اعداد ـ التآخي
تعد التوترات والصراعات بين الدول من أخطر المتغيرات المؤثرة على مسارات التنمية والبناء، إذ يتجاوز أثرها الخسائر الآنية المباشرة ليطال البنيات الهيكلية للاقتصادات والمجتمعات على المدى الطويل.
يمكن مقاربة هذا الموضوع الحيوي عبر تفكيك آليات تأثير التوترات الدولية في قطاعات التنمية الأساسية باستنزاف الموارد وتحول الأولويات المالية و عسكرة الموازنات، اذ تفرض التوترات الإقليمية والدولية واقعاً أمنياً ضاغطا تدفع الحكومات إلى إعادة توجيه جزء هائل من الناتج المحلي الإجمالي والموارد المالية نحو الإنفاق العسكري والدفاعي على حساب قطاعات التنمية البشرية كالتعليم، والصحة، والبنى التحتية.
كما يتراجع الإنفاق الاستثماري حيث ينخفض حجم الاستثمارات الحكومية المخصصة للمشاريع الإنتاجية والخدمية، مما يتسبب في تعطل مشاريع التنمية المستدامة وتأخر إنجاز البنى الأساسية الحيوية وتضطرب سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وتحدث اختناقات الأسواق اذ تؤدي التوترات والنزاعات إلى إغلاق الحدود، وتعطيل الممرات المائية الاستراتيجية، وفرض العقوبات الاقتصادية، مما يتسبب في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ونقص حاد في السلع الأساسية والمواد الأولية.
وينتج أيضا التضخم المستورد، اذ تنعكس هذه الاختناقات مباشرةً على شكل موجات تضخمية حادة وارتفاع في الأسعار، مما يضعف القوة الشرائية للمواطنين ويزيد من معدلات الفقر والبطالة، وتزعزع ثقة المستثمرين وهرب رؤوس الأموال، وتتكون بيئة طاردة للاستثمار حيث ان رأس المال بطبيعته كيان حذر يبحث عن الاستقرار والأمان القانوني والسياسي؛ وعليه، فإن حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات تدفع المستثمرين المحليين والأجانب إلى سحب أموالهم وتوجيهها نحو أسواق أكثر استقراراً.

كما يحدث شلل التنمية القطاعية اذ يتأثر القطاع الخاص بشكل بالغ نتيجة انكماش فرص التمويل وارتفاع مخاطر الأعمال، مما يعوق نمو القطاعات الواعدة ويحد من قدرتها على استيعاب الأيدي العاملة وخلق فرص العمل.
وتتمثل التأثيرات البشرية والاجتماعية (رأس المال البشري) في نزوح الكفاءات والهجرة حيث تؤدي حالة التوتر وعدم الاستقرار المستمر إلى هجرة العقول والأدمغة والكفاءات المهنية بحثاً عن بيئة آمنة، مما يحرم الدول النامية من الطاقات البشرية اللازمة لقيادة عمليات البناء والتطوير.
وتتآكل الخدمات المجتمعية بتعرض النسيج الاجتماعي والخدمي لضغوط هائلة نتيجة تراجع جودة التعليم والرعاية الصحية، وتراجع مستويات الرفاه الاجتماعي، فضلاً عن تفاقم الأزمات الإنسانية في حال تطور التوترات إلى نزاعات مسلحة.
وتنبثق حالة عرقلة التعاون الإقليمي والدولي بشلل التكامل الاقتصادي حيث تعتمد التنمية الحديثة على الشراكات العابرة للحدود في مجالات الطاقة، والنقل، والتكنولوجيا، والبحث العلمي. التوترات السياسية تقوض هذه الشراكات وتحول دون إنجاز المشاريع الإقليمية الكبرى (كخطوط الطاقة وممرات التجارة الدولية)، و تهدر فرص التكامل اذ تفقد الدول المجاورة المتورطة في أزمات بينية فرص الاستفادة من مزايا التكامل الاقتصادي وتبادل المصالح، وتغرق بدلاً من ذلك في دوامة من الإنفاق الدفاعي والاستنزاف المتبادل.
لا تقتصر كلفة التوترات بين الدول على الخسائر المادية المباشرة، بل تمتد لتُحدث “فجوة تنموية” تتسع بمرور الوقت مقارنة بالدول التي تنعم بالاستقرار. إن بناء اقتصاد قوي ومجتمع مزدهر يشترط بالضرورة توفر بيئة إقليمية ودولية قائمة على التعاون، وحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية، وتحويل التركيز من إدارة الصراعات والأزمات إلى التنافس الإيجابي في ميادين الإنتاج والمعرفة والتنمية المستدامة.
نماذج تاريخية
يقدم التاريخ الحديث والمعاصر أمثلة واضحة وشواهد ملموسة على كيف يمكن للتوترات والصراعات البينية بين الدول أن تعصف بخطط التنمية، وتعرقل مسارات البناء الاقتصادي والبشري. وأبرز الشواهد التاريخية التي توضح هذا الأثر، الحرب الباردة وتأثيرها على دول العالم الثالث، فلقد امتد الصراع الاستراتيجي بين المعسكرين الغربي (بقيادة الولايات المتحدة) والشرقي (بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقاً) طوال النصف الثاني من القرن العشرين.
أثر التوتر على البناء وجرى تحويل مقدرات مالية وبشرية هائلة نحو التسلح والصراعات بالوكالة في مناطق متعددة من العالم (مثل أمريكا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا). هذا الاستنزاف أدى إلى تكريس اقتصاديات ريعية أو أحادية الجانب في تلك الدول، وعطل مسار بناء مؤسسات دولة حديثة قادرة على تحقيق تنمية مستدامة، حيث أصبحت الأولويات الأمنية والجيوسياسية تعلو فوق أي اعتبار تنموي.
وكذلك حدث مع التوترات المستمرة بين الهند وباکستان فمنذ استقلالهما وتقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، شهدت العلاقات بين الجارين توترات مستمرة ونزاعات مسلحة متكررة (خصوصاً حول إقليم كشمير)، تخللتها سباقات نحو التسلح النووي والتقليدي.

ان أثر التوتر على البناء تمثل في استنزاف الموازنات الدفاعية الهائلة لكلا البلدين موارد مالية ضخمة كانت أشد ما تكون الحاجة إليها لانتشال ملايين السكان من الفقر، وتطوير البنى التحتية، وتحسين قطاعي الصحة والتعليم. فضلاً عن ذلك، أدى إغلاق الحدود والتوتر الدائم إلى حرمان البلدين من فرص التكامل التجاري والاقتصادي الإقليمي الذي كان يمكن أن يضاعف معدلات نموهما.
المثل الآخر الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) وهي نزاع إقليمي عسكري واسع النطاق نشب بين دولتين متجاورتين غنيتين بالموارد الطبيعية والطاقة في المنطقة. وقد أثر التوتر على البناء وتسببت هذه الحرب في دمار شبه كامل للبنى التحتية الاقتصادية والنفطية في البلدين، وأدت إلى استنزاف الموارد المالية المخصصة لخطط التنمية الخمسية والوطنية. تحولت الاقتصاديات التي كانت واعدة في ذلك الوقت إلى اقتصاديات محاصرة ومديونة، وتعطلت مسارات التطور الاجتماعي والبشري لعقود تالية، مما يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية تحول الثروات الوطنية إلى أداة للاستنزاف المتبادل بدلاً من البناء.
والوجه الآخر تمثل في العقوبات الاقتصادية وانقطاع التنمية (نموذج دول الحصار أو المقاطعة السياسية الحادة).
ان توترات جيو-سياسية متكررة شهدتها مناطق مختلفة حول العالم أفضت إلى فرض مقاطعات شاملة أو جزئية وحصار اقتصادي بين دول متقاربة جغرافياً.
وأدت سياسات إغلاق المجال الجوي، وقطع خطوط الإمداد، وتعطيل المشروعات الاقتصادية المشتركة إلى شلل في شبكات النقل الإقليمية وارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج. واضطرت الدول المعنية إلى إعادة هيكلة اقتصادياتها بتكاليف باهظة لتحقيق “الاكتفاء الذاتي الطارئ”، مما أدى إلى تباطؤ معدلات الابتكار والتنمية طويلة الأجل مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في ظل بيئة إقليمية منفتحة ومتعاونة.
تؤكد هذه المحطات أن التوترات السياسية والعسكرية بين الدول لا تمثل مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل هي “نزيف هيكلي” يعطل طاقات الشعوب، ويجبر الحكومات على استبدال مشاريع الإعمار والبناء بمشاريع الحماية والتحصين، مما يؤخر صعود تلك الدول وتطورها عقوداً كاملة إلى الوراء.
ويُمكن تماماً التعافي من تبعات التوترات والصراعات متى ما زالت مسبباتها وتوفرت الإرادة السياسية والمؤسسية، إلا أن هذا التعافي ليس عملية تلقائية أو سريعة، بل هو مسار شاق وطويل يُعرف اقتصادياً واجتماعياً بـ “مرحلة إعادة الإعمار والتأهيل”.
يمكن فهم ديناميكيات هذا التعافي وشروطه عبر آليات التعافي السريع (الفرص الكامنة)، وبمجرد زوال التوترات، تحرر الموارد المالية الهائلة التي كانت محتجزة في الإنفاق العسكري والأمني لتتوجه نحو الاستثمار والخدمات، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “عائد السلام” (Peace Dividend). كما يحدث التعافي عبر ارتداد الاقتصاد المكبوت حيث تشهد الأسواق عادة طفرة نمو سريعة في أعقاب استقرار الأوضاع، نتيجة إطلاق العنان لرؤوس الأموال المحلية والمجمدة، وعودة حركة التجارة، واستئناف المشاريع المتوقفة. كما يجري استعادة سلاسل الإمداد حيث يسهم فتح الحدود والممرات في خفض تكاليف النقل والشحن والتأمين بسرعة، مما ينعكس إيجاباً على أسعار السلع وينعش القوة الشرائية للأفراد.
ومن التحديات الكبرى التي تعوق التعافي الفوري انه وبرغم إمكانية التعافي، إلا أن الدول تواجه عقبات هيكلية عميقة تؤخر جني الثمار من ذلك “الندبة المؤسسية” والفساد الإداري فغالباً ما تخلف التوترات طويلة الأمد بيئة بيروقراطية ضعيفة ومؤسسات متآكلة يزدهر فيها الفساد واقتصاد الكفاف، وهي هياكل لا تتغير بزوال السبب السياسي الفجائي بل هي بحاجة إلى إصلاح مؤسسي طويل الأجل. وكذلك بالمديونية العالية، اذ تخرج الدول من أتون التوترات وهي محملة بديون خارجية وداخلية باهظة تمتص الجزء الأكبر من الموازنات العامة لسنوات طويلة بعد انتهاء الأزمة.
ويحصل أيضا فقدان لرأس المال البشري، اذ إن هجرة الكفاءات والأدمغة أثناء سنوات التوتر تترك فراغاً معقداً لا يمكن تعويضه بسرعة، حيث يستغرق بناء نظم التعليم وتأهيل جيل جديد من الكفاءات أضعاف الزمن الذي استغرقه رحيلهم.
شروط نجاح مسار التعافي وبناء الاستقرار
لكي يتحول “زوال التوتر” إلى “تنمية حقيقية وبناء مستدام”، لا بد من توافر شروط حاسمة، أبرزها التحول نحو سياسات الاحتواء الاقتصادي بخلق بيئة استثمارية جاذبة، وتفعيل القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل بدلاً من الاعتماد على اقتصاديات الريع أو الاستهلاك السريع، وترميم الثقة الإقليمية والدولية ببناء اتفاقيات أمنية واقتصادية عابرة للحدود تضمن عدم تجدد النزاعات وتؤسس لشراكات استراتيجية طويلة الأجل (مثل المشاريع المشتركة للطاقة والمياه والنقل).
كما تتضمن المعالجات، العدالة التنموية وتوزيع الثروات بضمان وصول ثمار التعافي إلى شتى طبقات المجتمع ومناطق الدولة، لقطع الطريق أمام أي احتقان اجتماعي جديد قد يمهد لعودة التوترات بصيغ أخرى.
ان التعافي بعد زوال التوترات ممكن ومضمون النتائج نسبياً إذا ما أُديرت مرحلة ما بعد الأزمة برؤية استراتيجية واعية؛ فالتاريخ يزخر بدول خرجت من حروب مدمرة وتوترات خانقة لتصبح قوى اقتصادية كبرى (مثل دول أوروبا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أو دول النمور الآسيوية)، شريطة أن يُستبدل بمنطق الصراع والاستنزاف منطق الاندماج، وبناء المؤسسات الرشيدة، والاستثمار في الإنسان قبل الحجر.
ويحذر صندوق النقد الدولي من أن مسار التعافي الاقتصادي الذي يلي الحروب عادةً ما يكون بطيئاً وغير متكافئ، ويعتمد بشكل حاسم على استدامة السلام. الصندوق ذكر في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الجديد، أن “النزاعات تتوزع بشكلٍ غير متكافئ جغرافياً، إذ يستحوذ الشرق الأوسط ومنطقة جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية على حصة كبيرة من النزاعات العالمية”. أضاف أن النزاعات تحدث خسائر كبيرة في الاقتصادات، إذ ينخفض الإنتاج في البلدان المتضررة لتصل الخسائر التراكمية إلى نحو 7% في غضون 5 سنوات، مع استمرار آثارها حتى بعد عقد كامل.
مثلا، توصلت الولايات المتحدة وإيران لاتفاق وقف إطلاق نار مؤقت، لكن هذا الاتفاق لا يعكس نهاية حاسمة للصراع بقدر ما يشير إلى مرحلة انتقالية تعيد فيها الدول والشركات تقويم تموضعها الاقتصادي في مواجهة المخاطر الجيوسياسية. التعافي الاقتصادي بعد النزاعات يرتبط بشكل وثيق بتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي وإعادة بناء الثقة، بحسب ما يرى الصندوق، مشيراً إلى أن الدول التي تنجح في تثبيت التضخم والحفاظ على استقرار سعر الصرف الحقيقي، إلى جانب توفير تمويل خارجي في الوقت المناسب، تحقق تعافياً أقوى مقارنةً بغيرها.
أما تحقيق تعافٍ أسرع فيتطلب حزمة سياسات متكاملة تركز على خفض عدم اليقين وإعادة بناء رأس المال، بحسب الصندوق. أضاف أن هذه السياسات تولد آثاراً إيجابية متبادلة تدعم توقعات المستثمرين وتشجع تدفقات رأس المال وعودة العمالة. وعادةً ما يكون التعافي مدفوعاً أساساً بعودة النشاط في سوق العمل، فيما تبقى الاستثمارات والإنتاجية ضعيفة نسبياً في ظل استمرار القيود التمويلية وعدم اليقين.
ولا يوجد تقدير لحجم الخسائر من الحرب الحالية، لكن إسرائيل خسرت نحو 57 مليار دولار بين 2024 و2025 من جراء الحروب. أما إيران فاقتصادها كان يرزح تحت وطأة العقوبات أصلاً قبل الحرب، وقد سجل الريال أدنى مستوى له على الإطلاق في السوق الحرة، عند نحو 1.72 مليون ريال مقابل الدولار الواحد وهو مستمر بالهبوط. لكن مفاوضات التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الحرب، ربما تناقش مطالب إيرانية تشمل تحصيل رسوم مقابل السماح بالعبور عبر مضيق هرمز، وفق التصريحات المعلنة من الأطراف، وتأمل طهران في أن تسهم هذه الرسوم في تمويل إعادة بناء البنية التحتية في البلاد، غير ان موقف اميركا هو بالضد من ذلك.
كما يتضمن الطرح الإيراني مطالب تتعلق برفع العقوبات الأولية والثانوية المفروضة على الاقتصاد الإيراني، وهو ما يمثل أحد أبرز أشكال التعويض غير المباشر، إذ يفتح المجال أمام استعادة تدفقات التجارة والاستثمار، وإعادة دمج إيران تدريجياً في النظام المالي العالمي إذا جرى التوصل إلى اتفاق أشمل. ووتيرة التعافي الاقتصادي بعد النزاعات ترتبط بشكل مباشر باستدامة السلام، على وفق صندوق النقد الدولي، إذ أن النشاط الاقتصادي قد ينتعش عند توقف القتال، لكنه يبقى محدوداً مقارنةً بالخسائر التي تكبدتها الاقتصادات خلال الحرب. كما يشير إلى أن التعافي يكون عادة بطيئاً وغير متكافئ، ويتباين بين الدول بحسب قدرة الأوضاع الأمنية والسياسية على الاستقرار بعد انتهاء النزاع.