داي كولي… أيقونة الكرامة والصمود

نبيل عبد الأمير الربيعي

في تاريخ الشعوب محطات لا تقاس بعدد السنوات، بل بما تتركه من أثر في الضمير الإنساني. ومن بين أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ العراقي المعاصر، تبقى الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في سنجار في آب عام 2014 واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي، إذ استهدفت الأرواح والهوية والكرامة في آن واحد، وتعرض الآلاف من الرجال والنساء والأطفال للقتل والتهجير والسبي.
ولم تكن المرأة الإيزيدية مجرد ضحية في تلك المأساة، بل تحولت في كثير من المواقف إلى رمز للمقاومة والصمود، وكتبت بمواقفها صفحات مشرقة من البطولة الإنسانية. ومن بين تلك الأسماء التي تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية يبرز اسم الشهيدة (داي كولي)، التي واجهت الإرهاب بشجاعة استثنائية، واختارت الدفاع عن كرامتها حتى اللحظة الأخيرة.

ففي أثناء الهجوم الذي شنه تنظيم داعش على مناطق الإيزيديين، وقعت داي كولي مع مجموعة من النساء في الأسر. وكانت تخفي مسدساً تحت ملابسها، منتظرة اللحظة التي تستطيع فيها الدفاع عن نفسها وعن من معها. وعندما حاول أحد قادة التنظيم الإرهابي الاعتداء على ابنتها، لم تتردد لحظة؛ فأخرجت سلاحها وأطلقت عدة رصاصات أصابت رأسه فأردته قتيلاً، كما تمكنت من إصابة عدد آخر من عناصر التنظيم.
لكن أحد الإرهابيين أطلق عليها النار من مسافة بعيدة، فسقطت شهيدة وهي تقاوم دفاعاً عن شرفها وكرامتها. وقد أحدثت عمليتها البطولية ارتباكاً كبيراً بين عناصر التنظيم، ففروا تاركين جثة قائدهم، وأسهم موقفها الشجاع في تحرير عدد من الأسرى الإيزيديين الذين كانوا تحت سيطرتهم.
لقد كانت تلك اللحظة أكثر من مواجهة فردية؛ كانت إعلاناً بأن الإنسان قد يهزم جسدًا، لكنه يستطيع أن ينتصر أخلاقياً وإنسانياً، وأن الكرامة ليست شعاراً يرفع، بل موقفاً يدفع ثمنه غالياً.
لقد أراد تنظيم داعش أن يجعل من النساء الإيزيديات وسيلة لإرهاب مجتمع بأكمله، وأن يحطم إرادته عبر السبي والاستعباد والانتهاكات التي هزت ضمير العالم. لكنه لم يدرك أن إرادة الحرية أقوى من السلاح، وأن المرأة التي تتمسك بكرامتها تستطيع أن تهزم جلادها حتى وإن ارتقت شهيدة.
إن داي كولي ليست اسماً يخص أبناء الديانة الإيزيدية وحدهم، بل هي رمز لكل امرأة عراقية رفضت الذل، ولكل إنسان آمن بأن الكرامة لا تقايض بالحياة. فبطولتها تتجاوز حدود الانتماء الديني أو القومي، لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية العراقية، وشهادة حية على وحشية الإرهاب من جهة، وعلى عظمة الإنسان حين يتمسك بقيمه من جهة أخرى.
وليس من الإنصاف أن يختزل تاريخ النساء الإيزيديات في صورة الضحية فقط، فقد أثبتن في أحلك الظروف أنهن قادرات على الصمود والمقاومة وحماية الهوية، وأن الألم لم ينجح في كسر إرادتهن. ومن هنا فإن استذكار الشهيدات الإيزيديات هو استذكار لمعنى المقاومة الأخلاقية والإنسانية، وليس مجرد استحضار لمأساة.
وقد أدان العالم الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش بحق الإيزيديين، واعتبرت في العديد من المحافل الدولية جرائم إبادة جماعية، لما انطوت عليه من قتل جماعي واسترقاق وتهجير وتدمير للنسيج الاجتماعي. غير أن العدالة لا تكتمل بمجرد الإدانة، بل تقتضي حفظ الذاكرة، وإنصاف الضحايا، وملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم، وضمان عدم تكرارها.
ومن هذا المنطلق، فإن الوفاء لداي كولي ولجميع الشهيدات الإيزيديات لا يكون بالرثاء وحده، وإنما بتحويل سيرتهن إلى جزء من الوعي الوطني العراقي، وتعليم الأجيال أن الإرهاب لا يستهدف أفراداً فحسب، بل يستهدف قيم الإنسانية ذاتها. كما أن بناء دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون هو السبيل الحقيقي لحماية العراقيين جميعًا، بمختلف أديانهم وقومياتهم، من عودة الفكر المتطرف.
ولعل من أصدق صور الوفاء لهذه البطلة أن يقام لها تمثال في العراق، تخليداً لتضحيتها الخالدة، لتبقى سيرتها حاضرة في ذاكرة الأجيال بوصفها امرأة عراقية انتصرت للشرف والحرية والكرامة، وقدمت روحها دفاعاً عن ابنتها وعن إنسانيتها.
ستبقى داي كولي حاضرة في ذاكرة العراق بوصفها امرأة رفضت أن تنحني أمام آلة الإرهاب، وستظل شاهداً على أن المرأة الإيزيدية لم تكن أسيرة في رواية المأساة، بل كانت أيضاً بطلة في رواية المقاومة، وأن الدم الذي سُفك دفاعاً عن الشرف والحرية والإنسانية لا يضيع في ذاكرة الشعوب.
الرحمة والخلود للشهيدة داي كولي، ولجميع الشهيدات الإيزيديات اللواتي قدمن أرواحهن دفاعاً عن الكرامة والحرية. وسيظل ذكرهن وساماً على صدر العراق، ودليلاً على أن الإرهاب، مهما بلغ من وحشية، لا يستطيع أن ينتصر على إنسان اختار الكرامة طريقاً، والحرية مصيراً.

قد يعجبك ايضا