المسؤولية المجتمعية… واجب أخلاقي أم حملة علاقات عامة؟

م.م زيد محمد كاظم

تتسابق المؤسسات اليوم إلى إعلان مبادراتها المجتمعية، وتنشر صور حملات التشجير، وتوزيع السلال الغذائية، ورعاية المؤتمرات، ودعم الأنشطة الثقافية والرياضية، حتى أصبح مصطلح “المسؤولية المجتمعية” حاضرًا في معظم الخطابات الإعلامية. لكن خلف هذا الحضور يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل أصبحت المسؤولية المجتمعية جزءًا من ثقافة المؤسسة، أم أنها مجرد مادة إعلامية تُستخدم لتحسين الصورة وكسب رضا الجمهور؟
في العراق، أخذ هذا المفهوم يبرز بصورة أوضح خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد اتساع دور القطاع الخاص، وازدياد حضور الشركات النفطية وشركات الاتصالات والمصارف والجامعات الأهلية. فبات من المألوف أن تعلن مؤسسة عن حملة إنسانية، أو ترعى فعالية اجتماعية، أو تقدم دعمًا لفئة معينة. إلا أن المتابع يلاحظ أن بعض هذه المبادرات يختفي بانتهاء المناسبة، وكأن الهدف كان التقاط صورة أو إنتاج تقرير إعلامي أكثر من إحداث أثر حقيقي في المجتمع. إن المسؤولية المجتمعية ليست فكرة جديدة، لكنها تغيرت مع تطور مفهوم الإدارة الحديثة. فالمؤسسة لم تعد كيانًا اقتصاديًا يبحث عن الربح فقط، بل أصبحت مطالبة بأن تكون شريكًا في معالجة مشكلات المجتمع، وأن ترد جزءًا من نجاحها إلى البيئة التي تعمل فيها. وهذا ما أشار إليه عالم الإدارة بيتر دركر عندما أكد أن المؤسسة الناجحة لا تقاس بحجم أرباحها وحدها، بل بقدرتها على خلق قيمة للمجتمع الذي تعمل فيه. ويرى مايكل بورتر، أستاذ الإدارة في جامعة هارفارد، أن المسؤولية المجتمعية لا ينبغي أن تكون نشاطًا خيريًا منفصلًا عن عمل المؤسسة، بل جزءًا من استراتيجيتها، فيما يعرف بمفهوم “القيمة المشتركة”، أي أن تحقق المؤسسة نجاحها الاقتصادي بالتوازي مع تحقيق منفعة حقيقية للمجتمع.
وعند إسقاط هذا المفهوم على الواقع العراقي، نجد تفاوتًا واضحًا بين المؤسسات. فهناك شركات ومؤسسات جعلت من المسؤولية المجتمعية مشروعًا مستمرًا، بينما اكتفت أخرى بمبادرات موسمية مرتبطة بمناسبات معينة أو بحملات إعلامية محددة. فعلى سبيل المثال، نفذت بعض شركات الاتصالات في العراق برامج لدعم التعليم الرقمي، وتطوير المدارس، وتقديم منح تدريبية للشباب، وهي مبادرات تمتد آثارها إلى سنوات، لأنها تستثمر في الإنسان. وفي المقابل، نجد مؤسسات أخرى تكتفي برعاية مهرجان أو مؤتمر ليوم واحد، ثم تقدم ذلك على أنه إنجاز مجتمعي كبير، رغم أن أثره ينتهي بانتهاء الفعالية. كما لعبت بعض الشركات النفطية العاملة في محافظات الجنوب دورًا في إنشاء مدارس، وتأهيل مراكز صحية، وتدريب الشباب على المهارات المهنية. ورغم وجود ملاحظات على مستوى التنفيذ في بعض الحالات، فإن هذه المشاريع تمثل نموذجًا أقرب إلى المسؤولية المجتمعية الحقيقية من مجرد توزيع الهدايا أو إقامة الاحتفالات. أما الجامعات العراقية، الحكومية والأهلية، فهي الأخرى أمام اختبار حقيقي. فهل تقتصر مسؤوليتها على تخريج الطلبة، أم تمتد إلى خدمة المجتمع؟ لقد بدأت بعض الجامعات بتنظيم حملات لمحو الأمية، وقوافل طبية، وبرامج توعوية، واستشارات قانونية ونفسية مجانية، وهي خطوات تعكس فهمًا أوسع لدور الجامعة. لكن في المقابل، ما زالت جامعات أخرى تحصر مفهوم المسؤولية المجتمعية في إقامة احتفال أو مؤتمر، ثم تنشر عشرات الصور عنه، وكأن عدد الصور أهم من حجم الأثر. وفي القطاع الحكومي، يواجه مفهوم المسؤولية المجتمعية تحديًا أكبر. فالمواطن العراقي لا ينتظر من المؤسسة أن توزع الهدايا، بل أن تقدم خدمة تحترم كرامته، وأن تنجز معاملته بشفافية، وأن تحافظ على المال العام. فالالتزام بالقانون، ومحاربة الفساد، واحترام المراجع، كلها صور من المسؤولية المجتمعية، بل إنها أكثر قيمة من أي حملة إعلامية.
ومن الأمثلة التي لا تزال حاضرة في ذاكرة العراقيين، المبادرات الشعبية التي انطلقت خلال جائحة كورونا، عندما تكاتف الأطباء، وأصحاب الأعمال، والمتطوعون، لتوفير الأدوية والأجهزة والمساعدات للأسر المحتاجة. تلك المبادرات لم تكن مدفوعة بحملات دعائية، بل انطلقت من شعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، ولذلك بقي أثرها في ذاكرة الناس حتى اليوم. وتعرضت بعض المؤسسات لانتقادات واسعة عندما بالغت في الترويج لمبادرات محدودة، بينما كانت تواجه انتقادات تتعلق بجودة خدماتها أو بحقوق العاملين فيها. وهذا يكشف أن الجمهور العراقي أصبح أكثر وعيًا، ولم يعد يكتفي بالرسائل الإعلامية، بل يقارن بين ما تقوله المؤسسة وما تفعله على أرض الواقع. ولعل أبرز ما يميز المسؤولية المجتمعية الحقيقية أنها لا تبحث عن التصفيق، بل عن الأثر. فالمؤسسة التي تبني مدرسة في منطقة محرومة، أو تمول برنامجًا لتأهيل الخريجين، أو تدعم مشروعًا بيئيًا مستدامًا، تقدم خدمة تبقى نتائجها سنوات طويلة. أما المؤسسة التي تنفق معظم ميزانيتها على تصوير المبادرة والترويج لها، فإنها غالبًا تجعل الإعلام هدفًا، لا وسيلة.
وهنا يبرز دور العلاقات العامة. فوظيفتها ليست تحويل العمل الإنساني إلى مادة دعائية، وإنما نقل أثره الحقيقي إلى المجتمع، وبناء جسور من الثقة بين المؤسسة وجمهورها. فحين تصبح الكاميرا أهم من المشروع، والبيان الصحفي أهم من النتيجة، تفقد المسؤولية المجتمعية معناها، وتتحول إلى أداة لتلميع الصورة. لقد تغيرت معايير الحكم على المؤسسات. فالجمهور اليوم لا يسأل كم مؤتمرًا رعيت؟ أو كم إعلانًا نشرت؟ بل يسأل: ماذا تغير في حياة الناس بسبب وجودك؟ وهذا السؤال هو المعيار الحقيقي الذي يميز بين المؤسسة التي تؤمن بالمسؤولية المجتمعية، والمؤسسة التي تستخدمها شعارًا إعلاميًا.
المسؤولية المجتمعية ليست مناسبة موسمية، ولا بندًا في تقرير سنوي، ولا صورة تُنشر على منصة إلكترونية. إنها التزام أخلاقي يبدأ من داخل المؤسسة، ويظهر في قراراتها، وسلوكها، وخدماتها، واحترامها للمجتمع. وعندما تصبح خدمة الإنسان جزءًا من ثقافة المؤسسة، تتحول العلاقات العامة من أداة للترويج إلى جسر للثقة، وتتحول المبادرات من أخبار عابرة إلى أثر يبقى في ذاكرة الناس.

قد يعجبك ايضا