هل ينتصر منطق الدولة على صراع القوى في العراق؟

شيركو حبيب

يقف العراق أمام مرحلة سياسية مفصلية تتطلب من قواه المختلفة مراجعة طريقة إدارة الدولة ومستقبل النظام السياسي.
فبعد سنوات طويلة من التحولات والأزمات، لم يعد التحدي الأساسي يتمثل فقط في تشكيل الحكومات أو توزيع المناصب، بل في القدرة على بناء دولة تمتلك قرارًا واضحًا، ومؤسسات قوية، وقادرة على خدمة جميع المواطنين بعيدًا عن منطق المصالح الضيقة.
منذ العام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة قائمة على التعددية السياسية والشراكة بين المكونات، وهو تحول أنهى عقودًا من الحكم المركزي، لكنه في الوقت نفسه أنتج تحديات كبيرة، من أبرزها ضعف التوافق حول شكل الدولة، وتعدد مراكز القرار، وتحول المنافسة السياسية في كثير من الأحيان من صراع برامج ورؤى إلى تنافس على النفوذ والمواقع.
 
العراق وسيادة القانون
 
واليوم؛ يواجه العراق اختبارًا مهمًا يتعلق بمفهوم الدولة وسيادة القانون، ولا سيما في ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية. فخلال المرحلة المقبلة، ستكون قدرة الحكومة على تعزيز سلطة الدولة وإخضاع جميع القوى المسلحة للقانون والدستور اختبارًا حقيقيًا لمدى قوة مؤسساتها.
غير أن هذا الملف لا يخلو من تعقيدات سياسية وأمنية، خصوصًا في ظل ارتباط بعض الفصائل المسلحة بتوازنات إقليمية تجعل معالجته تحتاج إلى حوار سياسي داخلي، ورؤية تدريجية تحفظ استقرار البلاد.
 
الأزمة المالية
 
وفي الجانب الاقتصادي، فإن الأزمات المالية التي يمر بها العراق لا تعود إلى غياب الإمكانات، فالعراق يمتلك ثروات طبيعية كبيرة، وموقعًا استراتيجيًا، وطاقات بشرية واسعة.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في طريقة إدارة هذه الموارد، وفي الحاجة إلى استقرار سياسي ومؤسسات أكثر كفاءة قادرة على تحويل الثروات إلى مشاريع تنمية حقيقية تخدم المواطن.
 
بغداد وأربيل
 
ويبقى ملف العلاقة بين بغداد وأربيل من أكثر الملفات تأثيرًا في مستقبل الدولة العراقية. فالتفاهم بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان حول القضايا الدستورية والاقتصادية والأمنية يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح التجربة الاتحادية.
إن الشراكة الحقيقية بين الطرفين يمكن أن تكون نموذجًا لإدارة التنوع العراقي، بينما استمرار الخلافات قد يضعف قدرة البلاد على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
 
الشرق الأوسط
 
كما لا يمكن فصل الوضع العراقي عن البيئة الإقليمية المحيطة به. فموقع العراق يجعله حاضرًا في حسابات دول عديدة، الأمر الذي يفرض على بغداد بناء سياسة خارجية متوازنة تحافظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف، وفي الوقت نفسه تحمي استقلال القرار الوطني وتمنع تحول العراق إلى ساحة صراع للآخرين.
إن السؤال الأساسي الذي يواجه العراق اليوم ليس فقط: من يحكم؟ بل كيف تُحكم الدولة؟ فالتنوع السياسي والاجتماعي الذي يميز العراق يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تمت إدارته ضمن إطار مؤسساتي، لكنه قد يتحول إلى عامل ضعف إذا بقي أسير الصراعات والتجاذبات.
 
مشروع وطني
 
العراق لا يحتاج فقط إلى حكومات تتشكل، بل إلى مشروع دولة يقوم على سيادة القانون، واحترام الدستور، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالمرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا للقيادات السياسية: هل تستطيع تجاوز إدارة الأزمات والانتقال إلى بناء دولة مستقرة؟
إن مستقبل العراق لن تحدده الانتخابات أو الاتفاقات السياسية وحدها، بل قدرة القوى الفاعلة على وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية، وتحويل التعدد إلى شراكة حقيقية. وبين استمرار منطق الصراع أو انتصار منطق الدولة، يبقى الخيار بيد العراقيين وقياداتهم السياسية في تحديد شكل العراق خلال السنوات القادمة.

قد يعجبك ايضا