احمد زبير باني
ليس أصعب على رجل الدولة من أن يقف في منتصف العاصفة، حيث لا تكون الرياح من جهة واحدة، ولا تأتي الأخطار من باب واحد. هناك، حيث تتشابك المصالح، وتتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، وتتحول السياسة إلى حقل ألغام لا إلى ميدان خطابة، يولد نوع نادر من القادة؛ قادة لا تُقاس عظمتهم بعدد الخطب التي ألقوها، بل بعدد الانهيارات التي حالوا دون وقوعها، وبعدد الجسور التي شيدوها فوق أنهار الخلاف.
في الشرق الأوسط، لا تُدار السياسة بالحسابات وحدها، بل تُكتب بالحبر حينًا، وبالدم أحيانًا، وبالصبر في معظم الأحيان. وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز اسم نيجيرفان البارزاني رئيس اقليم كوردستان بوصفه رجلًا اختار أن يجعل من التوازن فلسفةً للحكم، لا مجرد تكتيك للمناورة.
لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، بل بالأزمات المتلاحقة؛ صراعات داخلية، وضغوط إقليمية، ومصالح دولية متنافرة، واقتصاد يتأرجح بين الطموح والتحديات، وشعب يتطلع إلى مستقبل أكثر استقرارًا. ومع ذلك، ظل يمضي بخطوات محسوبة، كمن يسير فوق حبل مشدود بين قمّتين شاهقتين، مدركًا أن ميلًا صغيرًا نحو أحد الطرفين قد يعني سقوطًا مدويًا.
إن بعض السياسيين يصنعون الأحداث، وبعضهم تصنعهم الأحداث، لكن القليل فقط هم الذين يصنعون التوازن وسط الأحداث. هؤلاء لا يرفعون أصواتهم كثيرًا، لأنهم يعرفون أن الضجيج لا يبني الدول، وأن الحكمة كثيرًا ما تتحدث بصوت منخفض، بينما تصنع أثرًا عميقًا.
ولعل السر الأكبر في تجربة نيجيرفان البارزاني أنه لم يتعامل مع السياسة بوصفها صراعًا دائمًا، بل باعتبارها فنًا لإدارة التناقضات. ففي عالم ينقسم بسرعة إلى معسكرات متقابلة، اختار أن يبقى مساحةً للحوار، وجسرًا بين المختلفين، ومفتاحًا لأبواب كانت تبدو موصدة.
فهو يدرك أن الجغرافيا ليست قدرًا جامدًا، بل مسؤولية ثقيلة؛ وأن إقليم كوردستان ليس جزيرة معزولة عن محيطه، بل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح بغداد، وأنقرة، وطهران، والعواصم العربية، والقوى الدولية. ومن هنا، لم يكن نجاحه في كسب طرف على حساب آخر، بل في منع خسارة الجميع.
إن القيادة الحقيقية لا تُختبر في أيام الهدوء، وإنما في مواسم العواصف. وعندما تضطرب الموازين، يصبح القائد إما وقودًا للأزمة، أو ميزانًا يعيد إليها اتزانها. وفي هذا الامتحان الطويل، سعى نيجيرفان البارزاني إلى أن يكون الميزان، لا الكفة.
ولذلك، فإن الحديث عنه ليس حديثًا عن شخص فحسب، بل عن مدرسة في إدارة الممكن داخل فضاء يبدو فيه المستحيل هو القاعدة. مدرسة تؤمن بأن الحوار ليس ضعفًا، وأن المرونة ليست تنازلًا، وأن الثبات على المبادئ لا يتناقض مع الانفتاح على الآخرين.
قد يختلف الناس في تقييم السياسات، كما يختلفون في قراءة الوقائع، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: أن التاريخ لا يخلّد من أشعل الحرائق، بل من امتلك القدرة على إخمادها؛ ولا يتذكر من رفع الشعارات، بل من حافظ على استقرار الأوطان عندما كانت الأرض تميد تحت أقدام الجميع.
وهكذا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان نيجيرفان البارزاني رجل مرحلة عابرة، أم نموذجًا لقيادة أدركت أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُحقق في ساحات الصدام، بل تلك التي تُنجز على موائد الحوار، حيث تنتصر الحكمة على الانفعال، والعقل على الضجيج، والمستقبل على رهانات اللحظة؟