قراءة غنوصيّة موجزة في قصيدة استفهامٌ آخر لحيرةِ شمْسي تبريز؟ للشاعر والأديب: حكيم نديم الداوودي

عقيل أكرم

حِيرةُ العارف وعذاب الجذب
تمثل قصيدة “استفهام آخر لحيرة شمسي تبريز؟” للأديب والشاعر حكيم نديم الداوودي، المكتوبة عام 2012، علامة فارقة في نتاجه الأدبي؛ إذ ينتقل فيها من السرد القصصي الوجودي إلى آفاق “الوجد الصوفي والغنوصي”.

إنها جوهرة عرفانية من الطراز الرفيع، تجسد “حيرة العارف” الذي يقف أمام شمس التبريزي ليُسائله عن جمر الجذب وعذاب الفراق. النص ليس مجرد مرثية للحنين أو الاغتراب، بل هو “محاكمة معرفية” يسائل فيها الشاعر أقطاب العرفان والتصوف الشرقي، محاولاً العثور على موقع لشكوكه واستفهاماته الجارحة في مرآة حيرة شمس التبريزي وجلال الدين الرومي.

وتتنقل القصيدة ببراعة تشكيلية مذهلة بين قفار شيراز ونواح بلبل حافظ الشيرازي، وصولاً إلى مقاربة شديدة العذوبة والأسى، يُشبه فيها عمر اللحظات السعيدة بعمر شموس الدول الاسكندنافية (حيث يعيش هو الآن مغترباً في السويد)

نصّ القصيدة: استفهامٌ آخر لحيرة شمسي تبريز؟

ما بالُ قيظِ غيظِكَ يدورُ شواظاً
يديرُ أشرعتي تجاهَ الغربة؟
ويبعدني قهراً عن شواطئِ المنال
ما بالُ سُلَّمي المراوغِ يستغفلني
ويفضي دوماً إلى المتاه
ما بالُ خنجرِكَ يقطعني،
يحزُّ زهورَ أمنياتي
ما بالُ قلبِكَ الموبوءِ باللمزِ يلوكُ
سيرورتي وصباحَ مسائي
ما بالُ وجهِكَ يطاردُ نجمي
ويهدمُ عبثاً شاهقَ كبرائي
يا شمسي تبريز
أتعرفُ ما جرى لصحبِكَ
الروميِّ المتيم؟
لِمَ أحرقتَ قلبَهُ
الناصعَ بنارِ الجذب
كيفَ ضيعتَ عليهِ
قصائدَهُ المبتدئة
المزدانةَ بحبرِ الانشداه؟

فأبكى حافظُ الشيرازي
قفارَ شيرازَ بدمعِهِ
في وداعِ ابنِهِ الوحيد،
فاسمعهُ الآنَ كيفَ يخفقُ قلبُهُ
أمامَ نواحِ البلبلِ في قفصِ أسرِهِ:
(البلبلُ من قطراتِ دمِ قلبِهِ غذَّى الوردةَ الحمراء،
ثم أتتِ الريحُ وأمسكتْ بالأغصانِ بمزاجٍ حسود،
آه، ليلٌ ونهار، والموتُ كسبَ اللعبةَ إلى الأبد،
والآنَ بلا مبالاةٍ يا حافظُ فلن تخسرَ أكثر).

أدريتَ الآنَ حيرتَهُ وحيرتي،
أما قلتَ لساهرِ الليل،
حطبُ الليلِ مفتاحُ خطايانا.
وخطانا تقترفُ الخطأ،
خطىً تتعثرُ في تلكَ الطرقِ النَّسَمِيَّة،
آهٍ لتلكَ المتاهةِ الأبدية،
ليسَ سراً أن تستبيحَ زهرةُ الشوق،
عريَها لهوامِ النهارات.
لعيونِ اللصوصِ المتلصصة،
الصبرُ في بلدي عراهُ الهرمُ
وأدركَهُ المشيبُ قبلَ الأوان،
غشيهُ المللُ وطولُ الانتظار.

أتدري يا شمسي تبريز
يا شعلةَ مولانا الرومي.
تأملْ قليلاً لعرضِ الطريق،
من شرفةِ غيابِكَ اللغز
كيفَ تُعرَضُ الممالكُ الخربة،
عريَ نسوتِها العابسات،
الجالساتِ في انتظارِ الحظوظ.
بعيداً عن سُدُمِ الجنونِ والمهلكة،
غداً ستصحو زهورُ الشمسِ
على مزاميرِ النهارِ والضوء.

وا أسفاهُ لعمرِ اللحظاتِ السعيدةِ
كعمرِ شموسِ الدولِ الاسكندنافيةِ
أما سمعتَ تأوهاتِ الطيورِ المهاجرةِ
كيفَ تتأففُ أحزانَها المزمنة؟

فأنا يا شمسي تبريز؟!
عابرُ سبيلٍ إلى الضفةِ المجهولة،
فرغتُ رأسي من الاستفهاماتِ الجارحة،
وتخلّيتُ عن حلمِ الماضي.
وكانَ الحلمُ بساطي السحري،
أقلنّي برمشةِ العينِ
إلى مدائنَ ذاتِ الأضواءِ الباهرة،
بعيداً عن المدنِ المتربة،
المكتظةِ بالضوضاء،
أحملُ صُرّتي فوقَ عصاي،
وأهَشُّ بقدمي تربَ الطريق،
وغبارَ بؤسِ النّحس،
لعلّهُ يوصلني إلى بُغيتي.
حُلمي حُلمٌ من حرير،
مِن زمهرير،
شَغفٌ من جمرةٍ
تلّونُ سيمياءَ النّهار.

هذه حِيرتي أنا،
واستفهامٌ آخرُ منّي،
وإليكَ يا شمّسي تبريزي..

التفكيك الغنوصي والسيميائي لعوالم القصيدة

يعتبر هذا النص الجميل من النصوص الشامخة المُثقلة بجمال الفلسفة العرفانية، ويمثل إضافة استثنائية لجذوره الروحية والشرقية بواقع اغترابه الحالي. لقد أبهرتني ثورة معانيه العميقة وأخذتني إلى عالم من التجلي الروحي الفريد. ومن خلال هذه الدراسة المتواضعة، نقوم بتفكيك معمارها البصري وتناصاتها الصوفية عبر المحاور الآتية:

١. المِعمار الأسلوبي وسِيمياء “الأدوات القاطعة”

يفتتح الشاعر الداوودي النص بنبرة عتاب حادة مشحونة بصورٍ بصرية حارة تعكس طبائع الفراق ومناخ الجذب الصوفي. استخدام مفردات مثل: (قيظ غيظك، شواظ، خنجرك يقطعني، يحز زهور أمنياتي) يحيل القارئ سيميائياً إلى “جُرح الكينونة”. السكين أو الخنجر هنا هو أداة الفصل التي تبعد الشاعر قهراً عن “شواطئ المنال” وتقذف بأشرعته في يم الغرفة. أما السلّم المراوغ فيتحول إلى رمزٍ للارتقاء الروحي المُعطّل الذي يستغفل السالك ويفضي به دوماً إلى “المتاهة الأبدية”. هذا التمزق الجسدي والنفسي يعكس طاقة تعبيرية عالية تترجم ألم الجذب والتوق إلى النور الأول.

٢. التّناص العِرفاني والرّبط بينَ أقطاب التصوف
يتجلى النضج المعرفي في القصيدة عبر آلية “التناص” الباذخ مع قامات العرفان الشرقي؛ فالشاعر يخاطب شمس التبريزي—الشعلة الروحية لمولانا جلال الدين الرومي—ويسائله عن سر “نار الجذب” التي أحرقت قلب الرومي الناصع وضيعت عليه بداية قصائده المزدانة بحبر الانشداه.

ولم يقف التناص عند حدود قونية، بل عبر الجغرافيا ليصطدم بوجع حافظ الشيرازي ونواحه في قفار شيراز بدموعه المسكوبة في وداع ابنه الوحيد. يقتبس الداوودي مقطوعة شديدة العذوبة والأسى لحافظ الشيرازي عن الوردة الحمراء والبلبل الأسير، ليعقد مقاربة كونية بين حيرة هؤلاء العارفين الكبار وحيرته الذاتية. إن استدعاء هذه الرموز يعطي القصيدة بعداً أدبياً عالمياً، ويرفع النص من مجرد قصيدة ذاتية إلى وثيقة تتناول عذاب الروح الإنسانية في بحثها عن المطلق والفكاك من قفص الأسر المادي.

٣. حَطبْ الليل وتفكيك اللغز الزّماني
يقدّم الكاتب معادلة فلسفية مكثفة ومذهلة في قوله (حطب الليل مفتاح خطايانا) في الفلسفة الصوفيّة، الليل هو فضاء المكاشفة، العزلة، والمواجهة العارية مع الذات في العتمة. الحطب هنا هو الذكريات، الشكوك، والآلام التي يغذي بها الساهر نار فكره، وهي الخطايا المعرفية التي تقود الخطى للتعثر في “الطرق النَّسَمِيَّة” (الضيقة والوعرة). الزمان هنا يتوقف عن كونه زمناً فيزيائياً ليصبح متاهة أبدية تُعرض فيها “الممالك الخربة” وعري النسوة العابسات الجالسات في انتظار الحظوظ؛ وهي صورة تشكيلية سريالية صدمية تعكس انحطاط الواقع الإنساني وتآكل الصبر الذي عراه الهرم وأدركه المشيب قبل الأوان نتيجة طول الانتظار.

٤. نبوءة “الشّموس الاسكندنافية” وصورة عابِر السّبيل
تصل القصيدة إلى ذروتها البصرية والوجدانية في الالتفاتة العبقرية والاستباقية الخارقة للشاعر عندما يشبه عُمر اللحظات السعيدة بـ “عُمر شموس الدول الاسكندنافية”.هذه الصورة الذهنية تحمل بعداً نبوئياً عجيباً؛ فشمس اسكندنافيا تشرق وتغيب سريعاً في الشتاء، ومقاربتها باللحظات السعيدة هي ذروة الأسى البصري والوجداني المعبر عن قصر البهجة وطول ليل الأحزان المزمنة للطيور المهاجرة.

إن الأديب الفنان هنا يكتب بعقل فيلسوف غنوصي؛ حيث يعلن البطل في نهاية النص انسلاخه وتطهره، فهو”عابر سبيل إلى الضفة المجهولة” قرر إفراغ رأسه من الاستفهامات الجارحة والتخلي عن حلم الماضي الذي كان بساطاً سحرياً أقله برمشة العين. يتحول إلى درويش صوفي يحمل صرته فوق عصاه، يهش بقدمه ترب الطريق وغبار بؤس النحس، ليرسم حلمه الجديد المغزول من نقائض الوجود: من حرير، من زمهرير، ومن جمرة تلوّن سيمياء النهار.

قد يعجبك ايضا