الحق في الحصول على المعلومات في القانون العام

د. چيا عبد الكريم زنكنة

لم يعد الحق في الحصول على المعلومات مطلباً إدارياً ثانوياً أو خدمةً تمنحها المرافق العامة وفق مزاجها، بل أصبح أحد الضمانات الجوهرية في القانون العام. فالمواطن لا يستطيع مراقبة أداء السلطة، أو تكوين رأي مستنير، أو المشاركة في الشأن العام، إذا بقيت القرارات والبيانات التي تؤثر في حياته حبيسة الملفات المغلقة. لذلك يرتبط هذا الحق بمبدأ المشروعية وبفكرة الدولة الخاضعة للقانون: فالسلطة التي تتصرف باسم المصلحة العامة ينبغي أن تفسر أفعالها، وأن تتيح من المعلومات ما يمكّن المجتمع من التحقق من سلامة هذه الأفعال وحدودها.

يقوم هذا الحق على قاعدة بسيطة لكنها عميقة الأثر، وهي أن الأصل في المعلومات التي تحتفظ بها الجهات العامة هو الإتاحة، وأن الحجب استثناء يحتاج إلى سند قانوني واضح وتبرير محدد. ولا يقصد بالمعلومات الوثائق الورقية وحدها؛ بل يشمل ذلك القرارات، والإحصاءات، والعقود، والتقارير، والسجلات، والبيانات الرقمية، ما دامت في حيازة جهة عامة أو جهة تؤدي وظيفة ذات نفع عام. وقد أكد التفسير الدولي للحق في حرية التعبير أن حرية تلقي المعلومات تتضمن الوصول إلى المعلومات التي تحتفظ بها الهيئات العامة، مع ضرورة وجود إجراءات عملية وسريعة وفعالة لمعالجة الطلبات والاعتراض على رفضها.

وتنبع قيمة هذا الحق من وظيفته الوقائية قبل وظيفته العلاجية. فعندما تُنشر الميزانيات، ومعايير التعاقد، وخطط الخدمات، ونتائج الأعمال الرقابية، تقل فرص إساءة استعمال السلطة والفساد الإداري. كما يصبح الموظف العام أكثر وعياً بأن قراره قابل للفحص والنقد، لا لأنه موضع اتهام دائماً، بل لأن المال والاختصاص العامين أمانة لا تكتمل حمايتها من دون شفافية. ومن هنا فإن الوصول إلى المعلومات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره خصومة بين المواطن والإدارة، بل باعتباره وسيلة لبناء الثقة وتطوير القرار الإداري على أساس من المعرفة والمساءلة.

غير أن الشفافية لا تعني كشف كل شيء بلا ضابط. فالقانون العام يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وبين حقوق ومصالح جديرة بالحماية، مثل خصوصية الأفراد، وسرية التحقيقات في مراحلها التي قد يضر نشرها بسير العدالة، والأمن الوطني في نطاقه الضروري، والأسرار التجارية التي يحميها القانون. والقاعدة السليمة هنا أن يكون الاستثناء محدداً لا فضفاضاً، وأن يخضع لاختبار الضرورة والتناسب؛ فلا يكفي إطلاق عبارات عامة عن السرية أو المصلحة العامة لحرمان طالب المعلومات من حقه. كلما كان سبب الرفض واضحاً ومحدداً وقابلاً للطعن، كان التوازن بين الشفافية والحماية أكثر عدلاً.

ولا ينجح الحق في الحصول على المعلومات بنص قانوني مجرد. فهو يحتاج إلى إدارة تحفظ سجلاتها بصورة سليمة، وتصنّف وثائقها، وتحدد الموظف أو الوحدة المختصة بتلقي الطلبات، وتضع آجالاً معقولة للرد. كما يحتاج إلى رسوم لا تتحول إلى عائق، ولغة مفهومة في الإجابات، وحق فعلي في التظلم أو الطعن عند الرفض أو عند امتناع الجهة عن الرد. إن ضعف الأرشفة أو تشتت السجلات أو غياب المسؤولية الواضحة قد يفرغ الحق من مضمونه حتى لو كان معترفاً به في الدستور أو القانون؛ ولذلك تعدّ إدارة الوثائق جزءاً من ضمانة الحق لا مجرد مسألة فنية داخل المرفق العام.

وتتجلى أهمية هذا الحق بصورة خاصة في العقود العامة والمشروعات الخدمية. فالمواطن من حقه أن يعرف، في الحدود التي لا تمس سرية محمية قانوناً، ما الذي خُصص من أموال، وكيف رُست العقود، وما معايير اختيار المتعاقد، وما نسبة الإنجاز، وما أسباب التأخير أو التعديل. هذه المعرفة لا تعني التدخل في اختصاص الإدارة، بل تمنح المجتمع فرصة لقياس النتائج مقارنة بالوعود والموارد. وهي كذلك أداة للصحافة المهنية والباحثين ومنظمات المجتمع المدني كي تقوم بدورها في التقييم والتنبيه إلى الخلل واقتراح البدائل.

وفي العصر الرقمي اتسع مضمون الحق واتخذ بعداً جديداً. فلم تعد المسألة مقتصرة على الاستجابة لطلب فردي، بل أصبح النشر الاستباقي للبيانات ذات المصلحة العامة ركناً من أركان الإدارة الحديثة. فالمنصات الرسمية، والبيانات المفتوحة، وقواعد المعلومات القابلة للبحث، يمكن أن تختصر الوقت وتقلل الكلفة وتحد من التفاوت بين من يستطيع الوصول إلى دوائر القرار ومن لا يستطيع. لكن الرقمنة تفرض في المقابل واجب حماية البيانات الشخصية والأمن السيبراني، وتستلزم تصميم أنظمة لا تستبعد من لا يملكون أدوات أو مهارات رقمية. فالحق في المعلومات يجب أن يكون متاحاً وميسوراً للجميع، لا امتيازاً تقنياً لفئة محدودة.

ويؤدي القضاء الإداري دوراً مهماً في حماية هذا الحق عندما تتحول السرية إلى وسيلة لتجنب المساءلة أو عندما ترفض الإدارة الإفصاح من دون سبب كافٍ. فالرقابة القضائية تذكّر الإدارة بأن السلطة التقديرية ليست سلطة مطلقة، وأن الاستثناءات يجب أن تُفسَّر تفسيراً ضيقاً. كما أن وجود جهة رقابية مستقلة أو آلية واضحة للتظلم يساعد على تسوية النزاعات بسرعة، ويمنع تحويل طلب المعلومة إلى مسار طويل ومكلف. وليس المقصود من هذه الرقابة إرباك الإدارة، بل ضمان أن تكون قرارات الحجب مبررة وقابلة للمراجعة.

إن بناء ثقافة حقيقية لحرية المعلومات يتطلب تغييراً في النظرة إلى المواطن: فهو ليس متلقياً سلبياً للقرارات، بل شريك في مراقبة المصلحة العامة وصياغتها. حين تتوافر المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، تصبح المشاركة السياسية أكثر نضجاً، وتتحسن جودة النقاش العام، وتضعف الشائعات التي تنمو في فراغ الصمت. كما يصبح من الأسهل تقييم السياسات في التعليم والصحة والبيئة والخدمات، وربط المسؤولية بالنتائج بدلاً من الاكتفاء بالشعارات.

وخلاصة القول إن الحق في الحصول على المعلومات هو حق في المعرفة، لكنه أيضاً حق في المساءلة والثقة والمشاركة. وتكمن قوته في جمعه بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع: الفرد يعرف كيف أُديرت شؤونه، والمجتمع يمتلك وسيلة سلمية وقانونية لمراقبة السلطة وتحسينها. كل قانون أو سياسة عامة تضمن الإتاحة الاستباقية، وتحدد الاستثناءات بدقة، وتحمي الخصوصية، وتفتح باب التظلم والطعن، تقترب من مفهوم الإدارة الرشيدة التي لا تخشى السؤال لأنها تعمل في ضوء القانون.

قد يعجبك ايضا
∧