في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء الخامس و الخمسون
على إيقاع نبضٍ قديم …

لم أكن أعلم أن للصباحات طعماً آخر، حتى تراءى لي وجهكِ في أول الفجرِ كأنه البشارة… كل ما كان يربكني في هذا العالم من صخب الشوارع، وزحام المارين، وجلبة الحياة قد استحال اليوم في عينيّ نغماً هادئاً يُعزف على شرفتكِ… تنفستُ نسمة الصباح الباردة وكأنها أول هواء يلجُ إلى رئتيّ، ففي كل قطرة ندى سقطت هذا الصباح، رأيتُ انعكاس ابتسامتكِ التي ترمّم ما تهدم من شغفي…

أعددتُ قهوتي بذوقٍ مختلف، أرتشفها على مهل وأنا أستحضر حديثكِ العذب، فصار للمساءات والصباحات نكهة لا تُشبه إلا حلاوة قربكِ… خرجتُ إلى عملي أطوي الخطوات بحنيّة … ويمشي معي طيفكِ كأنه ظلي الثاني… أبتسم للجميع بلا سبب، وأداري عن أصدقائي سرّ هذه البهجة الغامضة التي تطفح من عينيّ؛ فكيف لي أن أشرح لهم أنني اليوم لا أمارس مجرد يومٍ جديد، بل أبتدئُ عمري معكِ من جديد…

ومع هبوط المساء، وتساقطِ خيوطِ الشفق الذهبية على أرصفة المدينة الدافئة، مشيتُ يسبقني شوقي إليكِ… كانت تلك المقاعد الخشبية القديمة المظللة بأشجار الياسمين — حيث جلسنا ذات نهارٍ صيفيٍّ نحتمي بظلها من وهج الشمس — تغريني بالوقوف؛ وكأنّ نسيم المساء العليل يُصرُّ على أن يعيد على مسامعي همساتكِ الدافئة وحكاياتنا حينما تناولنا المثلجات الباردة ، وتشاركنا ضحكاتٍ تلطّف هجير اليوم، ليبقى شذاكِ المزهرُ عالقاً في ذاكرة المكان وزوايا الزمان…

عدتُ إلى محرابي الصغير، بين صفحات كتبي والألحان الخافتة، لكنكِ كنتِ السطر الوحيد الذي أقرأه في كل كتاب، والنغمة الوحيدة التي تطرب لها روحي… ومع تراجع الليل وتباشير الفجر الأولى، بقيتُ أعاني من لهفة انتظام أنفاسي، وأرقبُ شاشة هاتفي بانتظار إشارة منكِ تُعيد إلى نفسي توازنه…

وفجأة.. أزهر المدى برنين هاتفي… وحين انساب صوتكِ الرقيق كالماء عبر الأثير، تلاشت كل أتعابي، وسكتَ كل ضجيج، ولم يتبقَّ في هذا السكون إلا صوتي وهو يهمس لكِ بكل ما أوتيتُ من حنّية … نعم يا غايتي والمنى.. أحبكِ، ولا شيء في هذا الوجود أجمل من أن أظل أحبكِ منذ زمن بعيد.. وإلى أقصى مدى…

قد يعجبك ايضا