🔴 حوار مع الكاتبة الجزائرية د.سميرة علي بوشيخي

 

👈 عندما يمتزج علم النفس بسحر الأدب وخيال الرواية

✍️ حاورها: جـلال مشـروك.

حين ترتدي الأخصائية النفسانية عباءة السرد، ويتحول المنهج العلمي الصارم إلى حبكة روائية نابضة بالحياة، تتشكل أعمال فريدة لا تكتفي بملامسة العقول بل تغوص في أعمق دهاليز النفس البشرية. بين أروقة عيادتها وفضاءات الخيال الأدبي، تقف ضيفتنا على خط التقاء ساحر بين “علم شق الأرواح وفهم أسرارها” و”أدب يمنح الجراح صوتاً وحكاية”.

1_ كيف تعرف الكاتبة د. سميرة علي بوشيخي لجمهورك؟

سميرة علي بوشيخي، من مواليد سنة 1978م بولاية سعيدة، ومقيمة بولاية مستغانم. أخصائية نفسانية عيادية، حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم النفس الصحة، معالجة بالفن وممارسة للتنويم الإيحائي، جمعت في مسيرتها بين العمل الأكاديمي والبحث العلمي من جهة، والشغف بالأدب والإبداع الكتابي من جهة أخرى، حيث شاركت في العديد من المؤتمرات العلمية والأنشطة الثقافية والجمعوية، ولها مجموعة من المقالات العلمية المنشورة في مجلات محلية.
ومن أبرز أعمالها الأدبية رواية “تايا ميلاغروس” الصادرة عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع، سنة 2025 إضافة إلى مشاركتها في المجموعة القصصية المشتركة “زهرات القمر التسع” سنة 2023 الصادرة عن نفس الدار.

2_ متى بدأت الولوج لعالم الكتابة والتأليف؟

بدأت علاقتي بالكتابة منذ سنوات الدراسة الأولى؛ إذ كنت أدوّن خواطر بسيطة لا أشاركها إلا مع الورق والجدران. كما عرفت بشدة الملاحظة وكثرة التساؤل إلى درجة أن من حولي كانوا يلقبونني بـ”المحقق”، ولعلّ هذه السمة نفسها هي التي قادتني لاحقاً إلى دراسة علم النفس. وقد كانت لي محاولات ومشاركات متفرقة في الأنشطة المدرسية، وكانت تلك الخربشات الأولى بذرة أيقظت في داخلي شغف الكتابة، وجعلتني أدرك أن القلم سيكون رفيقاً دائماً في رحلتي.
في تلك المرحلة، تأثرت كثيراً بسيناريو مسلسل “المصير” للمخرج جمال فزاز، وبفيلم “المقصلة”، حتى إنني حاولت وأنا أدرس في السنة السادسة ابتدائي كتابة سيناريو لروايتي الأولى التي حملت عنوان “دنيا والعصابة”. غير أنني لم أتمكن من إكمالها بسبب انشغالي آنذاك بالتحضير لامتحان السنة السادسة أساسي، لكنها ظلت شاهداً على أولى محاولاتي الجادة في عالم الكتابة.
ومع مرور الوقت، تحول ذلك الميل الطفولي إلى شغف عميق بالأدب والمطالعة، وتأثرت بالعديد من الروايات التاريخية التي تجمع بين التشويق والمغامرة، وعلى رأسها “الزنبقة السوداء” و”الفرسان الثلاثة” للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما. وقد ألهمني في أعماله أسلوب السرد، وبراعة الحوار، وطريقة تصاعد الأحداث وبناء المغامرة، ثم اتسعت قراءاتي لتشمل أدب جبران خليل جبران وأعمال نجيب محفوظ.
وكانت تلك القراءات الشرارة التي أوقدت في داخلي حلم أن أصبح أديبة، لكن بعد حصولي على شهادة البكالوريا أخّرت ذلك الحلم واتجهت نحو دراسة علم النفس وحافظت فقط على كتابة الخواطر. وكنت أؤمن أن فهم أعماق النفس البشرية سيمنحني يوماً ما أدوات أعمق للكتابة والإبداع.
بعد تخرجي، كان للعمل الجمعوي التطوعي أثر كبير في صقل تجربتي، حيث أُتيحت لي فرصة المشاركة في تأليف وإخراج عدد من المسرحيات التربوية الهادفة خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2012 ومن أهمها مسرحية “عايلة سي موبيتشو” وذلك ضمن جمعية طريق الحكمة، التي وجدت فيها فضاءً رحباً للتعبير والعطاء، وحاضنةً ساعدتني على توظيف أفكاري ومواهبي في خدمة الرسالة التربوية والثقافية.
وخلال فترة تدريبي على التنويم الإيحائي، شجعني المدرب على كتابة الجلسات العلاجية، وكانت تلك التجربة نقطة تحول مهمة في مساري. فقد دفعتني إلى البحث في أعماقي عن ذلك الجانب الإبداعي الذي ظل كامناً لسنوات ينتظر أن يرى النور. وفي خضم تلك الرحلة بسنة 2022، وبينما كنت أتدبر آياتٍ من القرآن الكريم، استوقفتني آية من سورة القلم، فتأملت مليّاً قوله تعالى: ن وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، وشعرت وكأنها رسالة توقظ في داخلي حلماً قديماً طال انتظاره، وتدعوني إلى منحه فرصة للحياة.
فصادفت حينها منشوراً على الفيسبوك يعلن عن ورشة أونلاين متخصصة في الكتابة الأدبية، فالتحقت بها، لتكون تلك الخطوة بداية فعلية لعودتي إلى عالم الأدب والكتابة، وانطلاقة جديدة نحو تحقيق حلم ظل يرافقني منذ الطفولة.
ومنها كانت أولى مشاركاتي المنشورة ضمن المجموعة القصصية المشتركة “زهرات القمر التسع”، التي مهدت الطريق نحو مشاريع إبداعية أخرى لاحقة.

3_ من كان مشجعك الأول في حياتك؟ وهل تتأثرين بالمحيط الذي حولك للمضي قدماً أم العكس؟ وما هو أكثر شيئ يجعلك ملتزمة بالكتابة؟

كان التشجيع الأول الذي رافقني في مسيرتي ينبع من داخلي، من إيماني العميق بأهمية ما أريده وما أكتبه.
وقد تعزز هذا الإيمان بالدعم الذي حظيت به من أبي وأمي رحمهما الله، اللذان شجعاني منذ الصغر على القراءة والمطالعة من خلال توفير القِصص والكتب. إضافة إلى وصايا جدي وجدتي رحمهما الله، اللذان غرسا فيّ قيمة المثابرة والمحافظة على الأحلام والسعي لتحقيقها.
كما كان لأساتذة اللغة العربية؛ في مختلف المراحل الدراسية التي مررت بها، دور مهم في تعزيز ثقتي بنفسي، إذ آمنوا بقدراتي الكتابية وشجعوني على تنميتها ومواصلة صقلها.
وبطبيعة الحال؛ فإن الإنسان يتأثر بمحيطه، وأنا لست استثناءً. غير أنني أؤمن بأن الدافع الحقيقي للاستمرار يجب أن يكون نابعاً من الداخل. لذلك أحرص دائماً على تحويل ما أعيشه وألاحظه من مواقف إنسانية وتفاعلات يومية، وحتى ما أواجهه من ضغوط وتحديات إلى مصدر إلهام يغذي تجربتي الإبداعية. فالمحيط بالنسبة لي ليس عائقاً، بل مادة خام ثرية أستمد منها الأفكار والرؤى.
أما ما يجعلني أكثر التزاماً بالكتابة، فهو إيماني بأن الكلمة رسالة ومسؤولية قبل أن تكون مجرد هواية، وبحكم تخصصي في علم النفس واحتكاكي اليومي بالإنسان ومعاناته النفسية، أزداد يقيناً بأن داخل كل نفس حكاية تستحق أن تُروى، وتجربة تستحق أن تُفهم. لذلك أكتب لأمنح صوتاً لما قد يبقى حبيساً في الأعماق.

4_ ألفت مؤلف تحت عنوانه “تايا ميلاغروس”، حدثينا عنه؟

رواية “تايا ميلاغروس” في جزئها الأول المعنون بـ “شيفرة إكس” هي مولودي الروائي الأول، وهي رواية نفسية ذات طابع فانتازي تمزج بين الخيال والمعرفة النفسية في إطار سردي مشوّق.
تتناول موضوع الصدمة النفسية والمشاعر المكبوتة التي يظن الإنسان أنه تجاوزها، لكنها تظل كامنة في أعماق الذاكرة، تنتظر ما يُعيد إيقاظها وتفعيلها لتواصل تأثيرها في النفس والجسد؛ وقد تتحول بفعل العدوى إلى معاناة جماعية. قمنا بتجسيدها في فكرة الوباء الغامض الذي يعرف باسم “فيروس إكس”. فالماضي هنا ليس زمناً منقضياً، بل قوة خفية تحمل معها أحزاناً لم تُعش بالكامل، وغضباً لم يجد طريقه إلى التعبير، وجراحاً مؤجلة تظل حاضرة رغم محاولات اخفائها والتكيف معها.
وتدور الأحداث حول شخصية “تايا ميلاغروس”، وهي فتاة تمتلك قدرات استثنائية تخول لها اختراق الذكريات واستشعار آلام الآخرين، فتخوض رحلة محفوفة بالأسرار والتحديات لفك شيفرة هذا الوباء وكشف أسبابه الحقيقية. وخلال هذه الرحلة لا تكتفي بمواجهة آلام الآخرين فحسب، بل تجد نفسها أيضاً في مواجهة ماضيها وأسئلتها الخاصة، لتتحول الرحلة من مهمة لإنقاذ العالم إلى رحلة لاكتشاف خبايا الذات وفهمها.
ومن خلال مسار الشخصيات وصراعها مع ذاكرتها وجراحها القديمة، يُدعى القارئ إلى خوض رحلة موازية، ليحاول فك شيفرة الشعور الأساسي الكامن خلف هذا الوباء؛ ذلك الشعور الذي يتوارى خلف الأحداث والأعراض والأقنعة، ويُحرّك الكثير مما يحدث في الخفاء.
كما سعيت من خلال مسار البطلة إلى تقديم رؤية علاجية مبتكرة للشفاء، تستلهم بعض مرتكزاتها من الحكمة الكامنة في آيات وقصص القرآن الكريم وما تختزنه من معانٍ إنسانية وروحية عميقة، ومن معارف علم النفس ونظرياته العلاجية، كما تتقاطع مع رموز ثقافية وتاريخية، وأماكن جغرافية وملابس تراثية ذات دلالات خاصة، فضلاً عن الاستفادة من بعض الاكتشافات العلمية التي تخدم البناء الفكري والرمزي للرواية.

5_ كيف استطعتِ الموازنة بين دقة “علم نفس الصحة” كعلم يعتمد على المنهجية، وبين “الخيال الأدبي” كفضاء للتحرر؟ هل تخدم الأدوات النفسية كتاباتك الروائية؟

أرى أن الموازنة بين دقة العلم وحرية الخيال هي بمثابة تكامل بين عقل يحلل وقلب يعبر. فهي تشبه العزف على وترين متكاملين؛ لكل منهما نغمته الخاصة، لكن جمال العمل يتحقق عندما ينسجمان معاً. فأنا لا أسمح للمعرفة النفسية بأن تقيد الخيال أو تحوله إلى شرح أكاديمي، كما لا أترك الخيال ينفصل عن منطق النفس البشرية وواقعيتها. بل أجعل علم النفس يوفر الأساس الذي يمنح الشخصيات والمواقف مصداقيتها، بينما يمنحها الخيال الأدبي الحياة والروح والبعد الإنساني.
فمن خلال تخصصي في علم نفس الصحة، اكتسبت المنهجية والأدوات التي تمكنني من تفكيك الشخصيات وفهم أعمق للسلوك ودوافعه وانفعالاته واضطراباته وآليات تكيفه مع الألم والضغوط والصراعات النفسية. ومن خلال “الخيال الأدبي”، أتحرر من جفاف المفاهيم وجمود النظريات لأصهر هذه المعارف في قالب فني نابض بالحياة يلامس قلب القارئ.
لذلك، فإن الأدوات النفسية تخدم كتاباتي الروائية بشكل أساسي، إذ تساعدني على بناء شخصية واقعية وعميقة ومتعددة الأبعاد، شخصيات تتحرك وتنمو وتتألم بدوافع نفسية حقيقية. فعندما أكتب، لا أكتفي برسم الملامح الخارجية للشخصية، بل أغوص في عالمها الداخلي: ما الذي شكلها؟ ما الذي تخشاه؟ ما الذي يدفعها لاتخاذ قراراتها؟ وما المشاعر المختبئة خلف كلماتها وسلوكها؟
وهنا يأتي دور الخيال الأدبي، ليترجم هذا الفهم العلمي إلى لغة فنية دافئة، تمكّن القارئ من أن يتماهى مع التجربة ويشعر بها، مثلما يوسع من أفقي في فهم الآخرين والتعاطف معهم.

6_ هل يمكن اعتبار كتابة الرواية (وبالتحديد روايتك “تايا ميلاغروس”) عملية “تطهير نفسي” لكِ ككاتبة، أم أنها رحلة استكشاف لأغوار النفس البشرية؟

في الواقع، لا أستطيع الفصل بين الأمرين، لأنني أراهما جزءين متكاملين من التجربة الإبداعية نفسها. وقد يسيران في الاتجاهين معا في الوقت ذاته. فكتابة “تايا ميلاغروس” كانت بالنسبة لي رحلة لاستكشاف النفس البشرية ومحاولة فك شفراتها وفهم دوافعها وصراعاتها وتناقضاتها. مستفيدة من خلفيتي في علم النفس وشغفي بالعالم الخفي الذي تتحرك فيه المخاوف والذكريات والرغبات.
ومن الطبيعي أن يقود هذا الغوص في أعماق النفس إلى نوع من التطهير النفسي؛ فالكتابة فعل تحرر داخلي بامتياز؛ إذ أتاحت لي إعادة صياغة الأفكار والانفعالات والتجارب الإنسانية في قالب أدبي يمنحها معنى ووضوحاً أكبر. وخلال العمل على الرواية، وجدت نفسي أعيد ترتيب الكثير من التساؤلات والخبرات التي راكمتها عبر الدراسة والقراءة ومرافقة الناس في معاناتهم النفسية.

7_ عالم “تايا ميلاغروس”: ما الذي تقصده الدكتورة سميرة بهذا العنوان؟ وما هي الرسالة الجوهرية التي أردتِ إيصالها للقارئ من خلال هذا المؤلف؟

لم يكن اختيار عنوان “تايا ميلاغروس” محض صدفة، بل جاء محمّلاً بدلالات رمزية تنسجم مع روح الرواية ورسالتها. فاسم “تايا” اسم متعدد الثقافات، تتنوع معانيه بين النبل والحماية والحكمة والشفاء، ويوحي بالقوة والبحث والقدرة على التغيير. لكن هذه المعاني تلتقي جميعاً في جوهر واحد يحتفي بالجمال الروحي والإلهام والقدرة على النهوض ومساندة الآخرين. لذلك جاء اختيار هذا الاسم ليجسد شخصية استثنائية تتمثل في الإنسان الساعي إلى اكتشاف حقيقته الداخلية ومواجهة جراحه الخفية تجمع بين القوة الداخلية والبعد الإنساني العلاجي.
أما “ميلاغروس” فهو اسم إسباني يعني “المعجزات”، ويرتبط بالأمل والإيمان والامتنان. ولم يكن اختياره اعتباطياً، بل ليعكس أيضا الطابع الاستثنائي للبطلة، ويجسد فكرة أن المعجزات الحقيقية قد تكمن في قدرة الإنسان على التعافي والتجدد واكتشاف القوة الكامنة في أعماق نفسه.
أما الرسالة الجوهرية للرواية فهي أن الصدمات والمشاعر المكبوتة لا تزول بتجاهلها، بل تُدفن حية، وتستمر في النمو الخفي لتكتب قصتها على الجسد والنفس ثم تظهر لاحقا بقالب جديد. ومن خلال هذا العمل، حاولت رسم خارطة طريق نفسية تؤكد على أن العبور نحو الضفة الأخرى من التعافي يتطلب أولاً النزول إلى دهاليز الماضي، لا البكاء على أطلاله؛ ومنح الندوب العالقة في الذاكرة صوتا لتتكلم ثم نتجاوزها دون السماح لها بتحويل الحاضر إلى زنزانة.. فالإنسان؛ رغم عمق شروخه، يمتلك مرونة نفسية مذهلة تتيح له إعادة بناء ذاته من وسط تلك الانكسارات، وأن مواجهة ما مضى هو المفتاح السحري لفك الأغلال واستعادة التوازن وصناعة معجزته الذاتية التي تعيد صياغة الحياة من جديد.

8_ شاركتِ في المجموعة القصصية “زهرات القمر التسع”. كيف تقيمين تجربة الكتابة الجماعية مقارنة بالعمل الفردي في روايتك الأولى؟

كانت مشاركتي في المجموعة القصصية “زهرات القمر التسع” تجربة غنية ومميزة باختلافها، فقد جمعت تسع مؤلفات من ثلاث دول عربية (الجزائر، تونس ومصر)، مما أتاح لي مساحة للتبادل الثقافي والأدبي والاحتكاك بأساليب ورؤى إبداعية متنوعة. فالكتابة الجماعية تشبه لوحة فسيفسائية، حيث يُكمل كل قلم منا لوحة الآخر في إطار يحتفي بالتنوع والالتزام بروح المجموعة، وهنا يضيف كل كاتب لمساته الخاصة ضمن عمل يجمعه إطار مشترك.
أما العمل الفردي، كما في روايتي، فله سحر من نوع آخر لأنه الفضاء الذي أستكشف فيه حدود قدراتي الخاصة؛ إذ منحني حرية أوسع في بناء العالم الروائي ونسج الخيوط وتوجيه المصائر بتفصيل ممتد وعميق دون قيود أو شروط مسبقة. لذلك أرى أن لكل تجربة جمالها وخصوصيتها.

9_ من موقعك ككاتبة وأكاديمية، كيف تصفين واقع الأدب الجزائري اليوم في ظل التحديات الرقمية؟ وهل يأخذ المبدع الجزائري حقه في التقدير المعنوي والإعلامي؟

أرى أن الأدب الجزائري يعيش اليوم حراكاً ملحوظا من حيث تنوع الطاقات الإبداعية الواعدة وتعدد الأساليب، لكنه يقف عند مفترق مهم بين أصالة التجربة الأدبية ومتطلبات العصر الرقمي فمن جهة أتاحت الوسائط الرقمية للكاتب الجزائري نافذة واسعة للتعريف بإبداعه والوصول إلى قراء من مختلف أنحاء العالم، ومن جهة أخرى وضعته أمام تحدٍ شرس يكمن في منافسة المحتويات الرقمية السريعة التي قد تُضعف حضور الكتاب الورقي والقراءة العميقة.
أما بخصوص التقدير المعنوي والإعلامي، فأعتقد أن المبدع الجزائري حقق حضوراً مهماً محلياً وعربياً، لكن هذا الحضور لا يزال في حاجة إلى مزيد من الدعم والتثمين الإعلامي والثقافي.
وكثير من الأدباء اليوم يعانون محدودية التغطية الإعلامية وضعف آليات الترويج لأعمالهم، ومن هذا المنطلق أؤمن بأن الاعتراف الحقيقي بالمبدع لا يقتصر على الجوائز أو المناسبات الثقافية، بل يتجسد أيضاً في خلق بيئة حاضنة وخلفية صلبة تمنحه مساحة دائمة للحضور والتأثير. ومع ذلك، يبقى المشهد الأدبي الجزائري غنياً وواعداً، بفضل إصرار مبدعيه وقدرتهم على مواصلة الإنتاج والإبداع رغم مختلف التحديات.

10_ ما هي التحديات التي تواجه المرأة الجزائرية، وتحديداً الأكاديمية، حين تقرر دخول عالم الأدب وتجاوز أسوار التخصص العلمي؟

أرى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه المرأة الجزائرية؛ وخاصة الأكاديمية، لا يكمن في الكتابة نفسها، بل في تجاوز التصورات النمطية التي تربط هوية الفرد المهنية بمجال واحد مغلق. فغالباً ما يُنتظر من الأكاديمية أن تبقى وفية لصورتها التقليدية بوصفها باحثة تحكمها المنهجية والصرامة العلمية، هذا التصور يضع المرأة أمام ضرورة إثبات أن الانخراط في الأدب لا يعني التخلي عن الدقة العلمية أو الانتقاص من جديتها الأكاديمية، بل يمثل توسيعاً لفضاءات التعبير والمعرفة.
بالنسبة لي، كان التحدي الأكبر يتمثل في تجاوز ما أسميه جدار التخصص والانعتاق من سلطة التشخيص واللغة العلمية الجافة، لإفساح المجال لصوت الساردة التي تستكشف الإنسان في أبعاده الوجدانية والرمزية. فالبعض سألني: كيف لمختصة نفسانية اعتادت تحليل السلوك والاضطرابات أن تلجأ إلى الخيال؟ لكنني أؤمن أن الأدب ليس هروباً من العلم، بل امتداداً إنسانياً له. ففي العيادة قد نصف الألم بمصطلح علمي، أما في الرواية فنمنحه وجهاً وصوتاً وحكاية.
إلى جانب ذلك، تواجه المرأة الأكاديمية تحديات عملية لا تقل أهمية، تتمثل في الموازنة بين المسؤوليات المهنية والبحثية والالتزامات الأسرية ومتطلبات الكتابة الإبداعية التي تحتاج إلى وقت وتأمل وتركيز. غير أن المرأة الجزائرية أثبتت قدرتها على النجاح في أكثر من مجال، متى توفرت لها الإرادة والتنظيم.

11_ إلى الشباب الذين يمتلكون مواهب إبداعية ولكنهم يخشون الانخراط في عالم النشر بسبب التزاماتهم المهنية أو العلمية؛ ماذا تقولين لهم بناءً على تجربتك الشخصية؟

أقول لهم إن الموهبة وحدها لا تصنع كاتباً، كما أن الانشغال بالعمل أو الدراسة لا ينبغي أن يكون سبباً لدفن الأحلام. فمن خلال تجربتي الشخصية، أدركت أن الإبداع لا يتعارض مع النجاح المهني، بل يمكن أن يكون امتداداً له ومصدراً لإثرائه. لذلك لا تنتظروا الظروف المثالية أو الوقت الكامل للتفرغ، لأن الإبداع ينمو بالاستمرارية لا بالانتظار. اصنعوا لأنفسكم مساحة؛ وابدؤوا بخطوات صغيرة وثابتة، اقرؤوا كثيراً، واكتبوا بانتظام، اجتهدوا وثابروا من أجل أن تمنحوا مواهبكم فرصة حقيقية للتطور. فكل نص عظيم بدأ بفكرة صغيرة تجرأ صاحبها على منحها فرصة للحياة.

12_ كلمة أخيرة؟

أشكركم على هذه الأسئلة الثرية وهذه الالتفاتة الراقية التي تفتح جسور الحوار بين العلم والأدب. وأتمنى أن تجد كتاباتي دائماً طريقها إلى قلوب وعقول القراء، لنواصل معاً رحلة البحث عن الإنسان وفهم أعماقه.

قد يعجبك ايضا