د. مؤيد الونداوي
يرد في تقرير مفصل عن العمليات، وضعته وزارة الطيران تحت تصرفنا، وصفٌ متأخر بعض الشيء، لكنه مع ذلك مشوّق، للدور الذي أدته القوة الجوية الملكية خلال حملة استمرت ثمانية أشهر بين سهول كوردستان الجنوبية وجبالها ضد الشيخ محمود، الزعيم المتمرد. وتتسم القصة بطابع خيالي في مزجها بين القديم والجديد. فمن ناحية، كان رجال القبائل يرتدون ملابس لا تختلف بخيط واحد عن تلك التي ارتداها أسلافهم منذ أيام إبراهيم، لكنهم كانوا مسلحين بالبنادق بدلاً من السيوف أو الرماح؛ وفي مواجهتهم كان هناك نظير فارس العصور الوسطى في القرن العشرين: الطيار الجوي في آلته الطائرة.
وكان مسرح العمليات هو الإقليم القاتم الممتد على طول حدود فارس وكوردستان والعراق، وهي أرض تهيمن فيها سلاسل الجبال الوعرة على المشهد، ويتعاقب فيها حر الصيف الشديد مع البرد القاتل خلال أشهر الشتاء. وكان الشيخ محمود ومحاربوه يتنقلون بين الجبال، ويضاعفون مسيرهم باستمرار للإفلات من مطارديهم، ويلتفتون بين الحين والآخر للاستيلاء سريعاً على أحد المخافر النائية؛ غير أنهم هُزموا في نهاية المطاف واضطروا إلى طلب السلام نتيجة الضغط المتزايد باستمرار، الذي مورس عليهم من السماء.
ظهر الشيخ بعد ثلاث سنوات من الهدوء غير المعتاد في أيلول ١٩٣٠، حين استغل الاضطرابات القومية في كوردستان وتقدم بقوة كبيرة عبر الحدود إلى داخل العراق. واستندت العمليات ضده، إلى حد كبير، إلى وجود الجيش العراقي الحديث التشكيل؛ إذ نصت الخطة الأصلية على ألا تتخذ القوة الجوية الملكية إجراءً إيجابياً ضد العدو إلا إذا تعرضت القوات العراقية للهجوم وكانت بحاجة إلى المساعدة. غير أن مجرى الأحداث استلزم إدخال تعديلات على هذه الخطة، وانتهى الأمر بتقسيم العمليات إلى ثلاث مراحل متميزة، لم تتعاون القوة الجوية تعاوناً كاملاً إلا في المرحلة الأخيرة منها.
كان أول نجاح للشيخ محمود هو الاستيلاء على مخفر الشرطة المهم في بنجوين، الواقع على الحدود العراقية–الفارسية. واتُخذ إجراء جوي ضد مفارز المتمردين التي كانت تحاصر المخفر وضد رجال القبائل المحليين؛ غير أن هؤلاء، وقد شجعهم وصول الطائرات، هاجموا رجال الشيخ وطردوهم من بنجوين قبل أن يصل الرتل العراقي إلى مسرح العمليات.

وفي منتصف الشتاء تقريباً، استولى الشيخ على مخفر شرطة آخر، هذه المرة في سورداش، على مسافة تقارب ثلاثين ميلاً داخل الأراضي العراقية. وقد مكّن استعراض جوي أحد الأرتال البرية من الالتفاف على جناح المتمردين وفك الحصار عن سورداش بعد بضعة أيام من سقوطها. وعند ذلك انتهت المرحلة الأولى من العمليات، إذ فرض حلول الشتاء فترة هدوء مؤقتة.
وبعد شهر واحد فقط، عاد الشيخ الذي لا يعرف الكلل إلى الظهور مع قواته في سهل حلبجة، وهي منطقة يصعب فيها تحرك القوات بوجه خاص في ذلك الوقت من السنة. وبناءً على ذلك، وُسّع نطاق العمل الجوي ليشمل العمليات الموجهة ضد أية مجموعات من رجال القبائل المعادين بصورة مؤكدة، شوهدت في العراء.
وسقط مخفر شرطة ثالث في يد الشيخ، الذي قاوم لبعض الوقت جميع المحاولات الرامية إلى طرده. وتحركت أرتال الإغاثة من السليمانية، ورافقتها الطائرات. وفي إحدى المناسبات، رُصد من الجو هجوم على جناح الرتل العراقي، فشُتت المهاجمون بالقصف ونيران الرشاشات. وفي ذلك الوقت تقريباً، ضاعت فرصة مؤاتية لتطويق المتمردين، لأن القوات البرية أخفقت في بلوغ الهدف في الوقت المحدد؛ وانتهت المرحلة الثانية في أوائل شباط، وكانت الكفة تميل بوضوح لمصلحة محمود.
وقُضي الشهر التالي في معالجة مشكلة إجبار هذا العدو الحذر والمراوغ على خوض القتال. وشُكّلت قوة خاصة متحركة قوامها ٣٥٠ من أفراد الشرطة الخيالة، ودُرّب أحد أفواج الخيالة العراقية على القتال في الجبال، وأُنشئت مستودعات للتموين في أنحاء منطقة العمليات المتوقعة، وتقرر تحقيق تعاون جوي كامل.
وما كادت هذه التدابير تكتمل حتى افتتح الشيخ الجولة من جديد بهجوم ناجح على قافلة كانت تنقل المؤن إلى أحد مخافر الشرطة. وبعد ذلك مباشرة، قاد رجال قبائله الجامحين إلى تلال ووديان منطقة قرة داغ، حيث كان يمتلك كثيراً من الأملاك، وهي موطن قبائل الجاف المضطربة التي كان يمكنه أن يتوقع منها الدعم.
وبتحريض من الشيخ، بدأت هذه القبائل ترفض دفع الضرائب. فأُرسلت القوات، وأجرت الطائرات طلعات استطلاعية واستعراضية متكررة فوق المنطقة. وبحلول منتصف آذار، كانت الثورة قد امتدت إلى قضاء شهربان الكبير، الواقع على الضفة اليسرى لنهر ديالى. وتسللت جماعات من المتمردين إلى المنطقة، وفُرض حصار شديد على مخفر الشرطة الوحيد فيها. وكان الوضع في ذلك الوقت خطيراً، وكان تأثير دعاية الشيخ واضحاً إلى درجة استلزمت إلقاء منشورات تعلن أن أية قرى يُعرف عنها أنها تؤوي المتمردين ستكون عرضة للقصف الجوي بعد إنذار مدته نصف ساعة.
واتُخذت تدابير قوية للإيقاع بالشيخ محمود في وادي قرة داغ، غير أن الزعيم الماكر استطاع الإفلات من الخطر قبل أربع وعشرين ساعة من حركة التطويق. ومن دون تأخير لحظة واحدة، نُفذت عملية تمشيط مماثلة في الجانب الجنوبي الغربي من قرة داغ. وهناك عثرت الطائرات على أعداد كبيرة من المتمردين وهاجمتهم، فأجبرتهم على الاحتماء بالكهوف. وظلت الطائرات تحاصرهم لعدة ساعات، مما أتاح للرتل الخيّال فرصة للتحرك ضدهم، غير أن هذه الفرصة ضاعت لأن الضابط القائد لم يرَ أن الموقف مناسب.

ومنذ ذلك الحين تسارعت وتيرة الحملة. ففي أوائل نيسان، قامت القوات البرية بمسير قسري امتد ثلاثين ميلاً لملاقاة رجال الشيخ. وحددت الاستطلاعات الجوية موقع المتمردين في آوا باريكا. وبينما كانت القوات تتقدم بسرعة لشن الهجوم، حافظت أسراب الطائرات المتعاقبة على مضايقة المتمردين باستمرار بالقصف ونيران الرشاشات.
ولسوء الحظ، أخفق الرتل البري في طرد المتمردين من موقع قوي قبل حلول الليل؛ وخلال ساعات الظلام أفلت الشيخ ورجاله مرة أخرى. وحالفه الحظ مرة أخرى عندما تُرك، لسبب ما، ممر في الجانب الجنوبي الغربي من قرة داغ من دون حراسة. وأصبح الشيخ، الذي اجتاز الممر وعبر سهل حلبجة قبيل أن تتمكن السيارات المدرعة من اعتراضه، يتحرك شمالاً إلى منطقة لم يكن بوسع الرتل البري أن يأمل في اللحاق فيها بالمتمردين غير المثقلين بالأعباء، الذين يقاتلون ويتحركون بخفة. وكان ذلك إيذاناً بنهاية مغامرة الشيخ.
وتطورت العمليات إلى سلسلة من الهجمات الجوية. وظل رجاله تحت مراقبة جوية دقيقة، وقُصفوا كلما سنحت الفرصة، في حين تحركت الأرتال البرية خلف الطائرات لإعادة سلطة الحكومة.
وفي ٢٣ نيسان، عبر الشيخ محمود، وقد أصابه الحرج الشديد وأعياه القتال، إلى الأراضي الفارسية، وأبدى رغبته في الاستسلام. وبعد عشرين يوماً، وافق في بنجوين على الشروط التي عُرضت عليه، والتي ضمنت له حياته، ومخصصاً من دخل أملاكه، والسماح له بالإقامة مع أسرته في مكان تختاره الحكومة العراقية. ومن المفارقات أنه نُقل جواً بعد يومين من السليمانية إلى أور، حيث وُفرت له إقامة مؤقتة.
وعلى الرغم من أن تقييد الدعم الجوي في المراحل الأولى أدى إلى إطالة أمد الحرب، فإنه أسفر عن اكتساب الجيش العراقي قدراً كبيراً من الخبرة والتدريب القيّمين. ومن البداية إلى النهاية، أتاحت سياسة تجنب القصف العشوائي للقرى إدارة العمليات بأقل قدر ممكن من الإخلال بحياة الكورد وممتلكاتهم، وتجنبت المرارة والمعاناة اللتين ربما كان من شأن استخدام القوة الجوية بصورة أشد قسوة أن يسببهما.
وهكذا أثبتت الطائرة قيمتها في الخدمة الفعلية فوق بعض أخطر مناطق الطيران في العالم. وما إن بدأ العمل الجوي الكامل حتى انتهت غارات الشيخ في غضون أيام قليلة. ولولا الآلة الطائرة لكان قمع الثورة قد كلّف أضعافاً مضاعفة من الوقت والمال. ومن المؤكد أن قصة هذه «الحرب الصغيرة» جديرة بأن تحتل، بما اتسمت به من روعة ومغامرة كبيرة، مرتبةً إلى جانب أيٍّ من صراعات الحدود التي تتكرر كثيراً في تاريخ الإمبراطورية.