الصمت الصاخب . . أنين الصورة ونداء الحياة

لندن: عدنان حسين أحمد

لا شكّ في أنّ القرّاء العراقيين والعرب يعرفون بثينة الناصري قاصّةً ومترجمةً وباحثةً وإعلامية، منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي وحتى العقد الثاني من الألفية الثالثة. غير أنّ اهتمامها بالفن السابع اتخذ منحًى جديدًا عام 2017، حين كتبت سيناريو فيلم (سبق صحفي)، المقتبس عن قصة تحمل العنوان نفسه ضمن مجموعتها القصصية (الطريق إلى بغداد)، والذي أخرجه المصري بيتر فؤاد، وفيلم (منديل بريحة)، المقتبس عن قصة (حكاية البنت سماح)، الذي أخرجه المصري حسن صالح. ثم قررت دراسة الإخراج السينمائي أكاديميًا عام 2022، لتتولى إخراج أفلامها بنفسها. وقد أنجزت، بحسب التسلسل الزمني المعتمد هنا، ستة أفلام قصيرة، هي: (حظ السلاحف) الذي كان مشروع التخرّج، و(مفترق طريق) 2023، و(الزائر) و(عباية فينوس) 2024، و(طيارة ورق) 2025، وصولًا إلى فيلمها السادس (الصمت الصاخب) 2026، موضوع قراءتنا النقدية الراهنة.

ولا يبدو انتقال الناصري من الأدب إلى الإخراج مجرد تغيير في وسيلة التعبير، بل يمكن النظر إليه بوصفه امتدادًا لتجربتها السردية، ومحاولةً لاستكشاف إمكانات الصورة في تجسيد ما قد تعجز اللغة المنطوقة عن الإحاطة به. فالكلمة والصورة، على اختلاف أدواتهما، تلتقيان في قدرتهما على بناء العالم الإنساني والكشف عن تناقضاته، وإن كانت الصورة السينمائية تمتلك وسائل إضافية، من حركة الجسد وتكوين الكادر إلى الإضاءة والإيقاع والصوت.
طفل وقطة في جحيم الحرب
تدور أحداث الفيلم القصير (الصمت الصاخب)، المستوحى من قصة (سيناريو فيلم صامت: مشهد أول وأخير)، المنشورة ضمن مجموعة الناصري القصصية الأولى (حدوة حصان) 1974، حول طفل فلسطيني ينجو من قصف أحد مخيمات اللاجئين، ثم ينطلق بحثًا عن أسرته المفقودة بين الأنقاض والخيام المشتعلة. وفي أثناء رحلته، يعثر على قطة بيضاء نجت بدورها من آلة القتل والدمار الإسرائيلية، فيضمها بين ذراعيه لتشاركه رحلة الفقد والوحشة.
تتكثف ثيمة الفيلم القصير، الذي تبلغ مدته خمس دقائق، حول النجاة من الموت، وإمكان انبثاق الأمل وسط الفناء، وإنسانية الألم المشترك. وعلى الرغم من سوداوية الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصية، لا يستسلم العمل لمنطق العدم، بل يلتقط لحظة صغيرة تقاوم الخراب حيث يجد الطفل سليم يوسف في القطة رفيقًا يخفف عنه وطأة الوحدة، ويمنحه إحساسًا مؤقتًا بالأمان.
وتكتسب العلاقة بين الطفل والقطة أهميتها من بساطتها الإنسانية؛ فكلاهما يبحث عن الحماية في عالم فقد ملامحه المألوفة، وكلاهما يواجه خطرًا لا يملك دفعه عن نفسه. ومن هنا يصبح الاحتضان فعلًا يتجاوز حدود الشفقة إلى التضامن، وتتحول الرفقة إلى شكل من أشكال التشبث بالحياة. فالأمل لا يأتي هنا في صورة انتصار كبير أو نهاية سعيدة مكتملة، بل يتجسد في فعل صغير يكتسب قيمته من قسوة الظروف المحيطة به.
ولا ينبغي اختزال القطة في رمز جامد؛ فهي كائن حي داخل الحكاية، وفي الوقت نفسه تحمل دلالات البراءة والهشاشة والرفقة. وهذه الازدواجية تمنح الصورة عمقًا إنسانيًا، لأنها تتيح للمتلقي أن يتفاعل مع الحدث مباشرة، وأن يستنبط معانيه من دون فرض تفسير واحد عليه.
جمالية السينما الصامتة
يمكن مقاربة (الصمت الصاخب) بوصفه فيلمًا يعتمد السرد البصري المهيمن والحوار المقتصد، مستلهمًا بعض جماليات السينما الصامتة. فهو لا يخلو تمامًا من الكلام، إذ يتضمن ثلاث جمل تتبادلها شخصيتان عسكريتان: (هناك حركة في الأسفل)، و(دعنا ننهي المهمة)، و(حالًا).
وتكتسب هذه العبارات القصيرة دلالة أخلاقية لافتة؛ إذ تختزل الضحية إلى حركة مرصودة، وتحول القتل إلى مَهمة ينبغي إنجازها. وفي المقابل، يقف الطفل داخل عالم من المعاناة لا يحتاج إلى خطاب مطول كي يكشف فداحة المأساة. وهكذا تتشكل مفارقة بين لغة عسكرية مقتضبة تتعامل مع البشر بوصفهم أهدافًا، وصورة طفل تستعيد فردية الضحية وحقها في الحياة.
ومن الناحية النقدية، ينبغي التمييز بين السينما الصامتة بالمعنى التقني، التي تغيب عنها الحوارات المنطوقة، وبين الأفلام التي تستلهم جمالياتها وتمنح الصورة الدور الرئيس في بناء السرد. لذلك يبدو وصف الفيلم بأنه ذو سرد بصري مهيمن وحوار محدود أكثر دقة من وصفه بالصامت تمامًا.
أما عنوان الفيلم، «الصمت الصاخب»، فيقوم على مفارقة تجمع بين السكون والضجيج. فالصمت يوحي بغياب أصوات الضحايا وانقطاع الحياة المألوفة، فيما يحيل الصخب إلى المعاناة الداخلية وصدى الدمار في وجدان المتلقي. ولا يحتاج الصخب هنا إلى أن يكون صوتًا مسموعًا؛ فقد يتولد من كثافة المشهد، ومن التناقض بين براءة الطفل ووحشية الفضاء المحيط به.
إن الصورة، وفق هذه القراءة، لا تكتفي بنقل الحدث، بل تصبح خطابًا قائمًا بذاته، يستدعي ما لا تستطيع الكلمات الإحاطة به. ومن شأن تحليل حركة الكاميرا، وتكوين الكادرات، والإضاءة، والألوان، والإيقاع، والمونتاج، والتصميم الصوتي أن يعزز هذه القراءة بشواهد محددة، ويكشف كيف تتضافر العناصر الفنية لإنتاج الأثر النفسي والجمالي.
الذكاء الاصطناعي وأسئلة الجمال
يمثل توظيف الذكاء الاصطناعي أحد الجوانب اللافتة في تجربة الفيلم، بحسب المعلومات المتاحة عن إنتاجه، ولا سيما في إنجاز الكادرات والخلفيات وعناصر البيئة المدمرة. ويؤدي الطفل سليم يوسف الشخصية الرئيسة، مجسدًا مشاعر الحزن والوحدة والدهشة، فيما تمنح القطة الحكاية بُعدًا وجدانيًا إضافيًا.
غير أن الحديث عن هذه التجربة يقتضي التمييز بين الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، والصور المعالجة باستخدامه، والمشاهد المنجزة بوسائل تقليدية مدعومة بأدوات ذكية. فهذه التقنيات ليست متطابقة في طبيعتها أو أثرها الفني، ولا يكفي استخدامها وحده لإدراج الفيلم ضمن تصنيف جمالي مستقل.
إن قيمة التقنية تتحدد بمدى خضوعها للرؤية الإخراجية وقدرتها على خدمة الحكاية، لا بمجرد حداثتها. ويمكن للصورة الاصطناعية أن توسع الإمكانات التخيلية وتتيح بناء فضاءات يصعب إنجازها بالوسائل التقليدية، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة عن الواقعية، والصدق الوجداني، والعلاقة بين الصورة المتخيلة والمأساة الواقعية التي تستلهمها.
وفي هذا السياق، تبرز تجارب عربية أخرى مثل فيلم (الحضارة) 2024 لأمل عسكر، و(بردية تورين) 2025 لعبد الرحمن خالد، و(مزنة) 2024 لبدر آل زيدان، و(أنت مسلم في حجة الوداع) 2025، الذي أنتجته منصة أثير القطرية، وفيلم (البداية) لابراهيم دياب. وتستحق هذه الأعمال دراسة مقارنة تكشف عن طرائق توظيف الذكاء الاصطناعي في السينما العربية، شريطة التحقق من بياناتها الإنتاجية، وتحديد طبيعة التقنيات المستعملة في كل منها.
كما أن إدراج الفيلم ضمن سينما المرأة لا ينبغي أن يستند إلى جنس المخرجة وحده، بل إلى شواهد تتصل بالرؤية الجندرية وتمثيل الشخصيات وقضاياها. وفي حدود موضوع (الصمت الصاخب)، تبدو القراءة التي تركز على المنظور الإنساني، والطفولة الفلسطينية، والعنف، والفقد، أكثر التصاقًا بمادته الدرامية.
نداء الحياة وسط الخراب
تتجلى القيمة الإنسانية لـ (الصمت الصاخب) في قدرته على تحويل حكاية بسيطة إلى تأمل بصري في الحرب والطفولة والنجاة. فالطفل الذي يبحث عن أسرته، والقطة التي يجد فيها رفيقًا، يقدمان صورة مكثفة عن الحياة حين تواجه أقسى أشكال العنف.
ولا تكمن قوة الحكاية في استحضار المأساة وحدها، بل في التقاط ومضة إنسانية داخلها. فاحتضان القطة لا ينهي الحرب ولا يعيد الأسرة المفقودة، لكنه يمنح الطفل سببًا لمواصلة الطريق، ويعيد إلى العالم المدمر شيئًا من معنى الرحمة.
وهكذا لا يجعل الفيلم الأمل نقيضًا للخراب، بل فعلًا صغيرًا يقاومه؛ ولا يجعل الصمت فراغًا، بل لغةً تزداد بلاغتها كلما عجز الكلام عن التعبير. فالصورة تصرخ بما لا تقوله الشخصيات، وتتحول لحظة الاحتضان إلى نداء إنساني يؤكد أن الحياة، حتى في قلب الفاجعة، تحتفظ بقدرتها على منحنا سببًا للاستمرار.
جدير ذكره أن القاصة والمخرجة بثينة الناصري قد أنجزت حتى الآن ثماني مجموعات قصصيية من بينها (حدوة حصان) و (موت إله البحر) و (فتى السردين المعلب) و (الطريق إلى بغداد). كما ترجمت سبع كتب إلى العربية من بينها (بِن يجوب العالم) للروائية دوريس ليسنج، و(عذارى من حجر) للروائية ايفون فيرا وكتاب ثامن من العربية إلى الإنكليزية يحمل عنوان (Arab Poets In English) وهو مجموعة قصائد لعدد من الشعراء العراقيين.

قد يعجبك ايضا
∧