سلام إبراهيم.. روائي يكتب في ذاكرة الحرب والاستبداد والمنفى

نبيل عبد الأمير الربيعي

لم تكن تجربة الروائي العراقي سلام إبراهيم مع الكتابة منفصلة عن التحولات السياسية والاجتماعية العاصفة التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين. فمنذ بداياته الأدبية في سبعينيات القرن الماضي، عاش الكاتب تجارب الاعتقال والتعذيب والحرب والملاحقة السياسية، قبل أن تقوده الظروف إلى كوردستان العراق، ثم إلى تركيا وإيران، وصولاً إلى مملكة الدنمارك التي يقيم فيها منذ عام 1992. وبين هذه المحطات، تشكلت تجربة أدبية اتخذت من القصة القصيرة والرواية والنقد وسائل لاستكشاف مصائر الإنسان العراقي في ظل الاستبداد والحروب والاقتلاع من الوطن.

ولد سلام إبراهيم في مدينة الديوانية في 8 كانون الثاني عام 1954، وبدأ الكتابة الأدبية في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، حين كانت الثقافة العراقية تتفاعل مع تحولات سياسية وفكرية عميقة. ونشرت أولى قصصه في صحيفة (التآخي) في كانون الأول عام 1975، لتبدأ رحلة أدبية امتدت على مدى عقود، وأثمرت مجموعات قصصية وروايات ودراسات نقدية، فضلاً عن مساهمات في عدد من الصحف والمجلات العربية.
تعرض للاعتقال والتعذيب النفسي والجسدي أكثر من أربع مرات بين عامي 1970 و1980، بسبب مواقفه المعارضة لنظام الحكم آنذاك. وشكلت تلك التجارب جانباً أساسياً من مساره الشخصي، في مرحلة كان فيها الاختلاف السياسي يضع أصحابه أمام مخاطر الاعتقال والملاحقة. ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، جند في صفوف الجيش العراقي وأُرسل إلى جبهات القتال الجنوبية. وفي آب عام 1982، انشق عن وحدته العسكرية والتحق بأنصار الحزب الشيوعي العراقي في مناطق كوردستان. وبعد فترة من الاختباء والتنقل بين شباط وتشرين الأول عام 1983، أُعيد قسراً إلى وحدته، ليعود إلى جبهات القتال في البصرة حتى شباط عام 1985. لاحقاً، التحق مجدداً بالمقاومة في كوردستان، مصطحباً زوجته، فيما اضطر إلى ترك ابنه البكر وراءه. وفي الخامس من حزيران عام 1987، تعرضت مقرات المقاومة في زيوة، قرب العمادية، لقصف كيميائي أدى إلى إصابته بأضرار جسيمة في الرئتين، تسببت، وفق سيرته، في إعاقة بلغت نسبتها 60 في المئة.
تزامنت هذه المرحلة مع تصاعد العنف الذي استهدف مناطق كوردستان العراق، وصولاً إلى حملة الأنفال عام 1988، التي دفعت أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح واللجوء. وغادر سلام إبراهيم مع آلاف الكورد العراقيين إلى تركيا، ثم انتقل إلى إيران، حيث عاش في مخيمات اللجوء حتى عام 1992، قبل أن يستقر في مملكة الدنمارك.
منذ عام 1992، يقيم في العاصمة كوبنهاغن، حيث واصل نشاطه الأدبي بعيداً عن العراق. وقد جاءت سنوات المنفى امتداداً لتجربة طويلة من التحولات القسرية، من الاعتقال والحرب إلى النزوح واللجوء، وهي محطات تضع سيرته ضمن تجارب كتّاب عراقيين اضطروا إلى مواصلة حياتهم وإنتاجهم الأدبي خارج وطنهم. يقيم الكاتب اليوم في الدنمارك مع أسرته، وهو متزوج وله ولدان وبنت. وعلى الرغم من المسافة الجغرافية، استمر حضوره في المشهد الثقافي العربي من خلال نشر أعماله والمشاركة في الصحافة الأدبية والنقدية.
لا تقتصر أهمية هذه التجربة على جانبها الشخصي؛ فالمنفى أتاح للكاتب مواصلة مشروعه الأدبي في بيئة مختلفة، فيما ظل العراق وتاريخه الحديث حاضرين في خلفية تجربته. وتكشف سيرته عن مسار يتقاطع فيه الخاص والعام، إذ تتداخل مصائر الفرد والأسرة مع التحولات السياسية والعسكرية التي أصابت المجتمع العراقي.
بدأ سلام إبراهيم نشر قصصه في سبعينيات القرن الماضي، وكتب خلال مسيرته أكثر من خمسين قصة قصيرة، قبل أن يتسع مشروعه ليشمل الرواية والنقد الأدبي. ُونشرت أعماله في صحف ومجلات عربية، من بينها (الثقافة الجديدة) و(القدس العربي) و(الحياة) و(السفير) و(الاغتراب الأدبي)، فضلاً عن صحف المعارضة العراقية.
يمتد إنتاجه المنشور من المجموعة القصصية (رؤيا اليقين) عام 1994 إلى رواية (دونت سبيك أسطب) عام 2023، مروراً بأعمال روائية وقصصية متعددة. ويعكس هذا الامتداد الزمني استمرار اشتغاله بالأدب في مراحل مختلفة من حياته، شهدت تحولات كبيرة في العراق والمنطقة. وتتناول عناوين أعماله عوالم تتصل بالحياة والمصير والغياب والذاكرة، من دون أن يكون من الممكن اختزال مضامينها في دلالات العناوين وحدها. فقراءة المشروع الروائي تقتضي العودة إلى النصوص نفسها، ودراسة طرائق بنائها وشخصياتها ولغتها وعلاقتها بالواقع الذي نشأت فيه.
أبرز أعماله الأدبية
صدر لسلام إبراهيم عدد من المجموعات القصصية والروايات، من أبرزها:
– (رؤيا اليقين)، مجموعة قصصية، صدرت عام 1994 عن دار الكنوز الأدبية في بيروت.
– (رؤيا الغائب)، رواية، صدرت عام 1996 عن دار المدى في دمشق.
– (سرير الرمل)، مجموعة قصصية، صدرت عام 2000 عن دار حوران في دمشق.
– (الأُرسي)، رواية، صدرت عام 2008 عن دار الدار في القاهرة، ثم صدرت طبعة ثانية عام 2022 عن مؤسسة أبجد في العراق.
– (الحياة لحظة)، رواية، صدرت عام 2010 عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة.
– (في باطن الجحيم)، رواية، صدرت عام 2013 عن وزارة الثقافة العراقية، وظهرت ترجمتها الإنكليزية عام 2014 عن دار صافي في الولايات المتحدة.
– (حياة ثقيلة)، رواية، صدرت عام 2015 عن دار الأدهم في القاهرة، ثم صدرت طبعة ثانية عام 2022 عن مؤسسة أبجد.
– (إعدام رسام)، رواية، صدرت عام 2016 عن دار الأدهم في القاهرة.
– (طفلان ضائعان)، مجموعة قصصية، صدرت عام 2019 عن دار الدراويش في بلغاريا.
– (كل شيء ضدي)، رواية من جزأين، صدرت عام 2021 عن دار الدراويش في بلغاريا.
– (قبلة الصباح)، مجموعة قصصية، صدرت عام 2022 عن دار الدراويش في بلغاريا.
– (دونت سبيك أسطب)، رواية، صدرت عام 2023 عن مؤسسة أبجد في العراق.
– (دراسات في السرد العراقي المعاصر)، دراسة نقدية تتناول السرد العراقي المعاصر.
وشهدت مجموعة من هذه الأعمال إصدارات ورقية ورقمية لاحقة، من بينها نسخ رقمية أُتيحت عبر منصة (ألف ياء) خلال عامي 2025 و2026، وفق البيانات المنشورة ضمن قائمة مؤلفات الكاتب.
تُعد رواية (في باطن الجحيم)، الصادرة عام 2013، من الأعمال البارزة في قائمة مؤلفات سلام إبراهيم، وقد صدرت ترجمتها الإنكليزية في الولايات المتحدة عام 2014، في خطوة أتاحت للعمل الوصول إلى قراء خارج نطاق اللغة العربية. وتكتسب ترجمة الأعمال الأدبية العراقية أهمية خاصة في ظل ما شهدته البلاد من حروب وصراعات وتحولات سياسية واجتماعية. فانتقال النص إلى لغة أخرى يفتح المجال أمام قراء جدد للتعرف إلى جوانب من التجربة العراقية، ويضع الأدب في مواجهة أسئلة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. ومع ذلك، فإن تقييم الأثر الفني لأي عمل روائي يظل مرتبطاً بقراءة النص وتحليل بنيته السردية ولغته وشخصياته، وليس بموضوعه أو ظروف تأليفه أو ترجمته وحدها.
إلى جانب الكتابة الإبداعية، اتجه سلام إبراهيم إلى النقد من خلال كتابه (دراسات في السرد العراقي المعاصر)، بما يضيف إلى تجربته جانباً يتصل بقراءة المنجز السردي العراقي ومتابعة تحولاته. ويتيح الجمع بين الكتابة الإبداعية والاشتغال النقدي النظر إلى تجربته من زاويتين: الأولى تتعلق بإنتاج القصص والروايات، والثانية تتصل بالتفكير في طبيعة السرد العراقي ومشكلاته الفنية ومسارات تطوره.
لقد واجه الأدب العراقي، على مدى عقود، تحديات فرضتها الرقابة السياسية والحروب والهجرة والمنفى، فضلاً عن التحولات التي طرأت على المجتمع بعد عام 2003. وأثرت هذه الظروف في موضوعات الكتابة وأشكالها، كما دفعت عدداً من الكُتّاب إلى مواصلة مشاريعهم الأدبية خارج البلاد. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دراسة تجارب الروائيين العراقيين الذين عاشوا التحولات السياسية من داخلها، مع ضرورة إخضاع أعمالهم للقراءة النقدية التي توازن بين سياقاتها التاريخية وقيمتها الفنية.
تجمع سيرة سلام إبراهيم بين التجربة السياسية القاسية والمسار الأدبي الطويل. فقد عاش الاعتقال والحرب، حيث واصل الكتابة والنشر. لكن هذه الوقائع، على أهميتها، لا تختزل منجزه الأدبي، الذي يمتد إلى القصة والرواية والنقد، ويحتاج إلى قراءة مستقلة تدرس تطوره الفني وخصائصه السردية. وتكمن أهمية استعادة هذه التجربة في أنها تتيح التعرف إلى جانب من مسارات الأدب العراقي المعاصر، ولا سيما ما يتصل بعلاقة الكاتب بالتاريخ والذاكرة والمنفى. كما تسلط الضوء على الظروف التي أحاطت بأجيال من المثقفين العراقيين، واضطر بعضهم إلى مغادرة البلاد ومواصلة نشاطهم الثقافي من خارجها.
بعد أكثر من خمسة عقود على بداياته القصصية، يواصل سلام إبراهيم حضوره من خلال أعماله المنشورة، التي صدرت في عدد من العواصم العربية والأوروبية، إلى جانب الترجمة والنشر الرقمي. وتبقى قراءة هذا المنجز، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بسيرة صاحبه، مدخلاً ضرورياً لتحديد موقعه في المشهد الروائي العراقي المعاصر.

قد يعجبك ايضا
∧