محمد علي محيي الدين
يوسف الصائغ، الشاعر والروائي والكاتب المسرحي، واحد من الأصوات العراقية التي لم تكتفِ بأن تكتب عن زمنها، بل جعلت من تجربتها الشخصية مرآة لقلق ذلك الزمن وتحولاته. ولد يوسف نعوم داود الصائغ في الموصل سنة 1933، ونشأ في بيئة ثقافية ودينية تركت في تكوينه أثراً واضحاً، ثم اتجه إلى دراسة اللغة العربية، فتخرج في دار المعلمين العالية سنة 1954، بحسب ما تذكر موسوعة المطبعي، بينما تورد بعض المصادر سنة 1955. ومنذ بداياته كان واضحاً أن الكتابة بالنسبة إليه ليست ترفاً، وإنما طريقة لفهم الذات والعالم ومواجهة الأسئلة التي تفرضها الحياة.
بدأ حياته العملية في ميدان التعليم الثانوي، وظل قريباً من المدرسة واللغة زمناً، قبل أن ينتقل إلى الصحافة والإعلام والعمل الثقافي. وقد أتاحت له هذه التجربة المتنوعة أن يقترب من المشهد الأدبي والفني العراقي من أكثر من موقع، فلم يكن شاعراً يعيش بعيداً عن حركة الثقافة، بل كان مشاركاً فيها ومتابعاً لتحولاتها. وانتهى به المطاف إلى العمل الإداري الثقافي، فتولى سنة 1993 منصب المدير العام للمؤسسة العامة للسينما والمسرح، في موقع جمع بين اهتمامه بالأدب وصلته بالفنون البصرية والمسرحية.
غير أن مسيرته لم تكن مستقيمة أو هادئة؛ فقد عرف الاعتقال والسجن في أعقاب أحداث عام 1963، واستمرت تجربة السجن سنوات تركت ندوباً عميقة في ذاكرته. وهذه التجربة تبدو مهمة لفهم عالمه الإبداعي، إذ إن الكتابة عند الصائغ كثيراً ما تلامس مناطق الخوف والندم والاعتراف والصراع الداخلي. لم يكن السجن مجرد حادثة في سيرته، بل تحول إلى تجربة إنسانية ظلت تتردد أصداؤها في نصوصه، حتى غدت القصيدة عنده أقرب إلى محاكمة للذات منها إلى احتفال باللغة.
ومن هنا جاءت خصوصية صوته الشعري؛ فقد اتجه إلى شعر لا يكتفي بالزخرفة، بل يبحث عن المعنى في المناطق المعتمة من النفس. وكانت لغته مشحونة بالتوتر الدرامي، تجمع بين البوح والتأمل والمساءلة، وتضع الذات أمام أسئلتها من غير كثير من الأقنعة. ولعل هذا ما جعل تجربته تقترب من مفهوم «الاعتراف»، إذ إن الشاعر لديه لا يتحدث عن الآخرين فقط، وإنما يعود باستمرار إلى نفسه، إلى اختياراتها وهزائمها ومخاوفها، وإلى علاقتها بزمن مضطرب.

ويبرز هذا الجانب في «اعترافات مالك بن الريب»، العمل الذي استثمر فيه شخصية تراثية معروفة ليعيد من خلالها قراءة الحاضر. فمالك بن الريب، الذي ينتمي إلى الذاكرة العربية القديمة، يتحول عند الصائغ إلى قناع فني يسمح للشاعر بطرح أسئلة معاصرة عن المصير والموت والندم والمنفى والاختيار. ولم يكن استدعاء التراث عنده عودة إلى الماضي لذاته، بل كان وسيلة لجعل الماضي يتكلم عن الحاضر، ولإقامة حوار بين التجربة الإنسانية القديمة وقلق الإنسان الحديث.
أما «سيدة التفاحات الأربع» فتقدم وجهاً آخر من تجربته الشعرية، حيث يتسع الرمز وتزداد كثافة الصورة، ويتداخل الحب مع الخلاص، والجسد مع الفكرة، والواقع مع الحلم. وفي مثل هذه النصوص تتأكد قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء شعري يتجاوز حدودها المباشرة، بحيث يصبح الخاص مدخلاً إلى العام، وتغدو التجربة العاطفية جزءاً من سؤال أوسع عن الإنسان ومصيره.
ولم يقتصر نشاط الصائغ على الشعر، فقد اشتغل بالنقد والدراسة، وقدم كتاب «الشعر الحر في العراق»، وهو عمل يتصل مباشرة بتحولات القصيدة العراقية الحديثة وصعود شعر التفعيلة. وتكشف هذه التجربة عن جانب آخر من شخصيته؛ فهو لم يكن معنياً بكتابة القصيدة وحدها، بل كان يراقب حركة الشعر ويحاول فهم تحولات الشكل والإيقاع واللغة. ولذلك كان انتقاله بين الإبداع والتنظير طبيعياً في مشروعه، إذ ظل الشاعر والباحث يعملان في داخله جنباً إلى جنب.
وفي الرواية كتب «اللعبة» سنة 1971 و«المسافة» سنة 1974، فانتقل من كثافة القصيدة إلى رحابة السرد، محتفظاً مع ذلك بحساسيته الشعرية. وفي أعماله السردية تتجاور أسئلة السلطة والاغتراب والهوية مع البحث عن معنى الحرية والمصير، فتبدو الرواية امتداداً آخر لذلك القلق الذي يسكن شعره. أما المسرح، فقد وجد فيه مساحة مناسبة لطبيعته الدرامية، فكتب نصوصاً من بينها «ديزدمونة» سنة 1989، واهتم بالمشهد المسرحي بوصفه مجالاً لتصادم الأصوات والأفكار والمصائر.
وكان حضوره الثقافي واسعاً؛ فهو عضو في اتحاد الأدباء، وعضو في جمعية الفنانين، وشارك في مهرجانات عربية ودولية، من بينها مهرجان جرش في الأردن ومهرجان قرطاج ومهرجان موسكو للسينما. كما أسهم عمله في المؤسسة العامة للسينما والمسرح في توسيع علاقته بالفنون، فلم تعد تجربته محصورة في الأدب المكتوب، وإنما أصبحت متصلة بالمسرح والسينما والحركة الثقافية العامة.
وتذكر المصادر أن من مؤلفاته أيضاً «دماء بلا دموع» (1961)، و«السودان: ثورة وشهداء» (1969)، و«المعلم» (1986)، إلى جانب أعماله الشعرية والروائية والمسرحية. كما عُرف عنه اهتمامه بالنص المسرحي، ونال جائزة عن أحد نصوصه، وحصل على وسام الاستحقاق الثقافي من الدرجة الأولى، وهو تقدير يعكس مكانته في الحياة الثقافية العراقية.
وقد كتب عن يوسف الصائغ عدد من النقاد والباحثين، من بينهم علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس ومحمد مبارك وشكيب كاظم، كما حفظت المراجع الببليوغرافية سيرته ومنجزه، ولا سيما معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م لكامل سلمان الجبوري ومعجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين. ويكشف تعدد من كتبوا عنه عن اتساع حضوره النقدي، وعن صعوبة اختزاله في صفة واحدة؛ فهو شاعر، وروائي، ومسرحي، وباحث، ومثقف شارك في الحياة الثقافية من مواقع متعددة.
وتذكر الروايات المتعلقة بسنواته الأخيرة أنه أقام في دمشق، وشهدت تلك المرحلة تحولاً روحياً في حياته أثار جدلاً واسعاً، في ارتباط ذلك بما عُرف عنه من قلق وجودي وأسئلة متواصلة حول الإنسان والمصير والإيمان والخلاص. ومهما اختلفت القراءات لهذه المرحلة، فإنها تظل جزءاً من السيرة الشخصية لرجل ظلت حياته نفسها، مثل كتابته، مفتوحة على الأسئلة والتحولات.
توفي يوسف الصائغ في دمشق، وتختلف بعض المصادر في تحديد سنة الوفاة بين 2005 و2006، وهو اختلاف ينبغي الإشارة إليه عند تدوين سيرته. لكن المؤكد أن رحيله لم يضع حداً لحضور تجربته؛ فقد ترك وراءه منجزاً متعدد الأشكال، يواصل استدعاء القراءات والتأويلات. وربما تكمن أهمية الصائغ في أنه لم يتعامل مع الأدب بوصفه مكاناً للهروب من الواقع، بل جعله وسيلة لمواجهته، حتى حين كان الواقع مؤلماً ومربكاً. ولهذا ظل شعره ونثره مشدودين إلى الإنسان في ضعفه وتردده وندمه، وإلى العراق في أزماته وتحولاته.
إن يوسف الصائغ، في النهاية، ليس مجرد شاعر كتب قصائد وروايات ومسرحيات، وإنما تجربة ثقافية قلقة عاشت داخل أسئلة عصرها. جعل من الاعتراف مادة شعرية، ومن التراث جسراً إلى الحاضر، ومن المسرح فضاءً للصراع، ومن الدراسة النقدية محاولة لفهم تحولات القصيدة العراقية. ولذلك بقي اسمه واحداً من الأسماء التي يصعب قراءتها بمعزل عن التحولات السياسية والثقافية والنفسية التي عاشها العراق في النصف الثاني من القرن العشرين.
اعتمدت هذه الصياغة على المعلومات الواردة في موسوعة المطبعي، وعلى معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م لكامل سلمان الجبوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ج7، ص70، وكذلك معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، فضلاً عن الإشارات الواردة في النص إلى ما كتبه عنه علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس ومحمد مبارك وشكيب كاظم. وقد روعي في عرض تاريخ الوفاة الإشارة إلى اختلاف المصادر بين عامي 2005 و2006، وعدم الجزم بتاريخ واحد في ظل هذا التباين.