التأخي / علاء الفريجي
تخوض الدولة المصرية “معركة وعي كبرى” لاستعادة وقيادة قوتها الناعمة في المنطقة العربية، وهو ما تجسد بوضوح في الاجتماع الإستراتيجي الذي عقده الرئيس عبدالفتاح السيسي في مدينة العلمين. لم يكن الاجتماع مجرد متابعة روتينية لأداء الهيئات الحكومية بل عكس رؤية رئاسية حاسمة تضع أمن الهوية وصون الذاكرة الوطنية في مقدمة أولويات الأمن القومي ومشاريع الجمهورية الجديدة .
وماسبيرو الذي افتتح عام 1960 كمقر للإذاعة والتلفزيون المصري يمثل أحد أكبر الأرشيفات الإعلامية في العالم العربي. ويحتوي على ما يقرب من مليون شريط صوتي ومرئي بإجمالي نحو 800 ألف ساعة من المحتوى الإعلامي والفني والسياسي والثقافي الذي يوثق تاريخ مصر الحديث عبر عقود .
هذه المواد محفوظة على وسائط تقليدية معرضة للتلف بفعل الزمن مما يجعل الرقمنة ضرورة ملحة. وقد بدأت جهود الرقمنة بشكل مبكر في عهود سابقة لكنها لم تكتمل بسبب التحديات التقنية والمالية والضخامة الهائلة للأرشيف .
وفي أبريل الماضي أكد أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بدء تنفيذ خطة شاملة لتحويل الأرشيف إلى صيغ رقمية حديثة، تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية بهدف حفظ الذاكرة الوطنية وإتاحتها للأجيال بشكل عصري وآمن .
ويعتمد المشروع على حصر وتوثيق المواد وإنشاء قواعد بيانات رقمية منظمة ومفهرسة مع تحويل التسجيلات القديمة إلى صيغ رقمية عالية الجودة باستخدام أحدث التقنيات. كما يشمل توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي للفهرسة والاسترجاع والتأمين ضد التلف أو الاختراق بالتعاون بين الهيئة الوطنية للإعلام ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وإدارات الإشارة ونظم المعلومات بالقوات المسلحة، إلى جانب شركات تكنولوجيا عالمية .
ولا يقتصر المشروع على الحفظ السلبي بل يمتد إلى الإستراتيجيةالرقمية أولاً من خلال تطوير منصة ماسبيرو الرقمية لإعادة إنتاج وإتاحة المحتوى للشباب بلغة عصرية وحفظ تراث قراء ومبتهلي إذاعة القرآن الكريم منذ تأسيسها عام 1964، بالإضافة إلى تحديث أستوديوهات ماسبيرو والبنية التحتية ونشر المحتوى عبر منصات البث الرقمي .
وفي الاجتماع الأخير وجه الرئيس السيسي بعرض حجم الإنجاز المحقق على الرأي العام ليشارك المواطن في معركة الحفاظ على هويته. وأكد أهمية أن يجمع تطوير ماسبيرو بين تحديث البنية التحتية وتوسيع المحتوى ورقمنة التراث مع تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة لمواكبة التطورات العالمية .
وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية السفير محمد الشناوي أن المشروع يحمي أحد أهم الأصول الثقافية للدولة ويحوله إلى وسائط رقمية حديثة تخدم الأغراض الثقافية والتعليمية والإعلامية .
تُعد القوة الناعمة المصرية إحدى أبرز أدوات التأثير الإقليمي والدولي لمصر عبر التاريخ، مستندة إلى ثراء تراثها الثقافي والفني والإعلامي الذي شكل وعي الأجيال العربية لعقود طويلة. منذ عصر التلفزيون المصري الذهبي في الستينات والسبعينات، أصبحت الدراما والأغاني والبرامج المصرية نافذة على الثقافة العربية، حيث نقلت قيم التسامح والفكاهة والإبداع إلى ملايين المشاهدين، مما جعل مصر مركزا إشعاعيا ثقافيا يفوق في تأثيره الكثير من أدوات القوة الصلبة .
وفي عصر الرقمنة تواجه القوة الناعمة المصرية تحديات جديدة تتمثل في المنافسة الشديدة من المنصات الرقمية العالمية والإقليمية، إلا أن مشروع أرشفة ورقمنة تراث ماسبيرو يمثل نقلة نوعية في استعادة هذه القوة .
وفي مواجهة هذه المنافسة يمثل مشروع رقمنة ماسبيرو خطوة مصرية نوعية لاستعادة الريادة. فالأرشيف المصري الضخم يحتوي على تراث أصيل يعكس عمق الهوية العربية والإسلامية المعتدلة، وقدرته على المنافسة ليست فقط في الكم بل في الجودة والمصداقية التاريخية. ومن خلال المنصة الرقمية الجديدة والذكاء الاصطناعي، تستطيع مصر إعادة تقديم هذا التراث بطريقة تجذب الشباب العربي وتعيد للدراما والإعلام المصرييْن مكانتهما المميزة كصوت متوازن ومؤثر في زمن المنافسة الرقمية الشرسة .