الباحثة والكاتبة المصرية سهير عبدالحميد: تاريخ الأمم ملك لكل الأجيال، لا يحق لأحد ارتكاب عملية تزوير في جزء من اجزائه
حوار عطا درغام
— سهير عبد الحميد
حين تخوض الصحفية والباحثة البارزة سهير عبد الحميد غمار التاريخ، فإنها لا تكتفي بتصفح الصفحات الصفراء المبرمجة مسبقًا، بل تحمل معول المنقب العارف لتزيح ركام السنوات عن حكايات سقطت عمدًا أو سهوًا من الذاكرة الرسمية للوطن. من كواليس الصحافة المكتوبة بعمق إلى دروب القصور المنسية وأروقة المحاكم التي شهدت واحدة من أشرس معارك “الكرامة الفكرية” دفاعًا عن سيرة “قوت القلوب الدمرداشية”، تأخذنا الكسِبة في رحلة مكاشفة لا تساوم على الحقيقة ولا تهادن القوالب الجاهزة.
في هذا الحوار الشامل، تفتح سهير عبد الحميد قلبها وعقلها لتروي كواليس معركتها القضائية والتاريخية التاريخية التي انتهت بإنصاف حقوقها وحماية وجدان الإبداع المصري، متحدثة عن شجاعة النبش في المسكوت عنه، وحدود الحياد بين وثيقة التاريخ ودراما الحكاية، ورؤيتها لمستقبل الصحافة والثقافة في مواجهة التريند السطحي. حوار عن حق الأمة في تاريخها الكامل، وعن الكاتبة التي أبت إلا أن تعيد الحق لأصحابه ولو بعد ركام من الإهمال والظلم.
– بدأت من كواليس الصحافة والتحقيقات ، ما “اللحظة الفارقة ” أو الإشارة التي جعلت سهير عبد الحميد تترك الحاضر وتنبش في دفاتر الماضي ؟
دعنا نتفق أولا أنه لا انفصام بين الماضي والحاضر، فالثاني نتاج مخاض الأول ، والتاريخ حلقات متواصلة لا انفصام بينها، ويمكنني القول إني قررت نبش دفاتر الماضي كي أصبح أكثر وعيًا بالحاضر وفهمًا له . أما عن “اللحظة الفارقة ” فكانت عندما اكتشفت أن محمد نجيب هو أول رئيس لجمهورية مصر ، وليس كما لقنت عبر منهج التاريخ الدراسي- كسائر أقراني- أنه الرئيس جمال عبد الناصر . وبمجرد أن قرأت أكثر عن نجيب وما حدث له وعملية تغييب الوعي الجمعي التي تعرضنا لها بإنكار وجود الرجل وكأنما لن يكتشف أحدنا الحقيقة يومًا ما وهو استخفاف فادح بعقولنا ، هنا فقدت كل كتب التاريخ المدرسية مصداقيتها لدي وبسرعة بدأت أبحث عن البديل وأنا أتساءل : وماذا أيضًا تم تزويره من التاريخ ؟ وماذا تم حجبه؟ و بعد أن تصديت لإعداد ملف صحفي عن محمد نجيب التقيت فيه سكرتيره الخاص وعددًا من أفراد أسرته والسيدة علية توفيق زوجة البكباشي يوسف صديق، وآخرين ، تدافعت إلى رأسي الأسئلة : من يكتب التاريخ ، وكيف؟! من صاحب الحق في الحذف أو الإضافة من وإلى سجلات التاريخ ؟ بل من يملك التاريخ ؟! وانتهيت إلى أن تاريخ أمة ما هو ملك لكل الأجيال فيها لا يحق لأحد ارتكاب عملية تزوير في جزء من أجزائه على طريقة حجب صورة الملك فاروق في الأفلام الأبيض والأسود بعد 23 يوليو ، وهو سلوك ساذج ينبىء عن طريقة تفكير غير ناضجة ، فلا أحد بإمكانه طمس الحقائق إلى ما لانهاية . أو كما أراد أحدهم إسكات صوت أم كلثوم لأنه ينتمي إلى العهد البائد أو كتغيير الأسماء على لافتات الشوارع ظنًا في اندثارها بينما يصر الوعي الشعبي على بعض القديم منها باعتبارها جزءا من ذاكرته بلا أية اعتبارات سياسية ، ليبقى شارع فؤاد وليس 26 يوليو .
لماذا يستهويك بالذات التاريخ الهامشي أو الشخصيات التي سقطت عمدًا أو سهوًا من كتب التاريخ الرسمية ؟
لأننا بدون تلك الشخصيات أو الأجزاء المفقودة من التاريخ لن نكون أمام توثيق تاريخي صادق وموضوعي ، فسقوطها عمدًا تزوير صريح للتاريخ ، وتجاهلها سهوًا أو نتيجة الكسل البحثي هو قصور غير مقبول والناتج تاريخ منقوص . وعلى المستوى الذاتي تمثل لي تلك الزوايا المنسية في التاريخ تحديًا يثير شغفي تمامًا كمكتشف الآثار الذي يغريه النبش في الرمال حتى يجد نفسه وجهًا لوجه أمام حفرية من حفريات الزمن الغابر . حالة من النشوة تتملكني وأنا أبحث وأكتشف ، وقد عشت هذه الحالة تحديدًا مع ” ناحوم أفندي ” الحاخام الأخير ليهود مصر الذي تولى منصبه في عهد الملك فؤاد وظل به حتى توفي في عهد الرئيس عبد الناصر . كان الرجل بالنسبة لي شخصية غامضة قرأت عنه سطرين هنا وسطرين هناك . وكان علي بعدها أن أبدأ رحلة بحث لا يستهان بها لأضع مرجعًا متكاملا عن الرجل وموقفه من الصهيونية وطريقة إدارته للطائفة اليهودية المصرية وعلاقته بالدولة .إن تلك الشخصيات المنسية منطقة بكر بالنسبة لي كباحث تمامًا كما تمثل المناطق غير المكتشفة بالنسبة للرحالة والمستكشفين.

هل الكتابة التاريخية بالنسبة لك هى محاولة لإعادة محاكمة الماضي أم تقديم عزاء لضحايا تم تشويههم ؟
هى محاولة إنصاف وإعادة قراءة بدون أي اعتبارات سياسية أو فكرية وأنا تحديدًا ليس لي أي انتماءات سياسية أو حزبية ولست عضوًا في أي جماعة ثقافية لأحافظ على استقلاليتي الفكرية ، فأكتب التاريخ بتجرد دون إهمال أي معلومة ودون أية مواقف مسبقة ، وأحاول إعادة الاعتبار إلى أناس لم يجدوا من يتولى الدفاع عنهم وإنصافهم ، وهذا ما استشعرته تحديدًا مع شخصية قوت القلوب الدمرداشية وأيضًا حين تناولت سيرة أمراء وأميرات أسرة محمد علي فجميعهم شوهتهم السياسة وظلوا في منطقة محظورة على المؤرخين حتى نسيهم الجميع رغم ما كان لهؤلاء من منجزات اجتماعية وثقافية وعلمية واقتصادية . فخلت منهم سجلات التاريخ عمدًا ثم سهوًا.
كيف توفقين بين ذاتية الكاتب الروائي وحيادية الباحث الصحفي الصارم عند التعامل مع وثيقة تاريخية ؟
الوثيقة لها قدسيتها ولا يجب انتهاك تلك القدسية بأي شكل من الأشكال وقراءتها لابد أن تكون موضوعية لاستخراج الدلائل منها بما يشكل فارقًا معلوماتيًا وربما جغرافيًا وسياسيًا. ويكفي الإشارة إلى أن حرب استعادة طابا كانت في شق منها حرب وثائقي قادها بجدارة قادها د. يونان لبيب رزق منها خرائط اتفاقية الحدود 1906 ومراسلات الجنود البريطانيين التي عثر عليها في الأرشيف البريطاني تضمنت رسائل بين الجنود وذويهم في ليلة الميلاد عام 1906 وهو يحدثونهم عن خدمتهم على الحدود المصرية في منطقة طابا . بالتالي لا مساس بحيادية التعامل مع الوثيقة لأنها تثبت تاريخًا وقد تنفي آخر ، وبصفة عامة لابد أن يتجرد الكاتب من ذاتيته عند تناول الأحداث التاريخية وهو ما لا يتعارض مع تفسيرها وتحليلها ولكن وفق رؤى ودلائل منطقية بعيدًا عن الهوى.
في كتاب ” اغتيال قوت القلوب الدمرداشية ” ما الذي جذبك لشخصية “قوت القلوب ” تحديدًا لتكون محورًا لأهم معاركك البحثية والقضائية ؟
قوت القلوب الدمرداشية شخصية مثالية اجتمعت فيها كل جوانب الجذب بالنسبة لي كباحثة ومؤرخة ؛ فهى أولا شخصية ذات أبعاد عديدة اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا ، وثانيا هى شخصية اختلف عليها واتفق كل من عرفها واقترب منها . ثالثا هى شخصية درامية بامتياز مليئة بالتناقضات التي تغري أي باحث للاقتراب منها ليجد نفسه أمام حياة ثرية بالتفاصيل متشابكة العلاقات ، رابعًا أنه ينطبق عليها منهجي البحثي؛ فحياتها تاريخ تم طمسه عمدًا ومع سبق الإصرار والترصد بأوامر سياسية فقد صودرت أموالها بأمر عبد الناصر بسبب العلاقة التي ربطت بين قوت القلوب والكاتب الصحفي أحمد أبو الفتح الذي انتقل من خانة المؤيد لعبد الناصر إلى خانة المعارض ثم خانة العدو بعد أحداث مارس 1954 ، فدفع الثمن ودفعته قوت القلوب التي هدم عبد اللطيف بغدادي قصرها المنيف في ميدان التحرير في ثلاثة أيام رغم أهميته المعمارية والتراثية وقد كان في الأصل قصر قطاوي باشا رئيس الطائفة اليهودية في مصر قبل أن يشتريه والدها عبد الرحيم باشا الدمرداش ويقدمه لها هدية زواجها . كما أن إنتاجها الروائي المتميز الذي امتدحه د. طه حسين ونعلم كم كان ناقدًا موضوعيًا توارى تمامًا ليس لأنه فقط كتب بالفرنسية ولكن لأن صاحبته كتب عليها أن تصبح نسيًا منسيًا حتى حين توفيت رفض عبد الناصر أن تدفن في مصر في المقبرة التي أعدها والدها عبد الرحيم باشا الدمرداش داخل حرم مستشفى الدمرداش وكان ذلك من شروط الوقفية التي خصصها لبناء المستشفى الخيري فخالف عبد الناصر شرط الوقف وبقي جثمان الست قوت غريبًا منفيًا في إيطاليا .فقد اغتيلت معنويًا وماديًا وهوالعنوان الذي اخترته للكتاب تلخيصًا لمأساتها.
– كتاباك ” نحوم أفندي” و”يهود الظاهر ” ، يقتحمان ملفًا شائكًا ..كيف نجحت في الفصل بين البعدين الإنساني والتراثي ليهود مصر وبين التعقيدات السياسية المحيطة بالملف ؟
حين أتصدى للبحث والكتابة لا أضع أمام ناظري إلا الموضوعية في الطرح والتحليل وهو ما يتطلب ألا أنجرف وراء أية مشاعر خاصة أو صور ذهنية مسبقة ، خصوصًا وأن الوجدان الشعبي المصري يحتفظ بصورة سلبية لليهود ظهرت في النكات والأمثال والأدب والدراما ، ومن هنا بدأت بالتفرقة بين الصهيونية واليهودية فتلك هى النقطة الأولى التي انطلق منها الطرح . اليهود المصريون حقيقة وواقع كان موجودًا في المجتمع المصري ولم يكونوا جميعهم مع الصهيونية فهذا ظلم بين ، ولا يتعارض ذلك مع موقفي المؤيد للقضية الفلسطينية والمعارض للصهيونية بل على العكس تمامًا . لكن أزمة الشرق الأوسط التي مازالت تؤرقنا علينا كي نحسن فهمها العودة إلى جذور القضية كيف تغلغلت الصهيونية في المجتمع المصري وكيف أنهت حالة الود بين اليهود وغيرهم من المسلمين والمسيحيين في مصر ، كيف ساعد المفكرون والمثقفون بعدم وعيهم في انتشار الصهيونية ، وما الأخطاء السياسية التي ارتكبت والإصرار على ترحيل اليهود من مصر رغم عدم ثبوت تورطهم في أية أعمال ضد مصر . والمعلوم تاريخيًا أن هناك يهود كانوا ضد الصهيونية منهم شحاتة هارون ، ولذلك اخترت السيدة ماجدة هارون ابنته ورئيسة الطائفة اليهودية حاليًا لكتابة مقدمة “ناحوم أفندي” . بل إننا كي نفهمطبيعة التحولات التي جرت في المجتمع المصري علينا دراسة تاريخ اليهود المصريين تمامًا كما ندرس تاريخ الأرمن المصريين والوجود اليوناني والإيطالي في مصر مع فارق مهم هووجود عائلات يهودية في مصر منذ قرون فقد كانوا مواطنين وليسوا أبناء جاليات

– في “سلسال الباشا ” و” بكوات وباشوات” ، هل كنت تهدفين لرد الاعتبار للأسرة العلوية أم لتقديم قراءة سوسيولوجية لطبقة اختفت ؟
كنت أستهدف توثيق الحقائق بلا رتوش وبلا أي اعتبارت ثم أترك للقارىء الحرية في اتخاذ القرار وتكوين الرأي ، بدليل أنني قدمت تاريخ الصالح والطالح من أمراء الأسرة العلوية لأبين أن التاريخ ليس هو ما وقر في أذهاننا على طريقة فيلم “الأيدي الناعمة” و”رد قلبي” ، وأن لغة التعميم على طبقة بأكملها خطأ جسيم . فقد كان من بين أولئك الأمراء الوطني الذي يدافع عن استقلال مصر مثل الأمير كمال الدين حسين و الأمير عمر طوسون الذي سبق سعد زغلول في الدعوة إلى تشكيل وفد مصري ليمثل القضية الوطنية أمام مؤتمر الصلح في باريس والذي كان أيضا أول من انتشل الآثار الغارقة من خليج أبي قير . وهناك الأميرة عين الحياة التي أسست ” مبرة محمد علي ” والتي اهتمت بصحة المصريين عبر سنوات كثيرة في القاهرة ومختلف المحافظات وقد اشترطت عين الحياة أن تتولى إدارة المبرة أميرات الأسرة العلوية حفاظًا على مستوى الرعاية الصحية المقدمة فيها .وهناك النبيل عباس حليم الذي فقد لقبه وحريته لدفاعه عن حقوق العمال
في حين أنني في ” بكوات وباشوات ” أردت إثبات أن حملة الألقاب لم يكونوا الطبقة المتجبرة الفاسدة الإقطاعية وهى الصورة التي صدرها لنا نظام يوليو ليبرر قفزه على السلطة وتقييده للحريات والحياة السياسية وقرارات التأميم المجحفة التي طالت جميع الأغنياء دون تمييز ، كما أن سيرة بعض حملة الألقاب تصحح كثير من المفاهيم الخاطئة حول الظروف الاجتماعية والسياسية في مصر قبل 23 يوليو ، فعلي باشا إبراهيم وزير الصحة كانت والدته قابلة وهو ما ينفي فكرة الطبقية في المجتمع وكانت فرص الترقي متاحة أمام الجميع مثل نجيب باشا محفوظ مؤسس طب أمراض النساء والتوليد في مصر . كما أن هذا الكتاب يشهد بالنهضة الفكرية والثقافية للمصريين في العصر الحديث ، فلدينا مصطفى منير بك أدهم محقق التراث الذي قام بتسمية شوارع مصر ووضع نظرية لكيفية بناء الهرم الأكبر أثبتتها الاكتشافات الأثرية حديثًا ولدينا محمود باشا الفلكي الذي توصل إلى العلاقة بين هرم خوف ونجم الشعرى وأول من اكتشف آثار الإسكندرية القديمة ووضع خريطة للقطر المصري تعد مرجعا مهما في العالم
– كتاب “قصور مصر ” يزاوج بين الحجر والبشر ، كيف ينطق الحجر والتفاصيل المعمارية في منهج سهير عبد الحميد لتكشف لنا مسكوتًا عنه في السياسة ؟
دائما ما أقول إن حجرًا أضاء لنا الطريق نحو اكتشاف حضارة مصر القديمة ألا وهو حجر رشيد ، الحجر أكد لنا عظمة الحضارة العربية في الأندلس وبهائها وازدهارها ، الحجر كشف لنا الإعجاز الفلكي الذي حققه المصري القديم من خلال توافق بناء الهرم الأكبر مع النجوم في السماء . كذلك القصور فهى مبان نقرأ منها الكثير عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في زمانها ، بل والذوق العام في العمارة وتطوره . ففي فترة محمد علي بدأ التغير من الانمط المعماري الإسلامي إلى النمط العثماني ولم تتوجه العمارة إلى النمط الأوروبي إلا في عصر الخديو إسماعيل . وكثرة قصور الأجانب في مصر من منتصف القرن ال19 وحتى مطلع القرن ال20 تكشف لنا مقدار النفوذ الذي حظوا به منذ عهد إسماعيل تحديدًا ، خصوصًا اليونانيون الذين قال عنهم كرومر ” كلما حركت حجرًا في مصر وجدت أسفله يونانيًا ” . كما تبين قصور اليهود في مصر كذب ادعاءات الصهيونية ، وتكشف قصور المماليك الباقية مثل قصر الأمير طاز عن نفوذ المماليك وقوة مركزهم الاقتصادي والسياسي واهتمامهم بالعمارة كي تبين تلك المكانة . النقوش والزخارف والرسوم والعمارة الأوروبية المسيطرة على القصور في النصف الأولمن القرن العشرين تبين حجم الوجود الإيطالي والبلجيكي تحديدًا في تلك المجالات.
– لو طلب منك اختيار شخصية واحدة من كتبك الثمانية لتصويرها في عمل درامي من تختارين ولماذا ؟
قوت القلوب الدمرداشية قطعًا ؛ فحياتها مادة مثالية بما فيها من تحولات دراماتيكية وأحداث عديدة متشابكة وشبكة العلاقات التي ربطتها بمفكرين وسياسيين ورجال أعمال ونشأتها المتأرجحة بين زهد المتصوفة ورخاء الأرستقراطية ، وميولها المحافظة وحضورها حفلات الأوبرا والكوميدي فرانسيز ، وأفكارها حول تحرير المرأة وانفتاحها على الثقافة الفرنسية وعلى الرغم من ذلك كانت تحضر كل الحفلات العامة بحجاب يخفي وجهها . هذا بخلاف حياتها الشخصية المليئة بالأحداث الأشبه بالأعاصير من زواج وطلاق في المحاكم وعلاقتها بأبنائها التي شابتها الأقاويل وأخيرًا النهاية المأساوية لرحيلها.
– تعتمدين على ثنائية وثيقة التحقيق والجرأة في الطرح ، ما أصعب عقبة واجهتك للحصول على وثيقة نادرة أو شهادة حية ؟
أثناء إعدادي كتاب ” ناحوم أفندي” كان الحصول على وثائق تخص الطائفة اليهودية في مصر خلال القرن الماضي مسألة في غاية الصعوبة ، ولم أكن أريد الاستعانة بالكتابات السابقة كمصادر لأنها تشابهت في المعلومات كما أنها خلت من كثير من العلومات التي كنت في حاجة إليها ، ومنها ما يخص الأحوال الداخلية للطائفة اليهودية والتعاملات الخاصة للحاخام ناحوم أفندي مع الحكومة المصرية وعلاقاته المختلفة في المجتمع المصري . وما أسعفني هو الوصول إلى الصحف اليهودية المصرية التي صدرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي ، فقد حوت كل ما يمكن عن الطائفة وطقوسها وأعيادها ومشاكلها الاجتماعية .وأيضا أخبار الحاخامنة ودورها الديني والاجتماعي ورعايتها لأبناء الطائفة . وقد كانت تلك الصحف وحتى ما حوته من إعلانات تجارية معينًا في بحثي عن يهود الظاهر فيما بعد وحددت لي حجم تواجدهم في الحي الذي كان مركز حياة الطبقة المتوسطة من اليهود المصريين .
– أسلوبك يتميز بلغة أدبية رصينة لكنها غير معقدة ، كيف تصنعين هذه الخلطة التي تجذب القارىء العادي وتبهر المتخصص؟
منذ بدأت العمل الصحفي وأنا أكره اللغة الجامدة الصلبة التقريرية المطلوبة في حالات بعينها ، لكن حين يمس القلم حياة البشر وانفعالاتهم وسلوكياتهم فنحن في حاجة إلى لغة تبث الروح في السطور لتجعلها من لحم ودم ، فيستطيع القارىء الإحساس بها والتجاوب معها . والتاريخ ما هو إلا دراما إنسانية واقعية تجيد الكتابة الروائية التعبير عنها، مقارنة بالصيغة الجافة ولغة الأرقام التي تنفر الكثيرين من قراءة التاريخ كما هو الحال مع الكتب المدرسية وبعض المؤلفات البحثية التي تعلي من قيمة تكدس المعلومات على حساب الأسلوب في الطرح فتبقى تلك المؤلفات حبيسة الأدراج لا تجد لها إلى القلوب والعقول سبيلا.
– هل تكتفين بالوثائق المحلية أم أنك تضطرين للنبش في الأرشيفات الأجنبية ” كالبريطانية أو الفرنسية” للوصول للحقيقة ؟
الحقيقة ليست دائمًا في الأرشيفات الأجنبية ؛ فالكتب الزرقاء في بريطانيا – على سبيل المثال – تحوي تاريخًا مزيفًا فيما يتصل بالاحتلال البريطاني لمصر وتتضمن رؤية القنصل البريطاني وكبار المسئولين وكذلك الإدارة البريطانية الإمبريالية آنذاك . صحيح أن الرجوع إليها مهم لكنها ليست الأساس . كما هو الحال في كتابات المستشرقين والرحالة والتي قد يكون بعضها هو المرجع الوحيد في حالات معينة مثل ما كتبته المستشرقة صوفيا لين بول عن حريم محمد علي وهى الوحيدة التي كتبت عن ذلك حيث تمكنت من دخول الحرملك الذي لم يتمكن أخاها إدوارد لين بول من دخوله . وفي كل الأحوال أتعامل مع المراجع الأجنبية بشكل من الحيطة والرؤية النقدية الضرورية لمعرفة لماذا يقال ما يقال وبأي غرض .

– كيف ترين جيل الشباب الحالي وإقباله على القراءة التاريخية ، وهل كتبك موجهة للنخبة أم الجمهور العام ؟
– الجيل الحالي أكثر وعيًا منا وأكثر قدرة على استيعاب قدر أكبر من المعارف بحكم ثورة التكنولوجيا التي جعلته نهمًا للمعرفة ، وهو شديد الإقبال على القراءة التاريخية وهو ما لمسته بشكل شخصي من خلال معارض الكتاب أو الندوات المختلفة ، فالفئة الأكبر ممن يقرأون كتبي من الشباب فهم يريدون أن يقرأوا التاريخ ، ولكن بلغة سهلة موضوعية غير تقريرية . وفي منهجي البحثي أتبع أسلوبا يجمع بين رشاقة الطرح وسلاسة الأسلوب مع الحفاظ على قواعد البحث من الموضوعية والحيادية .لذا فإن كتبي موجهة للجميع النخبة والقارىء غير المتخصص ، فهى كتابة بحثية علمية أكاديمية المنهج روائية القالب موضوعية المضمون .
– حكم محكمة النقض الأخير كان تاريخيًا وباتًا ، كيف استقبلت اللحظة الأولى لصدور الحكم الذي أنصف كتابك” اغتيال قوت القلوب “؟
تصورت مرارًا وتكرارًا عدة سيناريوهات لتلك اللحظة لكني حين أصبحت أمامها وجهًا لوجه لم أعرف ماذا أفعل رغم أني كنت على يقين أنها ستأتي إن آجلا أو عاجلا . أحاسيس متداخلة ما بين فرحة ورضا وسكينة ، انفعالات متباينة اعترتني .كانت حالة من السعادة الكاملة المكتملة
– القضية لم تكن مجرد نزاع مالي بل معركة “كرامة فكرية” ، ما الرسالة التي رغبت في إرسالها لكل كاتب وباحث مصري من خلال إصرارك على التقاضي؟
– ” كرامة فكرية ” بالضبط هذا ما حاولت شرحه مرارًا لكل من تدخل للوساطة أو وصفني بالعناد أو المبالغة . وكنت أصر في كل مرة على التأكيد أن المسألة ليست سطورًا تم التعدي عليها رغم أن نسبة هذه السطور – وفق تقرير لجنة الملكية الفكرية- وصل إلى نسبة 50 % من محتويات كتابي ، لكنها جزء من وجداني ككاتبة وجزء من روحي ، ونتاج رحلة شغف وجهد وكلمات أنتجها تفاعلي مع حياة قوت القلوب بل حياة كاملة عشتها معها أيام وليال ، ومشاهد صنعها خيالي الخاص وصاغها في كلمات ملكتني فأصبحت بمخاضها وليدًأ لي ، فكيف أفرط في وليدي !! إن الكتابة فعل مقدس والإبداع له حرمته التي ينبغي أن تصان وإلا فنحن أمام فوضى لا تبقي ولا تذر ستقتل الرغبة في الإبداع شيئا فشيئًا
– استقالة وزيرة الثقافة السابقة عقب الحكم كانت حدثًا سياسيًا وثقافيًا ضخمًا ، هل ترين أن الاستقالة كانت كافية لرد الاعتبار الأدبي أم أن سحب الكتاب من الأسواق هو الانتصار الحقيقي؟
منذ خضت المعركة كانت معركة كاتبة أمام كاتبة وكان كل هدفي أن يختفي الكتاب المعتدي تمامًا وكأنه لم يكن وهذا تحقق بفضل القضاء النزيه . أما استقالة الوزيرة فكانت لإعفاء الحرج عن الحكومة بعد صدور الحكم البات . وهذه الاستقالة بالنسبة لي رد اعتبار للثقافة المصرية ومكانتها العريقة ، لأنه من غير المنطقي أن يتولى أمور الإبداع من انتهك حرمته.
– المعركة استمرت عامين في أروقة المحاكم هل شعرت في أي لحظة بالخذلان من الوسط الثقافي أو يضغوط قد تدفعك للتنازل ؟
كل من أدار ظهره لهذه القضية في الوسط الثقافي واعتبرها قضية شخصية ، لم يخذلني أنا وإنما خذل نفسه وخذل شرف الكتابة ، وأعتقد أنه فقد مصداقيته أمام نفسه . أما من أجاد اللعب في الوحل وأراد التكسب من المعركة واستغلال “تريند” قوت القلوب ومن ادعى أسبقية الطرح لحياة قوت القلوب زورًا وبهتانًا ، فأولئك لا يستحقون حتى مجرد التوقف أمامهم فقد سقطوا من عيني تمامًا مثلهم مثل من اعتنق لغة الاستسهال في تناول القضية أو الإمساك بالحبل من المنتصف إرضاء لكل الأطراف ، وأمثال تلك المواقف المائعة تخذل تاريخ صاحبها . أما الضغوط التي مورست علي من داخل الوسط الثقافي وخارجه فلم تزدني إلا عنادًا ورغبة في متابعة المعركة . وكان لدي يقين في الله ونصرته للحق. هذا اليقين لم يترك طريقًا للخذلان كي يتسرب إلى نفسي .فقط كان ينتابني الخوف على مستقبلي البحثي الذي هددت به صراحة .
– كيف أثرت هذه الأزمة على مشروعك البحثي القادم ، هل جعلتك أكثر حذرًا في نشر تفاصيل أبحاثك قبل صدورها ؟
أنا حذرة دائمًا فيما يتعلق بمشاريعي البحثية ، ولا يطلع عليها سوى الناشرالذي لا يعلن عن المؤلف إلا بعد صدوره . وأزمة التعدي على كتابي قوت القلوب الدمرداشية وقعت بعد صدور الكتاب وليس قبله . لكن بالتأكيد سأكون أكثر حرصًا فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
– كمدير تحرير لجريدة الأهرام ، كيف يخدم منصبك الصحفي مشروعك كباحثة تاريخية والعكس بالعكس ؟
عملي الصحفي ومشروعي البحثي مساران متوازيان ودعني استخدم مصطلح “مهنتي الصحفية ” وليس ” منصبي الصحفي” . الصحافة كانت البوابة السحرية التي تفتحت بفضلها آفاقي ومعارفي وعملي في مؤسسة الأهرام العريقة أصقل موهبتي الصحفية فقد تعلمت على يد أساتذة المهنة في مؤسسة لها تقاليدها المهنية الراسخة . لقد أفادني عملي الصحفي في تنمية قدراتي على الرصد وجمع المعلومات والتحليل وهى مهارات لابد لأي باحث منها .كما دربني على طريقة التعامل مع الوثيقة التاريخية وإمكانية قراءتها بشكل نقدي . كما أن عملي الصحفي مازال ينبهني إلى مناطق جديرة بالبحث التاريخي ، على الجانب الآخر فإن البحث التاريخي زاد من الحبكة الصحفية لدي ومنحني ذلك العمق في ظل الاختزال الذي تتطلبه المادة الصحفية مقارنة بعمل بحثي يتطلب مئات الصفحات .
– الصحافة الورقية تعيش أزمة عالمية كيف يمكن للمحتوى الثقافي والتاريخي العميق أن ينقذ الصحافة من فخ ” التريند” السطحي؟
دعني أقول إن الأزمة أزمة محتوى بالأساس ليس إلا ، فالصحافة ورقية أو إليكترونية الفيصل في تواجدها وانتشارها هو المحتوى الجيد الهادف .ولا صحة على الإطلاق لإمكانية الاستغناء عن الصحافة الورقية تماما كالكتاب المطبوع ، وكما تقول الحكمة الشهيرة ” لولا تنوع الأذواق لبارت السلع ” فهناك من يعشق رائحة الورق وملمسه وتربطه به علاقة وجدانية حتى بين أبناء الجيل الجديد . ويمكن للصحافة الورقية أن تنمو إذا ركزت على الموضوعات المهمة في كافة المجالات لا الثقافية والتاريخية فحسب وعلى موضوعية التناول لأن القارىء ذكي وينفر من الآراء الموجهة أو المائعة أو غير المنطقية ، وتغليب المعايير المهنية يضمن وجود المحتوى الهادف ، وهنا يأتي دور الجهات الرقابية في ضمان التزام الصحف بمعايير المهنة والابتعاد عن الابتذال .
– بعد 8 إصدارات ناجحة ومعركة قضائية شرسة ، ما المنطقة التاريخية الجديدة التي تخطط سهير عبد الحميد لاقتحامها في كتابها القادم؟
منطقة أخرى تدور حولها التساؤلات وتحيطها الاحتمالات ويكسوها الغمام ، ولا يوجد بشأنها اتفاق أو وفاق ، منطقة تشكل تاريخ مصر بعدها طويلا وأغفل ذكر الكثير عن شخوص شاركوا في صناعتها أو تم تناولهم بشكل سطحي لا يرقى أبدًا إلى البحث الجاد ..إنها سباحة جديدة ضد التيار لفض بكارة صفحات لم ينتبه إليها التاريخ بما يجب ، وفي خضم ذلك نكشف اللثام عن تاريخ الحجر في جزء من مصر المحروسة
– كيف ترين دور وزارة الثقافة في المرحلة المقبلة لإعادة ضبط المشهد وحماية الملكية الفكرية للمبدعين ؟
– لابد على جهات النشر التابعة للوزارة استخدام التطبيقات الحديثة التي تكشف بسهولة أي عمليات اقتباس غير قانونية ، وهذا الإجراء متبع في عدد من دور النشر المصرية ، وعالميًا يوجد ما يعرف ب” المحرر القانوني ” الذي تمثل دوره في الكشف عن أية انتهاكات في النص قبل نشره . كما أن هناك جهاز متصل بتسجيل الملكية الفكرية بالوزارة لكنه لا يقوم إلا بعمل روتيني يقتصر على تحصيل الرسوم وتسجيل العناوين المقدمة دون الكشف على النص أو الفكرة ومدى وجودها من قبل أو لا .وهذا الجهاز ينبغي تفعليه وتغيير آلية العمل فيه ليؤدي دوره بشكل صحيح
– أخيرا لو أتيحت لك فرصة توجيه رسالة قصيرة ل”قوت القلوب الدمرداشية” بعد أن أخذت حقها مرتين ” تاريخيًا وقضائيًا ” ماذا تقولين لها ؟
– أشعر أن القدر انتخبني لأنتصر لك ولأرفع عنك غبار الظلم وركام السنين وعنت الظالمين ، كم مرة شعرت أن بيني وبينك رابطة ما لا أعرف كنهها ..لكن الراحة كانت تتملكني حين أطأ القصر الذي شهد نشأتك .. أنا سعيدة من أجلك وأشعر أنك دافعت عني كما دافعت عنك فانتصر كلانا في معركته. الآن عاد حقي وعاد حقك والكل يقرأعنك وعن حياتك التي ظنوا أنه من السهل محوها..فإلى روحك السلام والسكينة .