محمد علي الشبيبي.. ذاكرة المنفى

محمد علي محيي الدين

محمد علي الشبيبي، كاتب ومهندس عراقي، لم تكن حياته رحلة مهنية عادية تبدأ بالدراسة وتنتهي عند حدود الوظيفة، بل مساراً طويلاً تداخلت فيه المعرفة بالنضال، والتجربة الشخصية بذاكرة الوطن، والمنفى بمسؤولية حفظ التاريخ. فمنذ سنواته الأولى، وجد نفسه في مواجهة واقع سياسي قاسٍ، دفع ثمن مواقفه اعتقالاً وتعذيباً وفصلاً من الجامعة، ثم حملته الظروف إلى بلدان متعددة، من بولونيا إلى الجزائر فالسويد، من دون أن تنقطع صلته بالعراق أو يتراجع اهتمامه بتوثيق تاريخه الثقافي والسياسي. وبين الهندسة والكتابة والتحقيق، ظل الشبيبي معنياً بصيانة الذاكرة من الضياع، واستعادة أصوات الذين غيّبتهم السجون أو طواهم النسيان.
وُلد محمد علي الشبيبي في النجف في الرابع والعشرين من نيسان عام 1945، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في كربلاء، في مدينتين عراقيتين تختزن كل منهما طبقات من التاريخ الاجتماعي والثقافي. غير أن سنوات شبابه لم تمضِ في هدوء الدراسة وحدها، فقد انخرط مبكراً في النشاط السياسي والطلابي، وتعرض للاعتقال والتعذيب والسجن مرات عدة، وكانت تجربته الأولى مع السجن قبل أن يبلغ السابعة عشرة من عمره. وهي بداية تكشف عن طبيعة المرحلة التي عاشها، حين كان الطالب يجد نفسه أحياناً في مواجهة أجهزة السلطة، لمجرد مشاركته في تنظيم طلابي أو تمسكه بموقف سياسي مخالف.
وبعد انقلاب شباط عام 1963 وما أعقبه من تضييق على القوى اليسارية والتنظيمات الطلابية، تعرض اتحاد الطلبة العام في العراق لضربة قاسية، وتراجعت قدرته التنظيمية بفعل الاعتقالات والملاحقات. وفي هذه الأجواء، بادر الشبيبي، مع عدد من زملائه، إلى إعادة بناء التنظيم الطلابي للاتحاد في كلية الزراعة عام 1966، وأسهموا في تشكيل اللجنة الاتحادية، في محاولة لإعادة الحياة إلى العمل الطلابي واستعادة دوره في الدفاع عن مصالح الطلبة.

لم يكن ذلك عملاً تنظيمياً يسيراً؛ فإعادة بناء تنظيم تعرض أعضاؤه للملاحقة تحتاج إلى الثقة والشجاعة والقدرة على جمع الأفراد حول هدف مشترك. وقد شارك الشبيبي بفاعلية في الإضراب الطلابي الذي شهدته كلية الزراعة عام 1966، احتجاجاً على قضية تتعلق بتعديل شهادة الكلية، في خطوة عكست إدراك الطلبة أن حقوقهم الأكاديمية لا تنفصل عن قدرتهم على التنظيم والتعبير الجماعي. فالجامعة، في جوهرها، ليست مكاناً لتلقي المعرفة فحسب، بل فضاء تتشكل فيه الشخصية المدنية، ويتعلم فيه الشباب معنى المطالبة بالحقوق والدفاع عنها.
وفي عام 1967، قادت اللجنة الاتحادية الحملة الانتخابية الطلابية، وحققت القائمة التي شارك فيها الشبيبي ورفاقه فوزاً كاملاً، على الرغم من التهديدات والاعتداءات التي تعرضوا لها، بحسب روايته. ولم يكن الفوز نهاية المعركة، بل بدا أنه زاد من حدة الضغوط عليهم؛ إذ اعتُقل الشبيبي وعُذّب وفُصل من الجامعة بعد الانتخابات. وهكذا تحولت المشاركة الطلابية من تجربة في العمل الديمقراطي إلى محطة أخرى في سلسلة المحن التي واجهها، وأصبح مستقبله الدراسي معلقاً بقرارات سياسية لا بعلمه أو قدرته على التحصيل.
بعد فصله من الجامعة، عمل عاملاً في معمل للتعليب في كربلاء. وكانت هذه المرحلة انتقالاً قاسياً من مقاعد الدراسة إلى العمل اليدوي، لكنها أضافت إلى تجربته معرفة مباشرة بحياة العمال، وبالمسافة التي قد تفصل بين طموح الإنسان والظروف التي تفرضها عليه السلطة. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن حلمه في إكمال دراسته، فحصل في أواخر عام 1969 على منحة من الحزب الشيوعي العراقي للدراسة في بولونيا، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته تجمع بين التحصيل العلمي والعمل السياسي والإعلامي.
وفي بولونيا، درس الهندسة المدنية، كما تولى مسؤولية المكتب الصحفي لمراسلة صحيفة «طريق الشعب»، لسان حال الحزب الشيوعي العراقي. وكان هذا العمل امتداداً لاهتمامه بالشأن العام، إذ لم يكتفِ بأن يكون طالباً يسعى إلى اكتساب اختصاص علمي، بل شارك في متابعة الأحداث ونقل الأخبار والتواصل مع الصحافة الحزبية. وقد أتاحت له التجربة أن يقترب من الكتابة الصحفية، وأن يدرك أهمية الكلمة في توثيق ما يجري، ولا سيما حين تكون الأخبار والوقائع عرضة للحجب أو التشويه.
أكمل الشبيبي دراسته في الهندسة المدنية وعاد إلى العراق عام 1978، حاملاً شهادة تؤهله للعمل في مجال تخصصه. وعُيّن أستاذاً مساعداً في معهد التكنولوجيا ببغداد، في عودة بدت وكأنها تتيح له الاستقرار بعد سنوات الدراسة في الخارج، وتمنحه فرصة الجمع بين العمل الهندسي والتدريس. غير أن الأوضاع السياسية سرعان ما أعادت مسار حياته إلى دائرة الاضطراب؛ ففي شباط عام 1979، اضطر إلى مغادرة العراق بسبب ما وصفه بمضايقات الأجهزة الأمنية ومنظمة البعث داخل المعهد.
لم يكن الخروج من الوطن في تلك الظروف مجرد قرار يتعلق بمكان الإقامة أو فرص العمل، بل كان انقطاعاً قسرياً عن بيئة الإنسان وأهله وذكرياته، وعن مشروع كان يأمل أن يواصل بناءه في بلده. وقد توزعت سنواته اللاحقة بين محطات عدة، فعمل خمس سنوات في مكتب للتصاميم الهندسية في الجزائر، مواصلاً ممارسة اختصاصه والاستفادة من خبرته المهنية. وعلى الرغم من اختلاف البيئة التي انتقل إليها، بقيت تجربته العراقية حاضرة في وعيه، بما حملته من ذكريات السجن والملاحقة والحرمان من حقه في متابعة حياته الأكاديمية داخل وطنه.
وفي عام 1985، حصل على منحة لدراسة الدكتوراه في بولونيا. وكان ذلك دليلاً على استمرار رغبته في تطوير معرفته العلمية، وعدم السماح للظروف السياسية بأن تنهي علاقته بالتعليم والبحث. لكن إقامته هناك لم تستقر على النحو الذي أراده؛ ففي عام 1988، غادر بولونيا إلى السويد بعد عدم تجديد إقامة زوجته، وفي ظل ما ذكره من عدم صلاحية جوازي سفرهما. وهكذا جاءت محطة الهجرة الجديدة نتيجة ظروف إدارية ومعيشية ضيقت خيارات الأسرة، لتبدأ مرحلة أخرى من الغربة الطويلة.
استقر الشبيبي في السويد مع عائلته، وأصبح يقضي وقته في القراءة والكتابة، مستثمراً ما تراكم لديه من خبرات وتجارب في تدوين الذاكرة والبحث في التاريخ. وإذا كانت الهندسة قد منحته أدوات التفكير المنظم والدقة في التعامل مع التفاصيل، فإن حياته السياسية وما تعرض له من ملاحقات منحته مادة إنسانية واسعة، تتصل بتجارب السجن والمنفى وتحولات المجتمع العراقي. ومن تفاعل هذين الجانبين أخذت الكتابة مكانتها في حياته، لا باعتبارها نشاطاً عابراً، بل وسيلة لفهم التجربة وتسجيل ما قد يتعرض للنسيان.
في عام 2009، صدر له في العراق الجزء الأول من ذكرياته بعنوان «ذكريات الزمن القاسي»، ثم الجزء الثاني «غربة في مهب الريح»، اللذان أُعيد طبعهما في السويد عام 2011، ثم في العراق عام 2012. وتحمل العناوين دلالات تتجاوز وصف مراحل زمنية؛ فالزمن القاسي يحيل إلى سنوات الاعتقال والملاحقة والتضييق، بينما توحي الغربة بحياة امتدت بين البلدان من دون أن تمنح صاحبها انفصالاً حقيقياً عن وطنه. وفي هذه الذكريات، تتحول التجربة الفردية إلى نافذة على تاريخ أوسع، عاش فيه كثير من العراقيين التمزق بين الانتماء الوطني وضغوط السياسة والاضطرار إلى الهجرة.
ولا تقتصر أهمية كتابة الذكريات على استعادة ما عاشه صاحبها، بل تتصل أيضاً بما يمكن أن تقدمه للأجيال اللاحقة من شهادات عن الحياة السياسية والاجتماعية في مراحل مختلفة. فالتاريخ لا يتكون من القرارات الكبرى وأسماء الحكام وحدها، وإنما من تفاصيل حياة الناس، وما واجهوه من خوف وحرمان ومقاومة، ومن الطرق التي حاولوا بها الحفاظ على كرامتهم ومعتقداتهم. ومن هنا تكتسب مذكرات الشبيبي قيمتها بوصفها محاولة لتثبيت جانب من التجربة العراقية في سجل مكتوب، يتيح للقارئ أن يقترب من الماضي عبر عين من عاش أحداثه.
وامتد اهتمامه بالتوثيق إلى تاريخ عائلته وإرث والده الثقافي. ففي عام 2012، حقق وطبع مذكرات والده، التي حملت عنوان «ذكريات التنوير والمكابدة». ولم يكن هذا العمل مجرد وفاء عائلي، بل خطوة لحفظ شهادة رجل آخر عن زمنه، بما احتواه من أفكار وتجارب ومواقف. كما حقق وطبع عام 2013 «المجموعة الشعرية الكاملة» لوالده، جامعاً قصائده في إصدار واحد يحفظها من التشتت والضياع.
إن جمع المذكرات والقصائد وتحقيقها يتطلب أكثر من الرغبة في الاحتفاظ بأوراق قديمة؛ فهو يحتاج إلى البحث والمقارنة والتدقيق، وإلى معرفة بالسياق الذي كُتبت فيه النصوص، فضلاً عن الصبر على التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية، لكنها تصبح ضرورية لفهم حياة أصحابها. وقد وجد الشبيبي في هذا العمل وسيلة للجمع بين الوفاء الشخصي والمسؤولية الثقافية، فالمخطوطات والأوراق العائلية قد تحمل أحياناً شهادات لا تتوافر في المصادر العامة، وتكشف عن جوانب من التاريخ لا تظهر في السجلات الرسمية.
ومن أبرز أعماله في مجال التحقيق وإعادة النشر، عثوره بعد بحث طويل على نسخة من كتاب «من أعماق السجون في العراق»، الذي أعاد طباعته عام 2013، وكشف أن مؤلفه الحقيقي هو الشهيد عبد الجبار وهبي، المعروف باسم «أبو سعيد». وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تعيد الكتاب إلى صاحبه، وتصحح جانباً من نسبته، وتستعيد اسماً ارتبط بتجربة السجون والقمع السياسي. فإثبات هوية المؤلف ليس تفصيلاً ببليوغرافياً فحسب، بل هو جزء من العدالة الثقافية، التي تقتضي ألا تُنسب جهود الكتّاب إلى غيرهم، وألا تُمحى أسماؤهم من أعمالهم بسبب ظروف السياسة أو اضطراب انتقال الكتب بين الأيدي والأزمنة.
وقد امتد اهتمام الشبيبي بالتوثيق إلى أعمال تتصل بعمه، الشهيد حسين محمد الشبيبي، إذ عمل على مراجعة كتاباته والمساهمة في إعدادها للنشر، كما تعاون مع من عرفوه في مراجعة كتاب آخر يتناول حياته ومحاكمته وإعدامه وسيرته، استناداً إلى الوثائق وما عُثر عليه من أوراق ضمن مخلفات والده. وتكشف هذه الجهود عن مشروع يتجاوز استعادة السيرة الشخصية إلى محاولة توثيق مرحلة سياسية من خلال وثائقها وأصوات من عاشوها، بما يساعد على قراءة الأحداث بعيداً عن الاكتفاء بالروايات العامة أو الأحكام المسبقة.
وفي شهادتي عن الشبيبي، الذي ارتبطت معه بعلاقة امتدت أكثر من عقدين والتقيته مراراً خلال وجوده في العراق، وتعاونت معه في إخراج مؤلفات والده ومراجعتها، كما كتبت مقدمة الأعمال الشعرية الكاملة للوالد. ومشاركته في مراجعة كتابات عمه حسين محمد الشبيبي، والعمل على كتاب يتناول سيرته ومحاكمته وإعدامه، مستنداً إلى الوثائق والأوراق التي عُثر عليها.
وقد جمعته هذه الاهتمامات بعضوية اتحاد الأدباء العراقيين واتحاد الكتاب السويديين، وهما انتماءان يعكسان صلته بالحياة الثقافية في العراق والسويد معاً. فالهجرة، على ما تفرضه من انفصال عن المكان الأول، لا تمحو بالضرورة علاقة الكاتب بلغته وثقافته، وقد تتحول إلى مساحة يعيد فيها ترتيب ذكرياته ويكتب عن وطنه من موقع المسافة، حيث تتضح بعض التفاصيل التي يصعب رؤيتها وسط الأحداث اليومية.
إن تجربة محمد علي الشبيبي تكشف عن مسار إنسان تداخلت فيه السياسة بالعلم، والعمل المهني بالكتابة، والهجرة بمحاولة استعادة الذاكرة. فقد بدأ طالباً تعرض للاعتقال والفصل، ثم أصبح مهندساً ومدرساً، واضطر إلى مغادرة بلده تحت ضغط الظروف السياسية، قبل أن يجد في القراءة والكتابة والتحقيق مجالاً لمواصلة صلته بالعراق. ولم تقتصر عنايته على تسجيل ما مر به شخصياً، بل امتدت إلى حفظ مذكرات والده وشعره، واستعادة أعمال عمه، وتصحيح نسبة كتاب إلى مؤلفه الحقيقي.
وفي المحصلة، لا تقف قيمة الشبيبي عند حدود مذكراته أو أعمال التحقيق التي أنجزها، بل تتجلى أيضاً في إصراره على أن الذاكرة مسؤولية، وأن الوثيقة قد تعيد الاعتبار إلى إنسان غيّبته الأحداث، وأن الكتاب يمكن أن يصبح جسراً بين أجيال لم تعش التجربة نفسها. وبين «ذكريات الزمن القاسي» و«غربة في مهب الريح»، وبين مذكرات والده وشعره وكتاب عبد الجبار وهبي، تتشكل صورة مثقف لم يفصل حياته عن تاريخ بلده، ولم يسمح للمنفى بأن يقطع الخيط الذي يربطه بأسماء وأحداث تستحق أن تُروى.
إنه مسار يؤكد أن الغربة قد تبعد الإنسان عن جغرافيته، لكنها لا تنتزع منه بالضرورة ذاكرته، وأن الكتابة تستطيع أن تحول الألم الشخصي إلى شهادة عامة، وأن تحفظ للأجيال القادمة ما قد يضيع في زحام السياسة وتقلبات الزمن. ومن هذا المنطلق، تبقى تجربة محمد علي الشبيبي جزءاً من ذاكرة عراقية أوسع، كتبها أصحابها من مواقع مختلفة، بين الوطن والمنفى، وبين السجن والحرية، وبين ما حدث وما ينبغي ألا يُنسى.

قد يعجبك ايضا
∧