أوراق الغرابة والتمرد.. حوار مع السادن في محراب الكلمة

حوار:عطا درغام

لم يكن النقد يوماً خارجاً عن جسد الإبداع، بل هو المرآة التي تعيد تشكيل ملامحه في عيون المتلقين. وضيفنا اليوم أكاديميٌّ من طرازٍ خاص، رجلٌ يعيش بالقصيدة، ويتنفس بالسرد، ويُشرح النص بمبضع العالِم الشغوف. الدكتور أحمد صلاح هاشم، الأديب الذي تتوزع خطاه بين وعورة المسالك النقدية وعذوبة الضفاف الإبداعية، يفتح لنا قلبه وعقله في هذا الحوار، لنتجول معه في شعاب الكتابة؛ من عوالم قصصه في “بيومي”، إلى سماوات قصائده في “اضطرابات شاعر”، وصولاً إلى قراءاته المعمقة في عوالم حسين مردان ومظفر النواب.
المحور الأول: الوجودية والإنسانية في السرد القصصي (تأملات في “بيومي”)
1- في مجموعتك “بيومي”، تبدو العلاقة بين الأرض والسماء خيطًا ناظمًا للقصص؛ كيف صهرت هذا البُعد الغيبي في قالب واقعي دون أن تسقط المجموعة في الوعظ المباشر؟

جاء الإبداعُ ليصنع السلام؛ سلامًا مع الكون، والإنسان، والقيم. وعدوُّه الوحيد هو المباشرة والسطحية، أو فلنقل اختصارًا: التوسُّل بغير الأدوات الفنية. فلو هبطت المجموعة القصصية إلى مستوى النصيحة المجردة، لكان الأولى بي أن أقدم منشورًا أخلاقيًا أو خطابًا وعظيًا، لكنني حرصتُ كل الحرص على تقديم عملٍ مشبع بالفن وجمالياته، وحسبي في ذلك أنني أسعى وأحاول! ولعل ركيزة اعتمادي الأساسية كانت الانحياز إلى المجاز في مواجهة الواقع، حتى حين تكون الحكاية يومية ولصيقة بالتفاصيل المعتادة؛ فالفكرة توصف بالعمق أو بالسطحية فقط عن طريق تناولها فنيًّا. من هنا سعيتُ إلى تقديم الفكرة مجردة، وخيالية، ومحلقة، متفاديًا في الوقت نفسه الفخ المضادّ: الإغراق في السوريالية المجانية أو السقوط في مستنقع الرمزية المعتمة والإسقاطات المجهولة.
2- تنقلت في قصصك بين 14 حكاية للبشر؛ ما الملامح الإنسانية المشتركة التي كنت حريصًا على اقتناصها لإثبات أن الوجع الإنساني واحد مهما اختلفت الوجوه؟

يتبدى الوجع الإنساني في تجليات شتى؛ لعل أخفها هو الألم الحسّيّ الظاهر، في حين تكمن وطأته الكبرى في الآلام النفسية: في مشاعر العجز، ومكابدة التسلّط، والتيه، والارتباك، والقلق الوجودي حيال المصير. حاولتُ عبر هذه القصص أن ألامس ذروة الوجع الإنساني، من خلال نماذج لحكايات متفرقة، تتلاقى جميعها عند نقطة واحدة: هشاشة المقاومة، وانكسار القدرة على التحليق.. ومن ثم، كنتُ أحاول، عبر الكتابة، أن أصنع لشخوصي أجنحة تحليق، ولا أبالغ إن قلتُ: رأيتهم وهم (الأشخاص العاديون) يطيرون أمام مرآي!

3- حازت قصة “عجائز المرآة” على الاحتفاء والجوائز؛ هل كانت المرآة هنا أداة لمواجهة الزمن، أم أنها كانت وسيلة لتعرية الذات أمام شيخوخة العالم؟
المرآة هي صورة الكون كما يتمثل أمامنا؛ هي ارتداد شخوصنا على صفحة الوجود، وهي عين الأم حين تحتضن وليدها، وإصبع الأب وهو يداعب رضيعًا. غير أن المرآة ليست سطحًا يعكس الواقع بحياد دائم؛ فإما أن تضخمه، أو تقزّمه، أو تحرّفه. ولعل هذا المعنى هو ما رمى إليه خليل مطران حين قال:
تَغْشَى البَرِيَّةَ كُدْرَةٌ وَكَأَنَّهَا *** صَعِدَتْ إِلَى عَيْنَيَّ مِنْ أَحْشَائِي
كان يقصد أن النظارة القاتمة متى ارتديتَها فلن ترى في الكون سوى انعكاس السواد. من هذا المنطلق، عالجَتْ قصة “عجائز المرآة” (الفائزة بجائزة أحمد باديب) ثيمة المرآة بوصفها وعاءً زمنيًا؛ عبر صورة ذلك الرجل الذي هزمته الدنيا وعرَّكَته التجارب، فسقط في فخ السنّ، حيث تعبره السنوات مسرعةً، حتى يفاجأ بنفسه واقفًا على شفا النهاية، لا يحمل في يديه سوى التجاعيد!

4- كيف توظف حركة الشخوص اليومية البسيطة داخل السرد لتمرير أسئلة وجودية كبرى ومعقدة دون إثقال كاهل القارئ العادي؟

لا أميل إلى التنظير المفرط، ولعلي مجرد كاتب يسعى بجدية.. لكن بصفتي ناقدًا، أستطيع تلخيص مسألة توظيف الشخوص في وصية موجزة: «كن صادقًا». متى صدقتَ في بناء الشخصية، وتوغلت في انفعالاتها وطريقتها العفوية في مجابهة أزماتها ومواقفها، فستجد أنها بدأت تتحرك وتتفاعل من تلقاء نفسها، حاملةً جيناتها الخاصة في دروب السرد، وهناك فقط تتخلق الحركة الحقيقية. وثمة أمر آخر: حين تكتمل للقصة شخوصها الناضجة، فإنها تشرع في “أَسْطَرة” ذاتها، أي تصنع أسطورتها الخاصة. وهذا يفرض على الكاتب ألا يهمل الشخصيات الهامشية أو يعاملها كـ “كومبارس” لتأثيث المشهد؛ وفي المقابل عليه أن يجعل من كل شخصية بطلًا في مساحتها: بتوسيع أفق الوصف، أو منحها حوارًا دالًا، أو تمييزها بخصوصية ما (سواء في هيئتها، أو نبرة حديثها، أو حركاتها الجسدية). والقارئ بذكائه الفطري يلتقط هذه الإشارات، ويستنبت تلك الشخصيات في مخيلته، ليكمل هو بنفسه ما سكت عنه النص.
5- يرى البعض أن السرد القصصي المعاصر بات يميل إلى التجريد، بينما تحتفظ قصصك برائحة الطين وواقعية الشارع؛ كيف توازن بين الفلسفة والواقعية؟
نحن كائنات مغتربة، شِئْنا أم أبينا؛ اغترابٌ فرضته التكنولوجيا التي اقتحمت عالمنا بغير استئذان، أو صاغته ثقافة جيل تشكَّلت على عجل ودون تروٍّ، أو أملته قفزات العمر التي تجعلنا نشعر بالغربة وسط محيطنا نفسه، فضلًا عن بقاء إيماننا بقدرة الكلمة على التغيير حيًا. وحين يمتلئ الكاتب بكل هذه التغريبات، ينبغي عليه الانصياع لسلطة التشبث بالجذور وتثبيت قدميه في التربة، لا أن يحلق بعيدًا في فضاءات معزولة تمتن فكرة الاغتراب وتضاعفها. أضف إلى ذلك أن رائحة الطين ونداوة الأرض تمنحان القارئ طاقة هائلة على التجسير الذهني والانخراط الحميم في عالم القصة. وفي الطين نفسه يكمن أعمق التجريد وتتخلق أصفى الرموز إذا أُحسِن استغلالهما. إن الانطلاق في نظري يجب أن يكون من الداخل إلى الخارج؛ من المحلية المخلصة تولد العالمية، ومن ملامسة الأرض نصعد نحو السماوي، وليس العكس.
المحور الثاني: التمرد والاغتراب في القصيدة الشعرية (قراءة في “اضطرابات شاعر”)
6- كتبت “اضطرابات شاعر”، فهل الاضطراب هنا هو دافع الكتابة الأول، أم أنه النتيجة الحتمية لمن يختار المواجهة بالكلمة؟
يسعدني حقًا عمق اطلاعك؛ فهذه القصيدة التفعيلية تعود إلى بواكيري الإبداعية، إلى تلك المرحلة التي يتصور فيها الشاعر في طفولته الإبداعية أنه قادر على تحويل الماء إلى خمر، قبل أن يكتشف لاحقًا أنه لا يملك حتى ترف ارتشاف الماء نفسه! حاولتُ في هذا النص تجسيد وجع الإنسان الاعتيادي؛ ذلك الألم الذي نتعايش معه حتى يخيل إلينا أنه من ضرورات التنفس وركائز الحياة. هذا الألم يباغت الشاعر حينًا كجوعٍ وجودي وصرخةٍ في البحث عن الملامح، ويأتي حينًا آخر عبر تبدد العاطفة وضياع الحبيب، أو حين يصطدم المرء بمحدودية طاقته أمام اتساع العالم (كما عبر الأبنودي ببساطته العميقة: “الدنيا حويطة وانت بتاع”!). ومع كل هذا التداعي، فإن بطل تلك القصيدة المتواضعة “لَمْ يَسْمَحْ أَبَدًا لِلدُّنْيَا أَنْ تَهْزِمَهُ.. لَمْ يَرْضَخْ لِلْوَهْمِ الْفِضِّيِّ الْقَابِعِ خَلْفَ الْيُنْبُوعْ”.
7- في نصك “حجر الفلاسفة”، تتداخل الرغبة في تحويل المعادن إلى ذهب مع تحويل الكلمات إلى يقين؛ أين تتقاطع كيمياء الشعر مع كيمياء الوجود في تجربتك؟
كيمياء الشعر ليست ترفًا لغويًا، بل هي مكابدة وجودية لصهر المبتذل واليومي والمعتم في أتون الكلمة، بغية تحويله إلى ذهب المعنى وبصيص اليقين. في حجر الفلاسفة، تقاطعت رغبتي كشاعر مع هواجسي كإنسان؛ فالوجود خامٌ، صلدٌ، ومشوبٌ بالقسوة، والقصيدة هي البوتقة التي نعيد فيها تكرير خيباتنا وأشواقنا لنمنحها خلودًا رمزيًا. وبذلك يصبح التقاطع ضرورة، لأننا سندرك في مرحلة ما أن تحويل النحاس إلى ذهب وهمٌ فيزيائي، لكن تحويل الألم إلى خلاص وجمال هو المعجزة الوحيدة المتاحة للشاعر.

8– كيف صاغت الغربة والبحث عن المستقر ملامح صورتك الشعرية، وهل ترى أن الشاعر يظل مغتربًا بالضرورة حتى وإن عاش في وطنه؟

كما أسلفتُ: قَدَرُ الشاعر الأصيل أن يحمل غربته معه. وما دمتَ قد نفضتَ الغبار عن وجهي الشعري الذي طالما آثرتُ إخفاءه، فإن نصوصًا مثل: “خيارات القتيل”، و”دمع صغير”، و”اضطرابات شاعر”، تفصح جميعها عن غربة إنسانية كبرى تتجاوز حدود الجغرافيا والمكان. إنها محاولة دائمة للانسلاخ من قسوة المشاعر ونزوع التدمير الذي تتسم به أدوات الفناء المعاصرة. والناظر بعين البصيرة إلى أحداث العالم اليوم يدرك أن الأرض قد مسها طائفٌ من جنون، ولا سبيل أمام عقلٍ يقظ لأن يحيى في هذا المشهد دون أن تعصره الغربة!
9- تتسم نصوصك بنبرة وجدانية حادة؛ كيف تنجو بالقصيدة الوجدانية من الوقوع في شرك العاطفية المفرطة أو البكائية المستهلكة؟
السبيل إلى ذلك هو ذاته المخرج من فخ المباشرة والسطحية: التوسل بالفن. لا نجاة للقصيدة إلا بالاحتماء بما هو فني خالص؛ بالمجاز الكاشف، والصدق الداخلي، والانفعال المُرشَّد. وأنا أتعمد استخدام تعبير “ترشيد الانفعال”؛ لأن العواطف حين تتدفق بصورتها الخام السيالة تكون عبئًا على أي عمل إبداعي؛ إذ تأتي كمدٍّ جارف، مؤلم، وعشوائي لا يخدم الفن. غير أن إخضاع هذا التدفق لشرط الصنعة الفنية – بتوظيف الرمز، وتشذيب الألفاظ، وضبط النبض الإيقاعي – هو ما يحول الشكوى العابرة إلى أثرٍ باقٍ.
10- بين صرخة الذات المبدعة وفوضى الواقع المحيط؛ كيف تولد القصيدة لديك كوثيقة احتجاج نفسي قبل أن تكون عملًا أدبيًا؟

القصيدة الحقيقية في جوهرها فعل تمرد؛ لذا أتعجب ممن يحسبون النظم التقليدي شعرًا! لا ينبغي للشعر أن يتحول درسًا تعليميًا، ولا يمكن للقصيدة أن تغادر هدفها الأصيل، وهو إشعال الأسئلة، ولا بد أن غايتها تحريك المياه الآسنة وإعادة بناء العالم بمنظور مغاير. من هنا يكتسب الانزياح التركيبي واللغوي شرعيته؛ بوصفه استجابة فنية لطاقة شعورية عاصفة لا تسعها القوالب الراتبة، ومحاولة لملاحقة المشاعر المتقلبة ولجم صرخة الغضب العارم، ليقدَّم كل ذلك في سياق جمالي رصين.
المحور الثالث: تيار التمرد والغرابة في الشعر العربي (حول تجربة حسين مردان)
11- اخترت الشاعر العراقي حسين مردان محورًا لبحثك المرجعي؛ ما الذي جذبك في إبداع هذا الشاعر تحديدًا، وهل ترى أن النقد أنصفه حيًا وميتًا؟
أجدد إعجابي بهذا الجهد البحثي الذي أثمر حوارًا بهذا النضج والعمق. في الحقيقة، كان حسين مردان مشروعي النقدي الثاني بعد مظفر النواب، في سياق رغبتي في إعادة قراءة قامات شعرية استثنائية، بعيدًا عن التناول النمطي الرتيب الذي يحصر المبدع في إطار المولد والنشأة. كان همي الأساسي تتبع معيارين فارقين: “التمرد” و”الغرابة”، ومدى تجليهما في نسيجه الشعري. ما أسرني في مردان أنه كان شاعرًا “مجنونًا” بمعناه الإبداعي المضيء؛ وهو وصف ينطوي على ميزة فريدة لا إساءة. ونحن نعلم أن المتصوفة جعلوا من درجتي “السكران” و”المجنون” أرفع مراتب الفناء والعشق، حيث يتخلى السالك عن أناه في سبيل المكاشفة المطلقة. هكذا كان مردان: متمردًا استثنائيًّا يسعى لاستعادة ذاته الأولى الغاربة، متطلعًا نحو ذات مستقبلية يعز عليه إدراكها. لذا جاء صوته مشحونًا بالتمرد على الثوابت المصمتة والسطوات الأبوية الزائفة، ليقدم ما يشبه “نشيد إنشاد” موازيًا، يحول عبره كل ما هو حسي وملموس إلى فضاء أنثوي خالص، باقتدار بالغ الخصوصية والفرادة.
12- درست “آليات الغرابة والصدمة الأدبية” عند مردان؛ كيف يمكن للمبدع اليوم أن يحدث “صدمة معرفية” في عصر باتت فيه الغرابة أمرًا متاحًا ويوميًا؟
أرى المشهد من زاوية مغايرة تمامًا؛ فاجتياح الذكاء الاصطناعي وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، وحصارنا داخل أنماط استهلاكية مكررة، خفضت جميعها من عتبة الدهشة، وجعلت منا فرائس لما هو متوقع ورتيب. وهذا التحول يمنح المبدع الحقيقي سانحة أرحب؛ إذ يسهل عليه استلال مباغتاته الإبداعية (التي قد نسميها صدمة) من جعبته لخلخلة السكون، وتغيير الواقع، واستدراج المتلقي نحو حالة تماهٍ عميقة مع الفن.
13- التمرد الأدبي عند شعراء الصعلكة أو الحداثة المبكرة؛ هل كان مجرد موقف سلوكي، أم أنه نابع من رؤية معرفية عميقة رصدتها في متونهم؟
يمثل شعراء الصعلكة حالة تثير شهية أي باحث؛ فالنص الثائر قد يكتبه شاعر وادع يستحضر التمرد ذهنيًا فقط، أما الصعاليك فقد كانوا ثائرين بالفعل وبالفطرة على البنية القبلية والطبقية القديمة، وهم بحق طليعة الثوار في تاريخ الأدب العربي. لذا حظيت ظاهرتهم بدراسات مستفيضة تناولت شعرهم وخصائصه كليًا. ومن خلال معايشتي لنصوصهم، خلصتُ إلى تعذر الفصل بين المسلك الحياتي والرؤية المعرفية العميقة؛ فقد ينطلق التمرد كرغبة في الخروج على القبيلة ومفارقة الجماعة، لكنه سرعان ما يتبلور في المتن الإبداعي ليغدو موقفًا فلسفيًا وإحساسًا وجوديًا مبكرًا بالاغتراب.
14- كيف يفرق الناقد الأكاديمي بين تمرد أدبي حقيقي يؤسس لجماليات جديدة، وادعاء التمرد لمجرد لفت الانتباه؟

النص الفني هو الكاشف الوحيد هنا. لا يعنيني كثيرًا ما إذا كان المبدع يعيش التجربة بحذافيرها واقعيًا، أم يقتنصها ببراعة من فضاء المراوغة التخييلية ليصنع لنا واقعًا بديلًا. الفيصل في الحالتين يكمن في مدى قدرته على تقديم منجزٍ يحمل دم الإبداع الحقيقي. إن كان النصُّ قادرًا على بث شحنة صادقة ومقنعة – والصدق الفني عندي هو قابلية الأثر للتصديق، والعبرة دائمًا بما يستقر في وجدان المتلقي – وجاء مسبوكًا في صياغة فنية محكمة، تنبض بإيقاع داخلي عذب (لا يُشترط فيه بالضرورة الوزن والقافية الخليليان)، ويحلق بخيال باذخ يستفز المخيلة، فهو تمرد حقيقي، وما دونه محض ادعاء.
15- هل ترى أن دراسة التجارب الشعرية الهامشية أو الخارجة عن السائد هي واجب النقد الحقيقي لإعادة ترتيب المشهد الأدبي؟
دون أدنى شك. إن الناقد الذي يظل مرتهنًا لأسماء المكرسين لا يعدو أن يكون مقلدًا يعيد إنتاج ما قيل. مهمة النقد الأصيلة هي النبش عن الجواهر المتوارية والتجارب الرائدة خارج الدوائر المغلقة. وأقول هذا بمرارة؛ لأننا نشهد منصات كبرى تفتح أبوابها لأنصاف الموهوبين، وعلة ذلك – إلى جانب الشللية وتواطؤ الأمزجة – عجز كثير من الأصوات النقدية عن التقاط الجمالات الحية والبحث الجسور في الهوامش والأطراف.
المحور الرابع: النقد الثقافي والوعي الاجتماعي للأدب (مظفر النواب والتحولات الإقليمية)
16- أفردت مساحات بحثية لتحليل تجربة الشاعر الكبير مظفر النواب؛ كيف استطاع النواب في رأيك موازنة كفتي الميزان: الشعار السياسي الحاد والشعرية العالية؟
مظفر النواب شاعر متألم وساخر في آن واحد، وهذان الملمحان يشكلان سر صدقيته النادرة. كان يعيش غيبوبة شعرية واعية عبر الغناء؛ يبكي، ويصرخ، ويهجو، ويهذي بوجع، محافظًا مع ذلك على نقاء الجوهر الشعري في مجمل تجربته. إنه يرمي بنا دومًا في أتون المفارقة الحادة والغرابة الصادمة، وينغمس في مستنقع السياسة حتى أذنيه، لكنه ينجح ببراعة في تفجير هذا كله من داخل بنية لغوية سامقة لا تخون الفن ولا تهادن الابتذال.
17- تبحث دائمًا في أثر التحولات الكبرى على وعي المبدع العربي؛ هل تعتقد أن الانكسارات التاريخية هي التي تصنع الآداب العظيمة أم أن الاستقرار هو الحاضنة الحقيقية؟
أخصب فترات التاريخ تقلبيًا وقلقًا هي التي أنجبت أخلد الروائع. وكثيرًا ما يراودني السؤال: لولا ويلات الحرب في إسبانيا، هل كان لسرفانتس أن يكتب “دون كيخوته”؟ ولولا ارتدادات التجربة الشمولية هل كان لجورج أورويل أن يبدع “1984”؟ لست مؤرخًا ولا إحصائيًا لأقطع بجزم رياضي في أي البيئتين أجدى للإبداع، غير أنني أوقن بأن المبدع المسكون بالقلق والمحاصر بالأسئلة يكون أكثر إلحاحًا على التعبير، بحكم ما يحمله من شحنات وجدانية تطلب الانفجار؛ وتلك هي حال المتنبي حين لخص مأزقه بالقول: “عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي”.
18- كيف تقرأ تمثيلات “الآخر” في المتخيل الروائي والشعري العربي الحديث بناءً على دراساتك المنشورة؟
لن نبلغ مرتبة الإبداع الحق، ولن نكون نقادًا أو شعراء حقيقيين، ما لم نجسّر الهوة، ونفكك المركزية الصارمة حول ما نتصوره “آخرًا”، وما لم نملأ الفجوة بألواح النجاة الإنسانية التي تؤسس لقبول المغاير في فكره، وعقيدته، ولونه، ولغته، وسلوكه. إذا كان الإنسان العادي مطالبًا بهذا الوعي، فهو فريضة كبرى على عاتق المبدع. ومحك الموهبة الأصيل يتجلى في تحييد التحيزات العرقية والجندرية والأيديولوجية الضيقة، لرؤية الإنسان في حريته وأحلامه. كل من امتلك تلك العين التي تتسع لتمثلات الآخرين هو مبدع بالضرورة، حتى وإن لم يخط سطرًا واحدًا.
19- يدور نقاش طويل حول “سلطة النص الأدبي وتأويل الخطاب”؛ متى يصبح التأويل النقدي إثراءً للنص، ومتى يتحول إلى تحميل للنص ما لا يحتمل؟
يمكننا ضبط هذه المعضلة عبر سؤالين جوهريين:
• الأول: هل لامَسَ هذا التأويل وجدان القارئ وأضاء بصيرته؟ إذ كثيرًا ما نغفل سلطة القارئ أمام مَشْرَط الناقد أو سلطة المتن وظروف مؤلفه.
• الثاني: هل أضاف التأويل إلى النص أبعادًا رحبة، ووسع من حركته الرمزية والدلالية، أم ضيقه وقسره على معنى أحادي مبتسر؟
من خلال الإجابة عن هذين السؤالين، نستطيع بيسر فرز التأويل الذي يثري النص الأدبي عن ذلك الذي يثقله بما لا يطيق.
20- كيف يستطيع الناقد أن يتجرد من قناعاته الفكرية والسياسية الشخصية عند تحليله لنص أدبي مشحون بالآيديولوجيا؟
إن الآيديولوجيا الصارخة التي تفضح انحياز الكاتب المسبق تمثل عيبًا بيّنًا في البناء الفني، ولا يمكن لمبدع القفز على ذلك. ومع ذلك، بمقدور الناقد ترويض ذاته على التجرُّد الموضوعي شيئًا فشيئًا؛ سواء أكان مقبلًا على النص بحفاوة أم بفتور. عليه أن يحتكم إلى المعايير الجمالية التي خطها العمل لنفسه، مدركًا أن وظيفته ليست إصدار الأحكام (فذلك عهد ولَّى) بقدر ما هي تسليط الضوء على مكامن الإشراق والغموض، وتفكيك مواضع الخلل والهشاشة. وأنبل النقاد عندي من يأتيه عملٌ فيمتنع عن مقاربته؛ إما لاستشعاره أن النص يتجاوزه عمقًا، أو لإفراطه في انغلاق رمزي غير مبرر، أو لتهافت بنائه. غير أننا ابتُلِينا بنقاد يكتبون في كل شأن، ويجترئون على كل نص! وحين شكا إليّ ناقد ذات مرة من تهافت عملٍ ورداءته، وأن الكاتب استاء من نقده، سألته ببساطة: ولماذا قبلت مناقشته من الأساس ما دام عاجزًا عن استثارة وعيك والظفر باهتمامك؟!

المحور الخامس: التكامل الفكري بين المبدع والناقد (فلسفة الجمع بين الفنين)
21- تنادي دائمًا بأن النقد أداة لكشف الجمال لا لقمع المبدع؛ كيف تمارس دور “الناقد الصديق” للنص دون التنازل عن المعايير الأكاديمية الصارمة؟
أتحسس مسدسي دومًا من فكرة أن يكون الناقد صديقًا لـ”المبدع”، بيد أنني أتبنى مفهوم “الناقد الصديق” بمعناه الآخر: أن يكون صديقًا لـ”النص”؛ أن يألفه، ويقيم معه حوارًا قائمًا على مبادلة الفهم بالمكاشفة؛ فيسعى الناقد إلى سبر أغوار النص، بينما يفصح النص عن أسراره ويقدم نفسه بجلاء، لتتشكل في النهاية علاقة خادمة لجوهر الجمال. أما المعايير الأكاديمية الصارمة فتلك مقولة مرفوضة؛ فما يصلح لمعادلات الفيزياء والرياضيات لا يستقيم مع النقد والإبداع، اللذين هما في جوهرهما ارتيادٌ للمجهول وقلبٌ للأنماط الثابتة. علينا الاستئناس بالمعايير كعلامات تهدي على الطريق، دون أن نتوهم يومًا أنها الطريق نفسه!
22- عندما تجلس لتكتب قصيدة أو قصة، كيف تنجح في إقصاء “الناقد الأكاديمي” الرابض في عقلك لتترك الحرية لتدفق المبدع؟
لا يمكنني تحييده بالكامل، لكنني أتحايل عليه؛ فأشغله بضبط الأوزان الشعرية، وسلامة التراكيب لغويًا، ورصانة العبارة، بينما أنصرف بكليتي إلى رعاية جذوة الإبداع وتدفقها التلقائي.
23- هل ترى أن وعيك المسبق بآليات النقد يمنح قصصك وأشعارك حصانة خاصة ضد الهنات الإبداعية، أم أنه يمثل عبئًا وحذرًا يحد من العفوية؟
هو عبء فادح بلا شك، ولا ينبئك مثل خبير، كما قالت العرب! كلما شرعتُ في الكتابة، وثب أمامي المصحح اللغوي، والمراجع التحريري، والمحرر الأدبي، ليتنازعوا جميعًا حول المفردة والتركيب؛ وتلك معركة إما أن أنتصر فيها لعفويتي أو يظفروا بها. وتأمل ذلك في ضوء عنوان مجموعتي الأخيرة “حجرين شيشة”، التي صدَّرتُها بإهداء ذي مغزى: “إلى أساتذة النصب والجر”! لقد كانت هي الأخرى محاولة للانعتاق من أسر القواعد الصارمة، والتخفف من وطأة الرقيب الداخلي.
24- من خلال حضورك في الفعاليات والبرامج مثل “بيت القصيد”؛ كيف ترى الفجوة الحالية بين الخطاب النقدي الأكاديمي المقيد بالجدران، والجمهور العام المتعطش للأدب؟

لا يزال للأدب بهاؤه وحضوره المتوهج بين مختلف الأجيال، وإنما العيب يكمن في أولئك النقاد الذين عجزوا عن أن يكونوا جسرًا حيًا بين المبدع وجمهوره، وآثروا الانغلاق داخل أبراج عاجية تتكبر على النص وتتمحور حول الأنا. أرى أن الخطاب النقدي المقيد (وأحييك على هذا التوصيف البليغ) هو من صنع هذه الهوة وليس المتلقي. إن عزوف الجمهور جاء رد فعل طبيعيًا أمام هذا التعالي، والارتهان لمصطلحات مستوردة ودروس بلاغية مدرسية تنأى عن روح البيئة العربية وأصالة الشعر العربي الراسخة.
25- في ختام هذه الجولة بين عوالمك؛ كيف ترى أثر هذا المزيج بين التدريس الأكاديمي وممارسة الإبداع على صياغة هويتك الإنسانية أولًا والأدبية ثانيًا؟
أنا أحمد صلاح هاشم: الكاتب الصحفي، والناقد الأدبي، والمحاضر.. ولا تنفصل صفة لدي عن شقيقاتها؛ فنحن في التحليل الأخير لوحة فسيفسائية من متناقضات متآلفة، متى سقطت منها قطعة اختلت الهوية وذاب الإنسان.

قد يعجبك ايضا
∧