أربيل .. مدينة تكتب فصلاً جديداً في الثقافة الكردية

د. عصام البرّام
كاتب وأكاديمي

في قلب إقليم كردستان العراق، تقف أربيل شامخة كأنها ذاكرة مفتوحة على آلاف السنين، تجمع بين عراقة التاريخ وحيوية الحاضر، وتواصل كتابة حكايتها في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية. ليست أربيل مجرد مدينة تتكئ على إرثها القديم، ولا عاصمة إدارية واقتصادية تنمو مبانيها وتتسع شوارعها فحسب، بل هي فضاء تتقاطع فيه الذاكرة الكردية مع تطلعات الأجيال الجديدة، ومكان تتجدد فيه العلاقة بين الهوية والتراث والفنون والمعرفة.
فقلعة أربيل، التي ترتفع في قلب المدينة، هذا المكان خصوصيته التاريخية والرمزية. فمنذ قرون طويلة، ظلت القلعة شاهدة على تعاقب الحضارات وتبدل الأزمنة، فيما استمرت الحياة حولها في رسم ملامح مدينة لا تنفصل عن ماضيها، لكنها لا تتوقف عنده. وقد أسهم إدراج قلعة أربيل على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2014 في تعزيز حضورها بوصفها معلماً ذا قيمة إنسانية عالمية، لا يخص الكرد وحدهم، بل يمثل جزءاً من الذاكرة الحضارية المشتركة للبشرية.
غير أن أهمية أربيل لا تكمن في حجارتها القديمة وحدها، بل في قدرتها على تحويل هذا الإرث إلى مصدر إلهام للحياة الثقافية المعاصرة. فالتاريخ، حين يتحول إلى ممارسة يومية، يصبح أكثر من سجل للأحداث؛ إنه وسيلة لفهم الذات، ومجال للحوار بين الأجيال، وجسر يصل الماضي بالمستقبل. ومن هنا، تبدو أربيل أمام فرصة مهمة لتقديم الثقافة الكردية بوصفها ثقافة حية، قادرة على صون جذورها والانفتاح على العالم في الوقت نفسه.
من ذاكرة القلعة إلى فضاءات الثقافة الحديثة
تحتفظ الثقافة الكردية بتنوع غني من الشعر والموسيقى والحكايات الشعبية والأزياء والحرف التقليدية، وهي عناصر تشكل ملامح هوية تراكمت عبر التاريخ، وانتقلت من جيل إلى آخر من خلال اللغة والذاكرة الشفوية والممارسات الاجتماعية. وفي أربيل، تتجاور هذه الموروثات مع مظاهر الحياة الحديثة، لتقدم صورة عن مجتمع يسعى إلى الحفاظ على خصوصيته الثقافية، بينما يتفاعل مع التحولات التي تفرضها المدينة المعاصرة.
وتحتل اللغة الكردية موقعاً مركزياً في هذا المشهد، باعتبارها وعاءً للذاكرة وأداة للتعبير عن التجربة الإنسانية. فالأدب الكردي، بشعره وروايته وقصته القصيرة، لا يقتصر على استعادة الماضي أو وصف البيئة المحلية، بل يتناول قضايا الإنسان والحب والمنفى والحرية والتغير الاجتماعي. ومن خلال الكتابة، يستطيع الأدباء نقل التجربة الكردية إلى قراء خارج حدود الجغرافيا، وإقامة جسور ثقافية مع لغات وشعوب أخرى.
وتبرز أهمية المؤسسات الثقافية والمكتبات والمعارض الفنية والمهرجانات الأدبية في دعم هذا الحراك، إذ توفر مساحات يلتقي فيها المبدعون بالجمهور، وتتيح للأجيال الشابة فرصة التعرف إلى تجارب فنية وفكرية متنوعة. كما أن الجامعات والمراكز التعليمية تؤدي دوراً أساسياً في توسيع النقاش حول التاريخ واللغة والفنون، وتعزيز البحث العلمي الذي يمنح التراث قراءة أعمق تتجاوز الاحتفاء الرمزي به.
وفي المشهد الموسيقي، تتواصل الأغنية الكردية بوصفها إحدى أكثر وسائل التعبير قدرة على الوصول إلى الناس. فهي تحمل إيقاعات الذاكرة الجماعية، وتستحضر الجبال والقرى والمناسبات الاجتماعية، كما تتناول موضوعات معاصرة تتصل بالحب والاغتراب والأمل. وبين الآلات التقليدية والتوزيعات الحديثة، يحاول فنانون شباب ابتكار أساليب جديدة لا تلغي الموروث، بل تعيد تقديمه بلغة موسيقية تناسب جمهوراً أوسع.
ولا يقل المسرح والفن التشكيلي والسينما أهمية عن الأدب والموسيقى في صياغة هذا الفصل الجديد. فهذه الفنون تتيح قراءة المجتمع من زوايا مختلفة، وتمنح الفنانين فرصة لطرح الأسئلة المتعلقة بالهوية والذاكرة والمدينة والتغيرات التي يعيشها الإنسان الكردي. وكلما اتسعت مساحة التعبير الحر، ازدادت قدرة الثقافة على أن تكون مجالاً للنقاش والتجديد، لا مجرد وسيلة للاحتفال بالماضي.
جيل جديد يعيد تعريف الهوية الكردية
تتغير أربيل بسرعة، ويظهر هذا التغير في عمرانها وأسواقها ومقاهيها وجامعاتها، كما يظهر في أنماط التواصل والعمل والإنتاج الثقافي. وقد أوجد انتشار المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فضاءً جديداً أمام الشباب الكردي لنشر الموسيقى والنصوص والصور والأعمال الفنية، والوصول إلى جمهور يتجاوز الحدود المحلية. ولم تعد فرص حضور الثقافة الكردية مرتبطة بالمؤسسات التقليدية وحدها، إذ بات بإمكان المبدع أن يقدم عمله مباشرة إلى المتلقين، وأن يشارك في حوارات ثقافية عابرة للبلدان.
لكن هذا التحول يحمل تحدياته أيضاً. فسرعة الاستهلاك الرقمي قد تجعل الأعمال الثقافية عرضة للتداول السريع على حساب القراءة المتأنية، كما أن المنافسة مع المحتوى العالمي تفرض على المؤسسات الثقافية البحث عن أساليب أكثر جاذبية في تقديم التراث واللغة والفنون. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى الجمع بين الوسائل الحديثة والاستثمار في التعليم الثقافي، بحيث لا تكون التكنولوجيا بديلاً عن المعرفة، بل أداة لتوسيع نطاقها وإيصالها إلى شرائح جديدة.
ويظل الحفاظ على اللغة الكردية وتعزيز حضورها لدى الأطفال والشباب من أبرز شروط استدامة الهوية الثقافية. فاللغة لا تعيش بالاحتفاء بها في المناسبات وحدها، وإنما تحتاج إلى كتب جيدة، ومناهج متطورة، ومحتوى رقمي متنوع، وإنتاج أدبي وفني يلامس اهتمامات الأجيال الجديدة. كما أن الترجمة إلى اللغات الأخرى تمثل ضرورة ثقافية، لأنها تتيح للأدب الكردي الخروج من نطاقه المحلي، وتمنح القارئ العالمي فرصة التعرف إلى مجتمع يمتلك تجربة تاريخية وإنسانية ثرية.
وعليه، لا يمكن فصل النهضة الثقافية عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بها. فالفنان يحتاج إلى بيئة تتيح له العمل والاستمرار، والكاتب يحتاج إلى دور نشر ومكتبات وجمهور قارئ، والمسرحي يحتاج إلى مسارح قادرة على استضافة الإنتاج المحلي. ولذلك، فإن دعم الثقافة ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه إنفاقاً ثانوياً، بل استثماراً في الإنسان وفي قدرة المجتمع على التفكير والإبداع وبناء علاقة أكثر توازناً مع ماضيه ومستقبله.
كما أن أربيل، بحكم موقعها وتاريخها وتنوعها الاجتماعي، تستطيع أن تكون مساحة للحوار بين الثقافات. فالانفتاح على الآداب والفنون العربية والتركية والفارسية والعالمية لا ينتقص من خصوصية الثقافة الكردية، بل يساعد على تطويرها وإبراز عناصر قوتها. والهوية التي تدخل في حوار مع الآخرين تصبح أكثر قدرة على فهم نفسها، وأكثر استعداداً لمواجهة الصور النمطية والتفسيرات الضيقة التي تختزل المجتمعات في ماضيها أو في صراعاتها السياسية.
إن التحدي الحقيقي أمام أربيل ليس أن تحافظ على صورتها مدينةً تاريخية فحسب، بل أن تجعل من هذا التاريخ قوة دافعة نحو مستقبل ثقافي أكثر حيوية. ويتطلب ذلك حماية المواقع التراثية، وتشجيع البحث والتوثيق، وتوفير الفرص للمواهب الشابة، وتوسيع المشاركة الثقافية خارج المراكز الكبرى، حتى تصل ثمار النشاط الفني والأدبي إلى مختلف فئات المجتمع.
لذا فان مدينة أربيل تبدو أكثر من مدينة قديمة تستعرض آثارها أمام الزوار؛ إنها حكاية متجددة عن شعب يسعى إلى صون ذاكرته وصياغة مستقبله بأدوات الحاضر. وبين قلعتها العريقة وشوارعها الحديثة، وبين الأغنية الشعبية والنص الرقمي، تتشكل ملامح فصل جديد في الثقافة الكردية، فصل لا يكتفي بتكرار ما ورثه، بل يعيد اكتشافه وتطويره وتقديمه إلى العالم.
وإذا كانت القلعة تختصر عمق الزمن في حجارتها، فإن الأجيال الجديدة تمنح المدينة قدرتها على الاستمرار. فالثقافة لا تُقاس بعمر الآثار وحده، وإنما بما تستطيع أن تلهمه من أفكار، وما تتيحه من فرص للإبداع، وما تبنيه من جسور بين الناس. ومن هذا التلاقي بين الذاكرة والتجديد، تستطيع أربيل أن تواصل كتابة قصتها، مدينةً تحترم جذورها، وتفتح نوافذها على المستقبل، وتجعل من الثقافة ركيزة أساسية لحضورها في العالم.

قد يعجبك ايضا
∧