ائتلاف إعلامي عالمي يتوسع لمواجهة شركات الذكاء الاصطناعي

التأخي / حبيب السالم

في خطوة تعكس تصاعد التوتر بين صناعة الإعلام وعمالقة التكنولوجيا، أعلن ائتلاف “سبور” معايير حقوق استخدام محتوى الناشرين) انضمام نحو أربعين مؤسسة إعلامية جديدة إليه، من بينها وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، وإذاعة فرنسا، وصحيفة “نيويورك تايمز”، ومجلة “ذي إيكونوميست“، و”ذي أتلانتيك”، و”ذي أوبزرفر“، وصحيفة “ليكيب” الرياضية، إلى جانب جمعيات ناشرين من البرازيل واليابان والأرجنتين وكولومبيا ودول أخرى. بهذا الانضمام، تجاوز عدد أعضاء الائتلاف ثمانين مؤسسة وجهة إعلامية موزعة على أكثر من عشرين دولة .

تأسس الائتلاف في فبراير 2026 بمبادرة من مؤسسات بريطانية بارزة، أبرزها هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي)، وقناة سكاي نيوز، وصحيفة “الغارديان”، و”فايننشال تايمز”، و”تلغراف ميديا”، إلى جانب وكالة أسوشيتدبرس ومجموعة ميدياهاوس الأوروبية .

ويهدف بشكل أساسي إلى بناء سوق عادلة لاستخدام المحتوى الصحفي من قبل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز القدرة التفاوضية الجماعية للناشرين، وتطوير أدوات تقنية تسمح بتتبع كيفية استغلال المحتوى، وضمان الحصول على مقابل مالي منصف والإشارة إلى المصادر .

وقال رئيس مجلس إدارة وكالة فرانس برس فابريس فريس في بيان رسمي “يجيب مساعدو الذكاء الاصطناعي يومياً عن أسئلة ملايين الأشخاص باستخدام معلومات غالباً ما كان صحفيو وكالات الأنباء أول من جمعها وتحقق منها. ويجب الاعتراف بقيمة هذا العمل الأصلي والإشارة إلى مصدره ودفع مقابل له”. أما ديفيد باتل، الشريك المؤسس والمتحدث باسم الائتلاف، فأكد أن الاكتفاء بالأمل في استقرار العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي وقطاع النشر لم يعد كافياً، داعياً المؤسسات الإعلامية حول العالم إلى الاتحاد لحماية مستقبل الصحافة .

يأتي هذا التوسع في وقت يواجه فيه النموذج الاقتصادي التقليدي لوسائل الإعلام ضغوطاً متزايدة. فإلى جانب منافسة شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية الكبرى، برزت منصات الذكاء الاصطناعي مثل تشات جي بي تي، وملخصات غوغل الذكية، وغيرها، كمصدر جديد لتآكل الإيرادات. تشير تقارير إلى تراجع الإحالات العضوية من محرك بحث غوغل إلى أكثر من 2500 موقع إخباري بنسبة تصل إلى 33% خلال عام واحد، مما يقلل من حركة المرور وبالتالي من عائدات الإعلانات والاشتراكات. وفي الوقت نفسه، تعتمد نماذج اللغة الكبيرة على كميات هائلة من المحتوى الصحفي عالي الجودة لتدريبها وتحسين أدائها وتقديم إجابات محدثة ودقيقة .

ويمثل ائتلاف “سبور” تحولاً استراتيجياً من المواجهات الفردية والقضائية إلى العمل الجماعي المنظم. فبينما رفعت صحف مثل “نيويورك تايمز” دعاوى قضائية ضد شركات مثل أوبن إيه آي ومايكروسوفت بتهمة انتهاك حقوق النشر، يركز الائتلاف على بناء بنية تحتية تقنية وتجارية مشتركة. أطلق الائتلاف مؤخراً معيار “قياس بيانات المحتوى” (Content Telemetry Standard)، وهو إطار مفتوح المصدر يهدف إلى توحيد كيفية تسجيل أنظمة الذكاء الاصطناعي لاستخدامها للمحتوى الإعلامي والإبلاغ عنه، سواء في التدريب أو الاسترجاع أو توليد الإجابات. ويُنظر إلى هذا التوثيق الموضوعي كشرط أساسي لأي تفاوض ناجح .

لا يقتصر الأمر على المطالبة بالمال فقط. فالائتلاف يسعى إلى ضمان الشفافية والإسناد، وهما عنصران أساسيان للحفاظ على ثقة الجمهور في عصر تنتشر فيه المعلومات المولدة آلياً بسرعة. فبدون معرفة مصدر المعلومة، يصعب التحقق من دقتها، مما يهدد مصداقية الصحافة ذاتها. كما أن العمل الجماعي يقلل من تكاليف التفاوض الفردي، خاصة بالنسبة للمؤسسات المتوسطة والصغيرة التي لا تملك الموارد الكافية لمواجهة عمالقة التكنولوجيا بمفردها .

ومع ذلك، تواجه هذه المبادرة تحديات حقيقية. فشركات الذكاء الاصطناعي تبرر استخدام المحتوى بحجج مثل “الاستخدام العادل” أو ضرورة الوصول إلى بيانات ضخمة لتطوير التكنولوجيا، وتشير إلى أن بعض الاتفاقيات الثنائية جرت بالفعل مع ناشرين كبار. كما أن قياس الاستخدام الفعلي داخل النماذج المعقدة تقنياً أمر صعب، وقد تحتاج الأدوات الجديدة إلى وقت وقبول واسع من جانب المطورين. علاوة على ذلك، تختلف التشريعات بين الدول، مما يجعل الإطار القانوني الدولي معقدا .

ومن منظور أوسع، يعكس هذا الائتلاف صراعاً أعمق حول توزيع القيمة في الاقتصاد الرقمي. فالصحافة تنتج محتوى مكلفاً يعتمد على التحقق والتحقيق والخبرة البشرية، بينما تستفيد المنصات التقنية من هذا المحتوى لتحقيق أرباح هائلة دون المساهمة الكافية في استدامته. إذا نجحت المبادرة في فرض تراخيص عادلة، فقد تفتح باباً لإيرادات جديدة تدعم غرف الأخبار وتحد من موجات التسريح والإغلاق التي شهدها القطاع في السنوات الأخيرة

قد يعجبك ايضا
∧