فاضل ميراني: الشرق الأوسط مقبل على تحولات كبرى، ويجب أن نكون جزءاً فاعلاً من الحلول الإيجابية لا ضحية للصراعات

 

أجرت قناة كوردستان 24 حواراً مع الأستاذ فاضل ميراني، مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، تناول جملة من القضايا السياسية الراهنة على الساحتين الكوردستانية والعراقية، فضلاً عن التطورات المتسارعة في المنطقة وانعكاساتها على الأوضاع السياسية ومستقبل الاستقرار.

وسلّط الحوار الضوء على أبرز التحديات والاستحقاقات السياسية التي تواجه إقليم كوردستان والعراق، في ظل المتغيرات الداخلية والإقليمية، وما تفرضه من ضرورة تعزيز الحوار والتفاهم، وترسيخ الشراكة الوطنية، والتعامل بمسؤولية مع الملفات العالقة، بما يخدم المصالح العليا للشعب ويعزز فرص الاستقرار والتعايش.

وفي هذا السياق، استعرض ميراني رؤيته إزاء القضايا المطروحة، متناولاً مواقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني من التطورات السياسية، وأهمية الحوار والتفاهم بين القوى السياسية في معالجة الخلافات، إلى جانب قراءة المشهد الإقليمي وتداعياته المحتملة على العراق وإقليم كوردستان.

ويأتي هذا الحوار في وقت تشهد فيه الساحتان العراقية والإقليمية تحولات سياسية متلاحقة، تجعل من تبادل الرؤى وطرح المواقف إزاء القضايا المصيرية أمراً بالغ الأهمية لفهم اتجاهات المرحلة المقبلة واستحقاقاتها.ونظرا لأهمية مادار في اللقاء، ارتات التاخي نشر نصه:

نص اللقاء الكامل:

هكار نهێلي: طاب يومكم مشاهدينا الأعزاء، نرحب بكم من داخل الدورة الثامنة عشرة لمعرض أربيل الدولي للكتاب، هذا الحدث البارز الذي يُفتتح كل عام برعاية وحضور فخامة الرئيس مسعود بارزاني. لا شك أنه معرض واسع وشامل يضم أكثر من مليون عنوان، وسط أجواء مميزة وأدبية للغاية، ونتمنى لكل من تسنح له الفرصة أن يقوم بزيارته.
وفي إطار تغطيتنا، يحل علينا ضيف عزيز جداً؛ فإلى جانب كونه أحد القادة البارزين في الحركة التحررية الكوردستانية ويتولى مسؤولية إدارة وحماية مكتسبات بلادنا، فهو أيضاً كاتب ومفكر قدير ومتميز. أود أن ألفت عنايتكم إلى ضيفنا العزيز السيد فاضل ميراني، مسؤول الهيئة الإدارية للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني. أنتم تعرفون كاك فاضل ودوره الكبير في مجالات السياسة والإدارة ومواكبته لأوضاع بلادنا عبر مختلف المراحل.
*كاك فاضل، أهلاً وسهلاً بك، وسعيد جداً بلقائك هنا.
 افتتاح الرئيس بارزاني لمعرض الكتاب سنوياً فخر لكوردستان وتقليد يعكس عمق الهوية الثقافية
فاضل ميراني: شكراً جزيلاً لقناة كوردستان24، وشكراً لك أيضاً أخي العزيز كاك هكار.

هكار نهێلي: قمت بجولة داخل أروقة المعرض، ما الذي لفت انتباهك تحديداً؟ لقد لاحظت التفاف الجماهير ومحبتهم الكبيرة لك وحرصهم على التقاط الصور التذكارية معك.. كيف تقيم المعرض هذا العام؟
فاضل ميراني: أخي كاك هكار، المعرض يسعدني ويبعث في نفسي البهجة دائماً؛ لأنه فضلاً عن كونه يقدم خدمة جليلة للكُتّاب ولدور النشر والقائمين على تنظيمها، فهو يمثل تظاهرة اجتماعية وحركة ثقافية وتنويرية كبرى.
كما أن هذا المعرض يعرّف العالم ببلدنا وبشعبنا؛ فالناس والناشرون يقصدوننا من كل مكان لعلمهم بأن لدينا قراء حقيقيين يقتنون الكتب، ولأننا ننعم بالأمن والاستقرار. هذه المنفعة متبادلة، للمشاركين ولنا كشعب.
والقراء الأعزاء هم عماد هذا النجاح وسر استمرارية إقامة المعرض سنوياً، وهنا أحيي الأخ العزيز كاك فخري كريم لدوره البارز والمستمر في هذا الإنجاز.
والأهم من ذلك كله، أن رعاية وافتتاح الرئيس مسعود بارزاني للمعرض كل عام باتت تقليداً سنوياً راسخاً، وهذا يمثل مبعث فخر واعتزاز كبيرين لشعب كوردستان أن يفتتح زعيمه هذا المحفل الثقافي الدولي.

هكار نهێلي: بالتأكيد كاك فاضل، فحضور وافتتاح المعرض من قِبل الرئيس شخصياً يمنحه زخماً كبيراً. وقد لفت الانتباه اختيار سيادته هذا العام لعدد من الكتب، من بينها كتاب “الكرد والثورة الصامتة” للكاتب الفرنسي الشهير جان برادييه، وهو الكتاب الذي نعرضه الآن أمام السادة المشاهدين. وفرنسا لطالما وقفت إلى جانب كردستان سياسياً وأمنياً، وكانت المحرك الأساسي لصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 في التسعينيات.. انطلاقاً من ذلك، كيف ترى قيمة وأهمية المطالعة اليوم؟
 الكتاب الورقي يظل الأصل.. ولا غنى عن القراءة المعمقة لبناء الوعي وتوسيع الفكر
فاضل ميراني: اختيار الرئيس مسعود بارزاني لكتاب جان برادييه يستند إلى أسباب وجيهة ودلالات عميقة:
أولاً: هذا الكاتب كان نصيراً صادقاً للكورد ولثورتهم التحررية.
ثانياً: هو من الشخصيات التي زارت كوردستان مبكراً في ستينيات القرن الماضي وعايشت الواقع عن قرب.
ثالثاً: الرئيس بارزاني يُقدّر دائماً العلاقات والروابط التاريخية التي بنتها حركتنا التحررية مع الدول والشعوب الصديقة، وفي مقدمتها فرنسا؛ تلك العلاقة التاريخية التي جمعت البارزاني الخالد بالجنرال شارل ديغول، وصولاً إلى العلاقات المتميزة والخاصة القائمة اليوم بين أربيل والحكومة الفرنسية.
أما فيما يخص القراءة والمطالعة، فالأمر اختلف عن الماضي؛ قديماً كانت القراءة الورقية الوسيلة شبه الوحيدة لاكتساب العلم والمعرفة، أما اليوم فقد تعددت الوسائل بتوفر الشاشات المتلفزة، ومواقع التواصل الاجتماعي، والكتب الرقمية. ورغم ذلك، ومهما بلغت كفاءة أي محاضر أو أستاذ، فإن المحاضرة لا يمكن أن تعوض القراءة الشخصية للكتاب؛ فعندما تقع العين على الصفحة المطبوعة تنتقل الكلمات راسخةً إلى الذهن والدماغ.
ومن هنا أؤكد أنه لولا القراء لما كُتب النجاح لهذا المعرض؛ فالقراءة توسع مدارك الإنسان وفكره، ونصيحتي لكل قارئ: إذا قرأت كتاباً ولم تستوعب مضمونه بعمق من المرة الأولى، فلا تتركه نهائياً، بل ضعه جانباً ثم عُد لقراءته بتمعن مرة أخرى بعد فترة ليتضح لك المعنى وتكتمل الفائدة.

هكار نهێلي: بصفتك مسؤول الهيئة الإدارية للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، لا بد من الانتقال إلى الشأن السياسي: في هذا التوقيت الحرج الذي يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات دراماتيكية متسارعة، كيف تنظر إلى المشهد العام والبوصلة التي تتجه نحوها المنطقة؟
تفاهماتنا مع الاتحاد الوطني متقدمة، وأي فراغ سياسي أو تأخير في تفعيل البرلمان يمثل مصدر قلق وطني
فاضل ميراني: الجميع بات يدرك ويتحدث عن أن هناك تغييرات كبرى قادمة، وأن المنطقة برمتها تقف على أعتاب تحولات حتمية. لكن السؤال الجوهري والأساسي هنا هو: ما هي طبيعة هذه التغييرات؟ ومَن الذي سيصنعها ويقودها؟ وكيف وأين ستتبلور؟
الإنسان الواعي والمسؤول ينبغي أن يكون جزءاً إيجابياً وفاعلاً في هذه التغييرات، أو أن يعمل على حماية نفسه وشعبه من انعكاساتها وتداعياتها السلبية. ومن هنا، فإن الواجب التاريخي الملقى على عاتقنا كقوى وأطراف سياسية، وعلى عاتق الرئيس بارزاني، وجميع الكوردستانيين، هو أن نفكر ونتحرك برؤية موحدة للوصول إلى تفاهم يجعلنا طرفاً رئيساً في صناعة الحلول، لا أن نتحول إلى ضحايا لصراعات الآخرين.

هكار نهێلي: يمر اليوم نحو 236 يوماً على اندلاع الحرب وتصاعد الصراع في غزة والمواجهات المرتبطة بإسرائيل وأمريكا وإيران، بالتزامن مع جهود تفاوضية ممتدة.. هل ترى على أرض الواقع أي بارقة أمل لحل هذه الأزمات المستعصية عبر المسار الدبلوماسي؟
فاضل ميراني: بما أن العالم بأسره يتحدث عن مواثيق حقوق الإنسان، وينادي بالسلام والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن يوماً واحداً من السلام أنفع للبشرية جمعاء من مئة يوم من ويلات الحرب.
حتى هذه اللحظة، تبدو الغايات الحقيقية لهذا الاقتتال غير معلنة ولا واضحة للعيان، في حين أن نتائجه المدمرة واضحة وملموسة وتصيب الجميع بأفدح الأضرار، سواء في أمريكا أو إسرائيل أو إيران، والضحية الأكبر هم المدنيون الأبرياء. وإنه لمن دواعي الأسف الشديد أن نرى في هذا العصر أن الإنسان وحياته باتا أرخص ما في معادلات الصراع.

هكار نهێلي: المشهد الإقليمي يبدو في غاية التعقيد، ولغة الدبلوماسية تواجه انسداداً أمام منطق القوة والمتغيرات الجيوسياسية. أمام هذه المعادلة، كيف ينبغي لإقليم كوردستان وقيادته التعاطي مع هذه الاستحقاقات وتأمين مصالح شعبنا؟
فاضل ميراني: يجب التأكيد دوماً على أن السلاح واستخدام القوة لا يمكن أن يكونا بديلاً عن الدبلوماسية والحوار في حل المشكلات. ونحن في إقليم كوردستان – دستورياً وواقعياً – ما زلنا حتى اللحظة جزءاً من العراق؛ وبالتالي فإن أي مكروه أو ضرر يحل بالعراق سينعكس علينا بصورة مباشرة، وندعو الله ألا يحدث ما يضر البلاد.
لكن مسؤوليتنا الاستراتيجية والوطنية تفرض علينا تجنيب إقليمنا مغبة الدخول في هذه التوترات والحروب. يجب أن نكون جزءاً محورياً من معادلة الاستقرار والحل السياسي، لا طرفاً منخرطاً في الاقتتال أو كبش فداء لنتائجه، وأن نضع نصب أعيننا دائماً حماية مكتسباتنا الدستورية وصيانتها.

هكار نهێلي: إذا انتقلنا للمشهد الداخلي في الإقليم؛ فقد مر قرابة العامين على استحقاق انتخابات الدورة السادسة لبرلمان كوردستان، وحتى الآن لم يُفعّل البرلمان وتتعطل مساعي تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة في ظل الخلافات السياسية.. كيف تقيم هذا الواقع؟
فاضل ميراني: باختصار شديد وبلغة واضحة، إن ملاحم الصمود في “پردێ” (آلتون كوبري) و”سحيلا” ستظل دوماً عنواناً للفخر والكرامة لكل كردستاني شريف ووطني مخلص. ولكن في المقابل، فإن تأخر تفعيل البرلمان وعدم المضي في تشكيل الحكومة الجديدة يمثل مصدراً حقيقياً للقلق والاستياء لدى كل حريص وغيور على مصلحة هذا الوطن.

هكار نهێلي: رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني صرح بوضوح مؤخراً بضرورة تفعيل البرلمان وأبدى كامل الجاهزية للحوار وتشكيل الحكومة، كما دعت كتلة الحزب الديمقراطي باقي الكتل الكردستانية للمضي قدماً في هذا الاتجاه. ما هو الموقف الفعلي لمسار التقارب والتفاهمات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني؟
فاضل ميراني: نعم، كانت هناك خطوات عملية وملموسة إلى الأمام؛ حيث جرى التوصل إلى تفاهمات واتفاقات بين الحزبين حول الخطوط العامة لبرنامج الحكم، والمسألة الآن تقف عند الشروع في التطبيق العملي. كما أن الاجتماع واللقاء المشترك الذي جمع رئيس الحكومة كاك مسرور بارزاني ونائبه بث رسالة ارتياح وتطمين طال انتظارها في الشارع الكردستاني، إلى جانب المساعي الحثيثة والدور الهام الذي يضطلع به فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني في تهيئة الأرضية لعقد الاجتماع الرباعي لقادة الأطراف.
من الواجب الإسراع في عقد هذا الاجتماع لحسم الملفات، لأن هناك جهات وقوى تتربص بنا وترى في تفرقنا وخلافاتنا الداخلية فرصة ومصدر قوة لها لفرض إملاءاتها على الكورد؛ سواء في البرلمان الاتحادي عبر لعبة الأغلبية والأقلية، أو في إدارة مفاصل الحكم. لذا يتوجب علينا قطع الطريق أمام المتربصين ومعالجة نقاط ضعفنا فوراً.
المساس بحقوق كوردستان الدستورية خط أحمر.. وسنُسقط أي تعديل مجحف بحق “الفيتو” المكفول عبر المحافظات الثلاث

هكار نهێلي: برزت مؤخراً تصريحات منسوبة لرئيس المحكمة الاتحادية العليا يدعو فيها إلى إجراء تعديلات على الدستور العراقي، في وقت يتزامن مع أزمة جداول الموازنة وقضايا الأغلبية والأقلية. ما هي قراءتكم لهذه الطروحات؟
فاضل ميراني: قضية الموازنة والاستحقاقات المالية تمثل بلا شك هاجساً ومصدر قلق نسعى لمعالجته، لكن الخطر الأكبر والتهديد الوجودي الحقيقي يكمن في أي توجه أو محاولة للمساس بالدستور والانتقاص من الحقوق الدستورية لشعب كوردستان ومكانة إقيمه الفيدرالي.
الدستور العراقي واضح وصريح؛ إذ وضع صمام أمان تاريخي يمنع أي فئة أو مكوّن من الانقلاب على الحقوق عبر الأغلبية العددية، حيث ينص بوضوح على أن أي تعديل دستوري يسقط إذا رفضه ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات.
وهذا يضع مسؤولية استراتيجية وتاريخية على عاتقنا جميعاً؛ على الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكوردستاني، وكافة القوى والأحزاب الكردستانية دون استثناء، بأن نقف صفاً واحداً لرفض أي مساس بمكتسباتنا وحقوقنا الفيدرالية.

هكار نهێلي: هل يمتلك الكورد اليوم ذات العزيمة والإرادة الفولاذية الموحدة التي تجلت في محطات 2003 و2005 لحماية حقوقهم وفرض حضورهم في بغداد؟
فاضل ميراني: الإرادة موجودة وقائمة بكل تأكيد متى ما خلصت النوايا واستنهضها أصحابها، وكان عمادها التمسك بعدالة قضيتنا القومية والدفاع عن حقوق ومصالح شعبنا دون تردد.
هكار نهێلي: كل الشكر والتقدير للسيد فاضل ميراني، مسؤول الهيئة الإدارية للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، على هذا الحوار الصريح والشيّق. والشكر موصول لكم مشاهدينا الأعزاء على طيب المتابعة من معرض أربيل الدولي للكتاب. دمتم بخير.

قد يعجبك ايضا
∧