فرنسا تطلق “سبينوزا” لإعادة تشكيل العمل الصحفي بالذكاء الاصطناعي المسؤول

 

التأخي / ساجد الحلفي

كشفت كبرى وسائل الإعلام الفرنسية بالتعاون مع منظمة “مراسلون بلا حدود” عن أداة ذكاء اصطناعي ثورية مخصصة بالكامل للصحفيين تحمل اسم “سبينوزا”، في خطوة تهدف إلى إعادة رسم معالم العمل التحريري وضمان الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة داخل غرف الأخبار الفرنسية .

يأتي إطلاق أداة “سبينوزا” بمشاركة أكثر من 120 وسيلة إعلامية تمثل 12 مجموعة صحفية كبرى في فرنسا، مثل “لوموند” و”ليبراسيونو”سود أويست” وغيرها من المؤسسات البارزة. ويرتكز هذا المشروع التكنولوجي على فلسفة واضحة تتمثل في مساعدة الصحفيين وليس استبدالهم .

وفي الوقت الذي تكتسح فيه الخوارزميات التجارية صناعة النشر، تحرك المشهد الإعلامي الفرنسي لوضع حد فاصل بين الأتمتةالعشوائية والعمل الصحفي الرصين، مشدداً على أن العنصر البشري يجب أن يظل منخرطاً ومتحكماً بالكامل في العملية التحريرية .

ويؤكد التقرير الذي صدر عن المشروع بعنوان “سبينوزا.إيه.آي: تعزيز الصحافة بالابتكار والأخلاقيات” أن الذكاء الاصطناعي يمكنه حقاً أن يثري الصحافة، شريطة مشاركة الصحفيين في العملية ومشاركة التقدم التكنولوجي عبر غرف الأخبار .

 

 

ويركز النموذج الأولي للأداة على معالجة قضايا المناخ عبر نظام بحث وتوليف متطور يعتمد على ركائز تعزز كفاءة الصحفيين وموثوقية معلوماتهم. وتتيح هذه الأداة توفير الوقت في المهام الروتينية والمجهدة، وتلخيص دقيق للملفات والوثائق الطويلة والمقالات المعقدة، بالإضافة إلى نسخ فوري وموثوق لنصوص المقابلات التحريرية، وترجمة احترافية سريعة للوثائق والمصادر الدولية .

وتعتمد أداة “سبينوزا” على قواعد بيانات موثوقة تشمل تقارير علمية من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ومنصة التنوع البيولوجي، ونصوص قانونية، وتقارير هيئات عامة فرنسية، بالإضافة إلى أكثر من 28 ألف مقال صحفي نشرته الصحافة الفرنسية منذ عام 2022، مع التركيز في البداية على حوالي 12 ألف مقال. ويضمن النظام تتبع المصادر وشفافيتها بشكل كامل، مما يسمح للصحفيين بالتحقق والتوسع في المعلومات .

وتُمثل هذه المبادرة محاولة جادة لإنشاء سيادة إعلامية رقمية في مواجهة هيمنة عمالقة التكنولوجيا الأميركيين مثل غوغل وأوبن إيه آي. فالصحافة الفرنسية تعيش قلقاً متزايداً من أدوات التلخيص الذكي التي تعرض الإجابات مباشرة للمستخدمين وتؤثر على زيارات المواقع الأصلية .

ومن هنا يوفر مشروع “سبينوزا” بيئة رقمية مغلقة وموثوقة تحمي أرشيف الصحف، وتمنع استخدام بيانات الصحفيين لتطوير خوارزميات تجارية خارجية دون إذن. وأكدت منظمة “مراسلون بلا حدود” أن المشروع يميز نفسه جذرياً عن نهج مزودي الذكاء الاصطناعي التجاريين من خلال احترام رغبة الناشرين في مشاركة بياناتهم أو سحبها .

ولا تتوقف الجهود الفرنسية عند هذا الحد؛ إذ أطلقت وكالة الأنباء الفرنسية مشروعا موازيا يحمل اسم “ميديا جين” (MediaGen) بدعم مالي حكومي يبلغ 4 ملايين يورو ضمن خطة فرنسا 2030. ويهدف هذا المشروع إلى تطوير أدوات لرصد الأخبار في الوقت الفعلي والبحث متعدد الوسائط (نصوص، صور، وفيديو) في الأرشيف، بالإضافة إلى المساعدة على إنتاج المحتوى وكشف التحيزات .

وقال فابريس فريس، الرئيس التنفيذي لوكالة فرانس برس، “ميديا جين هو أحد المشاريع القليلة ضمن فرنسا 2030 المخصصة للإعلام. يجب أن يثبت أن الابتكار في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون في خدمة معلومات موثوقة ومسؤولة ومستقلة ” .

وتؤكد هذه الديناميكية أن قطاع الإعلام في فرنسا اختار استباق التحديات بدلاً من اتخاذ موقف دفاعي، عبر ابتكار أدوات تدعم دقة الخبر وتكافح التضليل، مع الحفاظ على القيم الجوهرية للصحافة. ومن المتوقع أن يصبح كود “سبينوزا” مفتوح المصدر قريبا، مما يتيح للصحفيين حول العالم تكييفه حسب احتياجاتهم

قد يعجبك ايضا