نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست قيمة الشخصيات العامة في عدد المناصب التي شغلتها، ولا في طول السيرة الوظيفية، بقدر ما تكمن في الأسئلة التي تتركها تجربتها، وفي قدرتها على الانتقال من مجال إلى آخر دون أن تفقد صلتها بالإنسان. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة القاضي مهند فاضل إسماعيل الدليمي، الذي عبر من فضاء القضاء والقانون إلى رحابة الثقافة والفنون والإدارة العامة، حاملاً معه أسئلة العدالة، والحرية، والمسؤولية، ودور المؤسسة في حياة المجتمع.
ولد الدليمي في بغداد عام 1964، وامتدت تجربته المهنية بين القضاء والعمل الثقافي والإدارة العامة. وبعد مسيرته في السلك القضائي، انتقل إلى وزارة الثقافة، حيث شغل منصب وكيل الوزارة، ثم تولى إدارة دائرة السينما والمسرح وكالة. غير أن أهمية تجربته لا تكمن في تعدد المواقع التي شغلها بقدر ما تكمن في ذلك العبور بين عالمين مختلفين في أدواتهما، متداخلين في غايتهما الإنسانية: القانون من جهة، والثقافة والفنون من جهة أخرى.
دخل الدليمي المشهد الثقافي في مرحلة عراقية شديدة التعقيد، كانت فيها المؤسسات الثقافية تواجه آثار الحروب والإرهاب والاضطراب السياسي والاقتصادي. وفي مثل هذه الظروف، لم يعد السؤال متعلقاً بوظيفة الثقافة بوصفها نشاطاً احتفالياً أو هامشياً، بل بقدرتها على مقاومة الخراب، وحماية الذاكرة، وإعادة الاعتبار للإنسان.
وكان المسرح واحداً من أبرز المجالات التي ظهر فيها اهتمامه. فقد دعم النشاط المسرحي وشارك في فعاليات اليوم العالمي للمسرح، وأشرف عام 2015 على مهرجان المسرح العراقي الأول ضد الإرهاب، بمشاركة فرق من محافظات عراقية مختلفة. وهنا لم يكن المسرح مجرد مساحة للعرض والترفيه، بل وسيلة للتعبير والنقد والتأثير الاجتماعي، ومحاولة للدفاع عن الحياة في مواجهة العنف.

وامتد اهتمامه إلى قضايا الفنانين والتراث، وشارك في فعاليات تكريم عدد من رموز الفن العراقي، كما تحدث عن جهود استعادة الآثار العراقية المهربة، مشيراً إلى التعاون مع الإنتربول واستعادة نحو 700 قطعة أثرية. وهي قضية لا تنحصر في بعدها المتحفي، بل تتصل مباشرة بذاكرة العراق وهويته التاريخية، وبما تمثله الآثار من شواهد مادية على عمق الحضارة العراقية.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضاً موقفه من الحرية الفنية. ففي إحدى القضايا المسرحية عام 2014، جمع بين الدفاع عن حق الفنان في التعبير وممارسة النقد تجاه العمل الفني. وهذه معادلة جديرة بالتأمل؛ فالاختلاف مع عمل فني لا ينبغي أن يتحول إلى مصادرة لحق صاحبه في التعبير، كما أن حرية التعبير لا تعني إعفاء العمل من النقد.
وللدليمي وجه آخر يتمثل في الكتابة الساخرة، التي تناول من خلالها القانون والقضاء والمفارقات الاجتماعية والإنسانية. وفي حوار منشور عام 2025 تحدث عن تجربته في الكتابة، موضحاً أن الواقع بما يزخر به من مفارقات كان دافعاً أساسياً وراء كثير من نصوصه. ولعل هذا الجانب يكشف عن منطقة مشتركة بين القاضي والكاتب: كلاهما ينظر إلى الواقع، لكن أحدهما يبحث عن النص والدليل والمسؤولية، بينما يحاول الآخر كشف المفارقة الإنسانية الكامنة خلف الأحداث.
أما مغادرته العمل في وزارة الثقافة عام 2015، فقد أثارت جدلاً في الوسط الثقافي والإعلامي، وكتب الكاتب عدنان الفضلي مقالاً بعنوان (نعم.. دفاعاً عن مهند الدليمي)، قدم فيه شهادته وموقفه من تلك المرحلة. ومن الضروري، عند قراءة مثل هذه الوقائع، التمييز بين الشهادة الصحفية والموقف الشخصي من جهة، والوثيقة الرسمية من جهة أخرى؛ فالتاريخ المهني لا يكتمل بالرواية الواحدة، وإنما بتعدد الشهادات ومقارنتها بالوثائق.
من هنا تبدو أمسية (القانون في قفص الاتهام) التي أقامها ملتقى العشرة كراسي الثقافي في مدينة الحلة مساء السبت، 19 أيلول 2026، امتداداً طبيعياً لهذه التجربة، قدمه في الأمسية الباحث نبيل عبد الأمير الربيعي. فقد قدم القاضي مهند فاضل إسماعيل الدليمي محاضرة تناولت العلاقة بين القانون والعدالة، فيما توليت إدارة الأمسية، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن العام.
كان عنوان الأمسية لافتاً، لكنه لم يكن مجرد صياغة بلاغية لاستدراج الجمهور. فعندما يوضع القانون في قفص الاتهام، لا يعني ذلك بالضرورة إدانة القانون نفسه، وإنما فتح مساحة نقدية للسؤال عن علاقته بالعدالة، وعن المؤسسات التي تتولى تفسيره وتطبيقه، وعن المسافة التي يمكن أن تنشأ بين النص القانوني وروحه.
فالقانون، في جوهره، عقد اجتماعي يفترض أن يحمي الإنسان، ويصون حقوقه، ويضع الجميع أمام معيار واحد. لكن النص، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده أن يصنع العدالة ما لم تسنده مؤسسات قادرة على تطبيقه بنزاهة، ومجتمع يؤمن بسيادة القانون، وثقافة ترى في العدالة قيمة تتجاوز حدود النص.
ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون دائماً: هل لدينا قوانين كافية؟ بل ربما يكون السؤال الأعمق: ماذا يحدث عندما تكون هناك مسافة بين القانون وتطبيقه؟
فالقانون لا يعيش داخل الكتب وحدها؛ حياته الحقيقية تبدأ عندما يخرج إلى المحكمة والشارع والمؤسسة والبيت، وعندما يواجه المواطن الذي ينتظر إنصافاً لا مادة قانونية محفوظة. وقد تكون المشكلة أحياناً ليست في غياب النص، وإنما في كيفية تفسيره وتطبيقه، وفي قدرة المؤسسة على تحويل العدالة من مفهوم مجرد إلى ممارسة يومية.
وقبل بدء المحاضرة، كان لا بد من استحضار صاحب المكان الأول في ذاكرة الملتقى، إذ استُهلت الأمسية بقراءة سورة الفاتحة ترحماً على روح مؤسس ملتقى العشرة كراسي، الراحل الدكتور عبد الرضا عوض.
كانت لحظة وفاء لرجل لم يكن الملتقى بالنسبة إليه مجرد نشاط ثقافي عابر، بل مساحة للمعرفة والحوار والتواصل. وفي المدن التي تتعرض ذاكرتها للنسيان، تصبح المحافظة على أسماء الذين صنعوا المشهد الثقافي شكلاً من أشكال مقاومة النسيان.
وفي محاضرته، فتح القاضي الدليمي مجموعة من الأسئلة المرتبطة بوظيفة القانون وعلاقته بالمجتمع، وبالعلاقة بين النص والتطبيق، وبين القانون والعدالة، وبين المؤسسة القانونية وواقع الناس.
ولم تنتهِ الأسئلة بانتهاء المحاضرة، بل بدأت مرحلة أخرى من الأمسية مع المداخلات والنقاش. جاءت الآراء والأسئلة من زوايا متعددة، وهو ما أعاد للملتقى وظيفته الأساسية بوصفه فضاءً للحوار لا منصة لإلقاء الإجابات الجاهزة. فالثقافة الحية لا تخشى السؤال، ولا تعتبر الاختلاف تهديداً لها. إنها تضع الأفكار في مواجهة بعضها بعضاً، وتترك للعقل مهمة البحث والمقارنة والاستنتاج.
ربما تكمن خصوصية تجربة مهند الدليمي في هذا العبور تحديداً: عقل قانوني اعتاد البحث عن النص والدليل والمسؤولية، يجد نفسه في فضاء الثقافة الذي يقوم على الاختلاف والخيال والتأويل وحرية التعبير.
ولا تبدو العلاقة بين القانون والثقافة، من هذه الزاوية، علاقة تناقض بالضرورة. فحين يحمي القانون حرية الثقافة، تمنح الثقافة للقانون بعده الإنساني، وتذكّره بأن وراء النص إنساناً، ووراء القضية حياة، ووراء الحكم أثراً قد يمتد إلى مصير فرد أو عائلة أو مجتمع.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه الثقافة للقانون هو أن تضع الإنسان في مركزه، وأجمل ما يمكن أن يقدمه القانون للثقافة هو أن يحمي حقها في السؤال والاختلاف والنقد.
وفي ختام الأمسية، قُدمت شهادة تقديرية إلى القاضي مهند الدليمي تقديراً لمشاركته وإسهامه في إثراء الحوار. وكان الشكر موصولاً لكل من حضر وشارك، ولكل من تكبد عناء السفر من خارج الحلة، ولأهلنا وأصدقائنا داخل المدينة.
فالحضور لم يكن مجرد مجاملة ثقافية، بل تأكيداً على أن للكلمة مكاناً، وللحوار جمهوراً، وللثقافة قدرة على جمع المختلفين حول طاولة واحدة.
إن ملتقى العشرة كراسي لا يريد أن يكون مجرد سلسلة من الأمسيات، بل مساحة تلتقي فيها الأسئلة العراقية الكبرى مع العقل النقدي، بعيداً عن الوصاية والإجابات المعلبة. ومن هنا تأتي أهمية مثل هذه اللقاءات، لأنها تجعل الثقافة فعلاً اجتماعياً، لا مجرد مناسبة عابرة.
أما تجربة مهند الدليمي، فلا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها استعراضاً للمناصب أو الوقائع، ولا أن تختزل في المديح أو الخصومة. السيرة الأكثر صدقاً هي التي تترك المجال للوثيقة والشهادة والنقد الهادئ، وتضع التجربة في سياقها التاريخي والإنساني.
وفي النهاية، ربما كان السؤال الذي خرجنا به من أمسية (القانون في قفص الاتهام) أكثر أهمية من أي جواب:
إذا كان القانون قد وُجد لحماية الإنسان، فمن يحمي الإنسان عندما يفقد القانون روحه؟
ذلك سؤال لا يغلق بانتهاء الأمسية، وربما لم يكن مطلوباً له أن يغلق أصلاً. فبقاء السؤال مفتوحاً هو، في كثير من الأحيان، بداية التفكير الحقيقي.