حوار عطا درغام
حين يُذكر المسرح في عدن، تبرز أسماء قليلة حاربت للبقاء فوق الخشبة رغماً عن انكسارات الواقع المحيط؛ وفي مقدمة هؤلاء المخرج والكاتب عمر مكرم عنتر. رجل لم يقف عند حدود الهواية، بل صقل موهبته أكاديمياً في الكويت ليعود محملاً برؤية مسرحية مغايرة، تجلت بوضوح في عمله الأخير “زبد” الذي حصد به جائزة أفضل إخراج. في هذا الحوار، نضعه وجهاً لوجه أمام أسئلة تشتبك مباشرة مع أسلوبه الإخراجي، فلسفته البصرية، ومصير المسرح اليمني المعاصر الذي يقف اليوم على مفترق طرق بين الغياب وإعادة الولادة.
المحور الأول: مسرحية “زبد” وفلسفة العرض (6 أسئلة)
1.أستاذ عمر، في مسرحية “زبد” اخترت “السفينة المحاصرة بالطوفان” كرمز بصري أساسي؛ هل كنت تقصد بالسفينة جغرافيا اليمن تحديداً أم الواقع العربي ككل؟
في زبد لكن لابد من هذا العرض المسرحي صورة لواقع عربي متشابه تتلاطم فيه الأمواج من كل الاتجاهات لتضعنا كشعوب عربية في لجة هذا الخضم وتفرض علينا شعوراً باليأس وعدم رؤية لانفراجه قريبة مما عمق حالة الشعور بواقع اللا عودة لدائرة الأمان وكان لزاماً علي كمخرج أن أعيد ترتيب النص الذي كتبته بما يتواءم مع فكرة النص وليس مع النص…
2- النص مستوحى من قصيدة للشاعر الراحل عمر محمد عمر؛ ما الذي وجدته في السطور الشعرية واستفزك كمخرج لتحويله إلى لحم ودم وحركة على الخشبة؟
رحم الله شاعرنا الراحل عمر محمد عمر الذي كان بمثابة قارئ حصيف للواقع المحيط به والذي كانت قصائده ترجمه حقيقية لهذا الواقع العربي المؤلم وقد أخترت له بالنص ما يتوافق مع فكرة العرض والبناء الدرامي لمسرحية زبد وفي اعتقادي إن الصورة قد اكتملت بإشراك المثقف الواعي في رسم ملامح الواقع المعاش إلى جانب باقي شرائح المجتمع…
3- العرض ناقش انحراف مسارات “الربيع العربي”؛ ألم تخشَ أن يطغى الخطاب السياسي المباشر على جمالية الفن المسرحي في هذا العمل؟
رغم أن قناعاتي الشخصية تقف على حقيقة مفادها إن الفعل السياسي هو المحرك الأساسي لمختلف جوانب الحياة في عالمنا العربي إلا أني حاولت مجتهداً على إشراك شخصياتٍ اجتماعية بسيطة في تعاملها لقضياها وهمومها اليومية لتحقيق ترابط أفضل بين الخشبة و الجمهور…
4- فوزك بجائزة أفضل إخراج في المهرجان الوطني للمسرح بعدن عن هذا العرض، ماذا أضاف لمشروع عمر مكرم الفني؟
لاشك وأنه قد أضاف شيئاً في رحلة العطاء الإبداعي كما هو الحال مع تقديراتً وشهاداتً سبقته على هذا الدرب وبالتأكيد كان بمثابة حافز لاستمرار مشوار العطاء وإعادة تقييم ما سبقة وتصحيحاً لما هو قادم…

5- – كيف استقبل الجمهور العدني العرض، خاصة وأنه يمس جراحاً يومية يعيشها المواطن في الداخل؟
يكفي أن ننظر إلى الصورة مكتملة وكما سبق وقلت أن العلاقة كانت تفاعلية إلى حدٍ كبير بين الخشبة والصالة وهذا يترجم حال التفاعل الوجداني من قبل الجمهور مع العرض المسرحي وليس أذل ع ذلك من لحظة ختام العرض التي لم يغادر بها الجمهور الصالة الا بعد تقديم سير التهاني لكل المشاركين في هذا العرض وهذا في رأيي هو خير تقييم لمسرحية زبد…
6- الموت والخراب حضرا بقوة في سينوغرافيا العرض، لكنك اخترت أن تنتهي المسرحية بصوت جيل جديد يطلب الأمل؛ كيف توازن كمخرج بين واقعية اليأس وضرورة التفاؤل؟
كما يقال لكل شيءٍ نهاية وليس من الطبيعي أن تكون كمخرج أو كمؤلف حاسماً في وضع خاتمة الأحداث لذا كان لابد من وضع نهاية مفتوحة تنتظر القادم في الغد لذلك جاء الصوت حادً وقوياً من بين الجمهور الحاضر يحمل البشارة المغلفة بالأمل ويضع السؤال الذي يحث الجميع على التفكير والبحث عن إجابة على السؤال المهم (هل يحدث تغييراً في غدنا)
المحور الثاني: المسرح اليمني المعاصر
7.كيف تقرأ واقع المسرح اليمني المعاصر اليوم في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية الطاحنة؟ هل يمر بمرحلة احتضار أم إعادة ولادة؟
ما يمر به الوطن اليمني حالياً وبعد مرور أكثر من ربع قرن يترك الإجابة على هذا السؤال إلى ما بعد خاتمة مسرحية زبد والتي مفادها كما قلنا هل يكون الغد أفضل..
8.عُرفت عدن تاريخياً بأنها منارة المسرح في الجزيرة العربية؛ ما الذي فقده المسرح العدني اليوم ولم يعد قادراً على استعادته؟
في قرأة تاريخ المسرح وتحديداً في عدن نجد أن مداميك المسرح قامت على أساس ثقافي ووعي وطني ممتد بجذور تاريخية وطنية ودينية وهذا ما شكل العامل الأبرز في نتاج العمل المسرحي منذُ مراحلة الأولي حتى أستقام فكرياً وموضوعياً مع الاحتياج الشعبي آنذاك والقارئ الحصيف والباحث الجاد يعلم أن ضرورات تلك المرحلة قد هيأت الأرضية المناسبة للعطاء المسرحي الذي أستمر وتمدد على ربوع الوطن باجتهادات خاصة في الجزء الأكبر من نشاطه عبر الفرق الأهلية أو الخاصة رغم الإمكانات المتواضعة مادياً،لكن وهذهِ وجهة نظر شخصية مرحلة تدخل الدولة في العمل الفني وطبيعة موضوعاته الموجهة قد أثرت سلباً في هذهِ المسيرة على المدى البعيد وربما في ذلك ما نجد عليه وأقع المسرح اليوم الذي يمكن أن نجد فيه كثيراً من المنغصات والعوائق مثل..أزمة النص وأزمة الخشبة وأزمة الإنتاج وغيرها من اللواتي كانت سبباً في تعطيل حركة المسرح على المستوى الوطني…
9.يواجه المسرحي اليمني أزمة حادة في البنية التحتية وغياب المسارح المجهزة؛ كيف تتحايل كمخرج على هذه العوائق لتقديم عرض يليق بالجمهور؟
ليس بالإمكان افضل مما كان كما قيل وبالتالي لا ينبغي على المخرج إن أراد الاشتغال أن تقف هذه العوائق في وجهه بل ينبغي أن يسخر الإمكانات المتاحة لعمله المسرحي ولنا من الشواهد الكثير فيما قدمناه سابقاً سواء عن طريق المسرح الجماهيري أو المسرح المدرسي الذي أعتمد على أرضية مسرح متنقل أو متحرك ثم تأتي بعد ذلك الاحتياجات الأخرى كالصوت والإضاءة والستارة وهنا تظهر حرفية المخرج في تسخير ماهو متاح للعرض المسرحي…
10.هل ترى أن نصوص المسرح اليمني المعاصر لا تزال أسيرة القضايا السياسية المباشرة، أم أن هناك اتجاهاً نحو قضايا إنسانية وفلسفية أرحب؟
لا ينفصل ما طرحته في سؤالك عن بعضه في العرض المسرحي الناضج؛ إذ يمكن للمؤلف أو المخرج أن يتعاطى مع هذه الجوانب مجتمعه من خلال العرض المسرحي المقدم لجمهور المشاهدين عن طريق الحدث سواء كان سياسياً أو إنسانياً شريطة أن يكون وأعياً ومستوعباً لخلاصة الحدث الذي يتناوله بتفاصيله الأساسية معرجاً على خلفيات هذا الحدث….
11.ما تقييمك للدور الذي تلعبه وزارة الثقافة أو المهرجانات المحلية اليوم في دعم واستمرار العروض المسرحية في اليمن؟
للأسف، وكما أشرت سابقاً أن الوعي لذا القائمين على الشأن الثقافي قد فقدوا الإدراك بدور وأهمية المسرح منذُ سنوات خلت، وصار دورهم باهتاً وخصوصاً فيما يتعلق بالمسرح الجاد وأقصد هنا المسرح المعني بهموم وقضايا المجتمع والدليل هذا الغياب الملحوظ للمسرح ومهرجاناته ومشاركاته الداخلية والخارجية…
12.كيف تنظر إلى عزوف أو إقبال جيل الشباب على ارتياد المسرح في اليمن مقارنة بالوسائط الرقمية الحديثة؟
إذا كنا نتفق بداية على اختفاء أوجه الدعم والاهتمام من قبل وزارة الثقافة،ونتفق مع عدم الاهتمام بالنشء من خلال المسرح المدرسي الغائب ونتفق على عدم منح الشباب فرص التأهيل الداخلي والخارجي في هذا المجال ونتفق أخيراً على حقيقة الانحدار الثقافي عموماً،فماذا بقي بعد ذلك من حافزاً للشباب كي يتعلقوا ليس بحبال المسرح فقط وإنما بخيوط الثقافة عموماً،وما بعض المظاهر التي نراها هنا وهناك في بعض الأحايين ليست إلا للترفية عن الذات…
13.هل يمكن للمسرح اليمني المعاصر أن يصنع هويته الخاصة وينافس في المهرجانات العربية والدولية بالوضع الحالي؟
إذا استند العمل المسرحي المشارك على أبجديات العرض التي منها نضوج النص المسرحي والرؤية الإخراجية وقدرات الأداء المستوعبة للشخوص روحاً وتوفر إمكانات العرض المصاحبة،فذلك يمهد لمشاركة مسرحية ناجحة وبدونها يسقط حق المشاركة…
المحور الثالث: صناعة العرض وإدارة الخشبة
14.دراستك في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت، كيف صقلت أدواتك الإخراجية، وكيف وظفت تلك الأكاديمية عند عودتك لعدن؟
موهبة الفنان تكتمل بالمعرفة وبالتأكيد ارتكاز الفنان على المعرفة غير ارتكازه على الموهبة فقط لأن المعرفة تضيف الكثير إلى قرأة واستيعاب مضامين العرض المسرحي نصاً وإخراجاً وتحريكاً للشخوص وهذا ما أضاف لي الكثير بعد تخرجي من المعهد العالي للفنون المسرحية لدولة الكويت و ما كانت علية الحصيلة التي ارتكزت على مداميكها في تقديم أعمالي المسرحية بعد ذلك ومنها مسرحية(ثلاثة في زنزانة ومسرحية أم الشهيد ومسرحية زبد وهذا جناه أبي والشقيقان وغيرها من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية).
15.في عروضك تجمع دائماً بين عمالقة المسرح والوجوه الشابة؛ كيف تدير هذه التوليفة على الخشبة دون أن يطغى حضور النجم على طاقة الشاب؟
أنا في الغالب حريص على اختيار شخصيات العمل المسرحي بما يتناسب مع أدوارها في النص المسرحي وذلك يساعدني كثيرا في إيصال طبيعة الشخصية للممثل أثناء البروفات لذلك تذوب الفوارق بين المشاركين في العرض بالاستيعاب الناضج الشخصيات المجيدة على الخشبة
16.متى يتنازل عمر مكرم الكاتب لعمر مكرم المخرج أثناء بروفات العرض؟ أي منهما ينتصر في النهاية؟
هو ليس تنازلا بقدر ماهو مراجعه للذات
17.السينوغرافيا في عروضك ليست مجرد ديكور، بل هي بطل متحرك؛ كيف تبدأ برسم الصورة البصرية؟ هل تولد مع النص أم أثناء التجسيد على الخشبة؟
من وجهة نظر شخصيه وربما الكثير ممن تابع أعمالي المسرحية قد لاحظ ذلك أن الديكور المسرحي في العرض ليس إلا وسيلة لتحديد الزمان والمكان عند المشاهد منذ فتح ألستارة وهذه هي الروسيه التي ابني عليها فكرة الديكور منذ البداية
18.إيقاع العرض المسرحي هو الميزان الذي يمنع الملل؛ ما هو سرك الخاص في ضبط إيقاع الممثل وحركته طوال العرض؟
الحقيقة أنا لا افكر بالجمهور خلال مراحل الإعداد والتجهيز للعرض المسرحي ويكون الإيفاع للعمل جزء مهم ارتباطا بالأحداث لا بالجمهور لأني في الغالب اقدم أعمالا جاده لاتجاريه
19.إلى أي مدى تمنح الممثل مساحة للارتجال وإضافة لمسته الخاصة أثناء البروفات، ومتى ترفع شعار “ممنوع التغيير”؟
كما أشرت سابقاً يهمني استيعاب الممثل لمفردات الشخصية التي يجسدها فإن تم ذلك يمنح الممثل الحق بالأداء بما يتواءم معها حركة وحوارا إضافيٱ متفق عليه مسبقا وهنا تكون نقطة الوقف
المحور الرابع: الهوية، المسيرة، والمستقبل (6 أسئلة)
20.مسيرتك ممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي بين المسرح والإذاعة والتلفزيون؛ أي من هذه الوسائط تجد فيه نفسك الحقيقية ولماذا؟
ربما كانت الدراما التلفزيونية هي الأقرب لي كممثل إنني أجد فيها الفرصة لتطبيق ما اعرفه وأقوله في المسرح
21.المسرح هو “أبو الفنون” لكنه الأقل دخلاً ومردوداً مادياً في اليمن؛ ما الذي يدفع عمر مكرم للاستمرار في هذا الطريق الوعر؟
من يعشق وطنه لا يتركه تحت وطأة الظروف بل يبذل جهده في سبيل تحسين وجهه وهذا هو حالنا
22.كيف أثرت سنوات الغربة والدراسة بالخارج على رؤيتك الفنية للقضايا المحلية اليمنية؟
غادرت عدن إثر أحداث يناير٨٦م وكانت تعيش مأساة الحرب إلى دولة الكويت التي كانت ترفل بالسلام والاستقرار وعدت إلى عدن في العام ٩٠م وكانت تعيش نشوة الوحدة في وقت عاشت فيه الكويت مأساة الحرب وبين الحدثين ثقل الكاهل بمتناقضات الواقع المعاش هنا وهناك ترك أثرا للتعاطي مع هذا الواقع فنيا بمنظور أوسع
23.هل هناك نص مسرحي كتبته ولم يخرج للنور بعد لأن “الخشبة اليمنيّة” لم تجهز له بعد؟
أرحو ذلك ..فأنا ابحث عن راع لعمل مسرحي جديد يتناول حياة المعاق وما يواجه من نظرات قاصره في المجتمع وقصر الرعاية اللازمة من الدولة وكيف تكون نظرته للحياة في واقع كهذا
24.يصفك البعض بأنك “ضمير المسرح العدني” نظراً لالتحامك بقضايا الناس؛ هل يثقل هذا الوصف كاهلك بمسؤولية إضافية؟
نعم ..وقد سعيت لهذا منذ سنوات خلت من خلال مسلسل تلفزيوني كتبته في ثلاثين حلقه أسميته خلف جدار الأيام ..يتناول معاناة عدن وأبنائها على مدار سنوات طوال وللأسف قنواتنا الوطنية لا تبحث إلا عن البهرجة والسطحية والتمجيد الأجوف في الإنتاج الدرامي
25.بين صخب البدايات وثقل المشهد الحالي، لو عاد بك الزمن إلى ثمانينيات القرن الماضي، هل كنت ستختار نفس الطريق الوعر للمسرح في عدن، أم كنت ستتجه للإذاعة أو التلفزيون بشكل كامل لتفادي هذه المعاناة..؟
العاشق الحقيقي لايتنكر لعشقه والمؤمن الذي يعرف أن الله حق مهما أصابه من الأدى يبقى مؤمنا ومن تعلمنا منهم أبجديات العطاء في أصعب المراحل يبقون نورا نستضئ به لنعبر المستحيل