الكبير الداديسي
لــولا المعلم ما قرأت كتابـــاً ******* يوما ولا كتب الحروف يراعي
فبفضله جزت الفضاء محلقا ******* وبعلمه شق الظلام شعاعي
ولأن معلما هذه صفاته وفضائله ، فإنه حظي بمكانة هامة عند الشعراء، فدعوا إلى تحيته والوقوف تقديرا له لأنه باني الحياة ، وسيد الدنيا ، قال شاعر:
حيُّوا المعلمَ ما دامتْ عزائمُــــــــهُ ×××××××××××× تبني الحياةَ وفيها المجدُ يُغتنَـــمُ
هو المنارُ إلى الدنيا وسيِّدُهـــــا ورائدُ الركبِ في التعليمِ والعَلـــمُ
لكن، مقابل ذلك الزخم الهائل من الأشعار والأقوال المأثورة في فضل المعلم ، يلاحظ أن مادية العصر،وتخلي المعلم عن رسالته النبيلة ، وجريه وراء الماديات في عصر يعاني أزمة قيم كل ذلك وغيره جعل عامة الناس ، وخاصتهم ، ومنهم الشعراء طبعا، يغيرون من نظرتهم للمعلم ، فغدا محط سخرية و تهكم ، ينظرون إلى كل الفاعلين في التعليم باستصغار يصفون المهنة باحتقار ، فبعدما كان الأطفال المتعلمين بتطلعهم رمزا للبراءة، أضحى عدد من الشعراء يرون فيهم موزا للبلادة فها هو شاعر يرى فيهم بهائم يستحيل تعليمها ، والمعلم يقف عاجزا عن أداء مهمته يستجدي عطف الناس لأن تعليم البهائم فوق طاقته وهو مجرد بشر وليس رسولا يقول:
دَفَعُوا إليْه بهائِمًا وَعُجُولا ×××××× ليُقيمَ مِنها أنْفُسًا وَعُقُولا
يا قَوْمُ رفقًا بالمعــــلِّمِ إنَّهُ ×××××× مِنْ جِنْسِكُمْ بَشرٌ وَليْسَ رَسُولا
وذاك شاعر آخر يرى في التلميذ المتعلم حمارا لأنه لايستوعب ما يعلمه إياه المعلم فيخطئ في تطبيق القواعد اللغوية يقول :
فأرى “حمارا” بعد ذلك كله ×××× رفع المضاف إليه و المفعولا
ولم تقتصر هذه النظرة على الشعراء بل تسللت إلى المعلمين أنفسهم ، فأمسوا يحتقرون مهنتهم ، ويعتبرونها مصدر مشاكلهم ، وسبب تعاستهم تدفع بعضهم إلى الانتحار ، وهذا المعلم والشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان ( ولد في نابلس بفلسطين في 1905م و توفي في الثاني من ماي سنة 1941م). يعارض قصيدة أحمد شوقي ، فلنستمع إليه كيف جعل من وظيفة التعليم أم المصائب منتقدا تعظيم شوقي لشأن لمعلم يقول:
شوقي يقول وما درى بمصيبتي: ×××× “قم للمــــعلم وفّه التبجيلا”
ويكاد يقلقني”الأمير” بقوله: ×××××× “كاد المعلم أن يكون رسولا”
لو جرّب التعليم شوقي ساعة ×××××× لقضى الحياة شقاوة وخمولا
حســــب المعـــلم غمة وكآبة ×××××× مرأى الدفــــاتر بكـــــرة وأصيلا
مئة على مئة إذا هي صلحت ×××××× وجد العمى نحو العيون سبيلا
ولو أنّ في التصليح نفعا يّرتجى ×××××× وأبــــيك لم أك بالعـــيون بخيلا
لكن أصلح غلطة نـــحوية ×××××× مثلا وأتخذ “الكتاب” دليلا
مستشهدا بالغر من آته ×××××× أو”بالحديث” مفصّلا تفصيلا
وأكاد أبعث “سيبويه” من البلى ×××××× وذويه من أهل القرون الأولى
فأرى “حمارا” بعد ذلك كله ×××××× رفع المضاف إليه والمفعولا
لا تعجبوا إن صِحت يوما صيحة ×××××× ووقعــت بيــن”البنوك” قــتيلا
وهي نظرة تعكس الإحباط الذي أصبح يعيشه المعلم، وكيف تحول بين عشية وضحاها من شبيه الرسل وباني الحياة و ضامن ومكرس القيم الكل مقتنع ويقسم أن لا قيم في المجتمع بدون معلم:
عهداً قطعنا على علمٍ بأنفسنِـــــــــــا ×××××× لولا المعلمُ ما دامتْ لنا قيـــــــــــــمُ
إلى رمز التعاسة والمعذبين في الأرض ويكفيه غما أنه يقضي حياته في تصحيح ومطالعة دفاتر لا يستفيد منها شيئا:
حســــب المعـــلم غمة وكآبة ×××××× مرأى الدفــــاتر بكـــــرة وأصيلا
لكن رغم كل ذلك يكاد يتفق معظم الشعراء على أن في احتقار المعلم تهديدا صارخا وخطيرا لمستقبل المجتمعات العربية، مادام التطاول على المعلمين تمهيدا لسيادة الفساد والجهل ومن تم غياب الأمن وصفاء العيش كما يقول الشاعر :
ما كانَ إلا أباً للنشءِ محتضنـــــــــاً ×××××× لِمَ التطاولُ والبهتانُ والتهــــــــــــــــــــمُ
إنَّ المعلمَ إنْ حُطَّتْ مكانتـُــــــــــهُ ×××××× سادَ الفسادُ وكانَ الجهلُ والنقــــــــــــمُ
وَعُكِّرَ الأمنُ في الدنيا وزخرفها ×××××× لا العيشُ يصفو ولا ساغتْ به اللقــــــــــــمُ
وهذا شاعر آخر يستنكر احتقار المعلمين ورجال العلم فيرى أن لا خير يرجى من بلاد المعلم فيها محتقر، عند قوله :
من بات يبني صروح العلم يرفعها ×××××× يسومه الكل طعنا ثم يصطبر
قل للأساتيذ أنتم كنز أمتنـــــــــــا ×××××× بئس البلاد بها الأستاذ يحتقر
وأنه مهما قدم للمعلمين فلن يوفاهم حقهم ، ولن تجزى مآثرهم :
معلمَ العلمِ هل تُجزى مآثرُكــــم ×××××× وأنتَ تمحو ما قد أبلى وتبتسـمُ
في الختام يتضح إذن أن هناك تغييرا جذريا في منظومة القيم، ساهم فيه مادية العصر وعولمة القيم وتعدد الوسائط ، مما غير في نظرة الناس لعدد من الثوابت ومن ضمنها نظرتهم للمعلم الذي لم يعد مصدر المعرفة الوحيد ، بل يبدو للناس أن ما يقدمه المعلم في عالمنا العربي متجاوزا فطرقه عتيقة ووسائله متهالكة، فلا غرو إن جعلوه موضوع النكتة ورمزا للقيم البالية المتجاوزة ، فأثر ذلك على نفسية المعلم ووظيفته بعد أن سحبوا منه رسالة التربية وقصروا عمله في التلقين والتعليم، وبعدما كان يشكل القدوة، ويشعر بقداسة الرسالة التربوية أصبحت مهنة التعليم تشعره بتفاهته. وربما استساغ الذوق العام هذه النظرة الدونية الذي حولت المعلم لمجرد مدرس بوظيفة محدودة جدا في تلقين مواضيع جافة بعيدة عن الواقع والحياة اليومية، لذلك طبيعي أن يصبح ذلك المدرس ضحية العنف والاعتداء بالسلاح من تلامذته أمام تهليل زملائهم الذين يفترض فيهم أن يقدسوه ، دون أن يوجد في هذا المجتمع من ينبه لخطورة احتقار المعلم ف(بئس بلاد بها الأستاذ محتقر)