمواسم مع بقاء فكرة النمو والتكاثر والحفاظ على جمال وجودها وأهميته لتكون عنصرا محفزا للإنسان وديمومة حركته ومقاومته بسلام في هذه الحياة.

* نود منكم كلمة أخيرة عن الفن وعن أهميته.

– لولا الفن كيف يمكن أن نحاكي الحياة بلغة جمالية موازية. الفن يدخل في كل تفصيلات الحياة واحتياجات الانسان من ابسط شيء لأكبر شيء، لذا هو عنصر مهم لتشكيل الحياة وتنوعها ومنحها طاقة متجددة وحيوية وفاعلة للاستمرار بها بشغف واعجاب ومتعة وفائدة.

الملبس والمأكل والمباني والاثاث ووسائل النقل وكل استخدامات الحياة لابد من دخول الفن عليها لجعلها أكثر جاذبية وتعايش بحب ومتعة.

واما الفن التشكيلي هو مرآة الحياة الأجمل التي لا يمكن التخلي عنها..

قد يعجبك ايضا
∧