فاتورة صباح استثنائي قصة من الذاكرة ·

د. أميمة منير جادو

كان ذلك في أواخر التسعينيات، حين كنتُ قد تعلّمتُ القيادة حديثًا، وكنتُ أشعر بشيء من الزهو بقدرتي الجديدة على الإمساك بعجلة القيادة والانطلاق في شوارع مدينتي.
وفي صباحٍ نديّ، أعقب صلاة الفجر، راودتني رغبةٌ في التجوال بشوارع المقطم الداخلية؛ فقد كان الجو بديعًا، والنسيم رقيقًا، وخيوط النهار الأولى تشقُّ عباءة الليل في استحياء، كأن الصباح يفتح عينيه على مهل، ويهمس للدنيا بأسرار يوم جديد.
وكان الصباحٌ يأخذني عتبة المجهول..
خرجتُ بسيارتي أستمتع بذلك الصفاء النادر، وأتأمل شوارع أعرف بعضها، وأخرى لم تطأها قدماي من قبل. كنتُ أريد أن أرى بلادي بعينٍ جديدة، وأن أكتشف زواياها التي لم أعرفها، دون أن يخطر ببالي أن نزهتي الصباحية ستتحول إلى مغامرة لن تمحوها الذاكرة أبدًا.

قادني الطريق إلى منطقة لم أكن أعرف عنها شيئًا، تُسمّى منطقة القصور بالهضبة العليا في المقطم. لم أكن قد سمعت باسمها من قبل، ولم ألحظ ما يوحي بأنني أقترب من مكان محظور؛ فلا حراسة ظاهرة، ولا أفراد أمن، ولا لافتة تحذّر العابرين من الدخول. بدا الطريق مفتوحًا، فواصلتُ السير ببراءة من لا يعرف أنه يقترب من حكاية لا تخصه.

وفجأة، ومن حيث لم أحتسب، ظهر كلبٌ ضخم عن يميني، وآخر عن يساري، وانطلقت نباحاتهما المتلاحقة كأنهما يعلنان حالة طوارئ لا أعرف سببها. كان زجاج السيارة مفتوحًا، وكان الصوت مرعبًا، والمشهد مباغتًا إلى حدٍّ شلَّ تفكيري للحظات.

ارتبكتُ، وتسارعت دقّات قلبي، ولم أعد أعرف كيف أتصرف. إن اتجهتُ يمينًا، خشيتُ أن أسقط من أعلى الجبل، وإن انحرفتُ يسارًا، فربما أجد نفسي في مواجهة الكلب الآخر. لم يكن أمامي متّسع للتفكير، ولم تكن خبرتي الوليدة في القيادة تسعفني في موقف كهذا.

أدرتُ المقود إلى اليسار، وضغطتُ على دواسة الوقود في فزع، ثم أسرعتُ إلى إغلاق الزجاج، وكأنني أُحكم إغلاق باب النجاة الأخير. لكن الأقدار كانت قد دفعتني إلى لحظة لا أملك زمامها.

ارتطمت السيارة بسور إحدى الحدائق ارتطامًا عنيفًا، وقفزت قفزة هائلة، ثم تحطمت حتى خُيّل إليّ أنها انقسمت نصفين. تصاعد الدخان من مكان لم أتبين مصدره، وتداخلت الأصوات والصور في عيني، وشعرتُ بأن الحياة تنسحب من حولي، وأنني أقف على الحافة الفاصلة بين البقاء والرحيل.

تشهدتُ على روحي، وسلّمتُ أمري لله. لم أكن أملك في تلك اللحظات سوى أن أستودع نفسي رحمته، بينما ظلّ نباح الكلاب يتردد في المكان، كأنها لم تكتفِ بما حدث، وكأنها تنتظر الفصل الأخير من مشهدٍ لم أختر أن أكون بطلته.

وبينما أنا في ذهولي، لا أدري كيف خرجتُ من ذلك كله سالمة، ظهر رجل عجوز. كان هادئًا على نحوٍ أثار دهشتي، ثم اكتشفتُ أنه صاحب الكلاب، وأنه هو الذي أطلقها نحوي.

اقترب مني وسألني بلهجة تجمع بين الاستنكار والعتاب:

— إنتِ جاية هنا بتعملي إيه؟

نظرتُ إليه في دهشة، وما زلتُ أحاول استيعاب ما حدث، وقلت:

— هو الدخول هنا ممنوع، ولا حاجة؟

أجابني ببساطة:

— أيوه، ممنوع.

قلتُ مستنكرة:

— ممنوع ليه؟

قال:

— دي منطقة ثابت بيه.

لم أفهم ما يقصده، فسألته:

— ثابت بيه مين؟

قال:

— أخو الست.

ازددتُ حيرة، وسألته:

— ست مين؟

أجاب:

— الست سوزان.

ثم أضاف موضحًا:

— دي فيلا منير ثابت بيه.

كانت تلك أول مرة أسمع فيها بهذا الاسم، وأول مرة أعرف فيها شيئًا عن تلك المنطقة التي دخلتها مصادفةً، مدفوعةً بفضولٍ بريء ورغبةٍ عادية في التجوال.

لكن ما لم أستطع استيعابه هو أن أُفاجأ بكلابٍ شرسة في طريق مفتوح، من دون حارس ينبهني أو لافتة تحذرني، ثم أجد نفسي متهمةً باقتحام مكان لم أكن أعرف أنه محظور.

قلتُ له، وقد اختلط الغضب بالدهشة:

— ولما هي منطقة ممنوعة، سايبين الطريق مفتوحًا ليه؟ وفين الحراسة؟

ردّ وكأن الأمر بديهي لا يحتاج إلى تفسير:

— ما هي الكلاب بتقوم بالواجب!

حدّقتُ فيه غير مصدقة، ثم قلت:

— يعني إنت اللي سيّبت الكلاب عليَّ؟

قال معتذرًا:

— أيوه، ما تآخذينيش يا مدام!

كدتُ لا أصدق ما أسمع. ها أنا ذي، أخرج من بيتي في صباحٍ هادئ أبحث عن بعض الجمال والسكينة، فإذا بي أجد نفسي في مواجهة الموت، ثم أكتشف أن ما حدث لم يكن مصادفةً عابرة، بل نتيجة حراسةٍ لم تميّز بين متسللٍ متعمد وإنسانةٍ دخلت المكان من طريق مفتوح، لا تعرف عنه شيئًا.

نظرتُ إلى سيارتي المحطمة، التي لم تعد تشبه السيارة التي خرجتُ بها قبل قليل، وسألته في مرارة:

— والعربية اللي اتدمرت دي أعمل فيها إيه، بلا مؤاخذة؟

قال:

— هاجيب لك حد يساعدنا نرفعها ونجرّها لبره على الطريق، وبعد كده تشوفي هتعملي فيها إيه.

ثم أضاف، وكأنه يلخّص الحكاية كلها في جملة واحدة:

— احمدي ربنا إنك سليمة.

وللمرة الأولى منذ بداية ذلك الصباح، شعرتُ أن كلماته تحمل حقيقةً لا تقبل الجدال. فقد كان من الممكن أن تنتهي الحكاية نهايةً أخرى، وأن تتحول نزهتي العابرة إلى خبرٍ حزين، وأن يصبح الصباح الذي خرجتُ أستقبل فيه الحياة آخر صباحٍ أراه.

حمدتُ الله من أعماق قلبي؛ فقد كُتب لي عمرٌ جديد، وعُدتُ من تلك المغامرة التي لم أخطط لها بدرسٍ لن أنساه ما حييت.

كان صباحًا عجيبًا؛ بدأ بالنسيم العليل، وخيوط الفجر الرقيقة، وشغف الاكتشاف، وانتهى بسيارةٍ محطمة، وقلبٍ يرتجف، وذاكرةٍ احتفظت بتفاصيله كأنها حدثت بالأمس.

دفعتُ ثمن ذلك الصباح غاليًا، ولم يكن الثمن ماديًّا وحده؛ فقد ترك في نفسي رهبةً من القيادة لم تفارقني بسهولة.

ومنذ ذلك اليوم، أقلعتُ عن قيادة السيارات.

وهكذا، انتهت علاقتي بعجلة القيادة عند عتبة المجهول، في صباحٍ ظننتُه موعدًا صغيرًا مع الجمال، فإذا به موعدٌ كبير مع القدر.

والحمد لله الذي نجّاني، ومنحني فرصةً أخرى لأروي الحكاية.

قد يعجبك ايضا
∧