أربيل – التآخي
في لقاء جمعه مع مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق، في مكتبه بقصر المؤتمرات بأربيل، قدّم الإعلامي في قناة الجزيرة، علي الظفيري، قراءة معمقة لشخصية بارزاني وللمسار السياسي والاقتصادي لاقليم كوردستان. ووصف الظفيري بارزاني بأنه “رجل مهذب ودمث الأخلاق”، مشيراً إلى أنه يخفي خلف ابتسامته ولطفه صلابة شديدة ورثها عن جده القائد العسكري ملا مصطفى بارزاني.
واستذكر الظفيري التاريخ العسكري للعائلة، وتحديداً رحلة الجد ملا مصطفى بارزاني الذي انتقل بـ500 مقاتل من جمهورية مهاباد بعد سقوطها، مخترقاً الجبال وتحت مرمى النيران وصولاً إلى الاتحاد السوفياتي، في رحلة دامت قرابة 50 يوماً، وصفها الظفيري بأنها “تستحق أن تكون فيلماً سينمائياً يحكي الشجاعة والخيبة والأمل في آن واحد” .
وأوضح الظفيري أن مسرور بارزاني، الذي ينتمي للجيل الثالث للأسرة الحاكمة وهو ابن الزعيم الكوردي البارز مسعود بارزاني، يبدو منشغلاً اليوم بملفات الاقتصاد والحوكمة والإصلاحات السياسية والإدارية، مبتعداً عن القضايا التاريخية المعقدة التي يرى أنها قد تعرقل مسيرة النهضة والتقدم.
خلال اللقاء، لاحظ الظفيري في حديث مسرور بارزاني اعتزازاً لافتاً بالهوية الكوردية، يترافق مع حالة تصالح مع المحيط العراقي والعربي والتركي والإيراني، معبراً عن هموم جيل كوردي جديد يصارع من أجل حياة مستقرة وعادلة.
وعن تفاصيل المقابلة، كشف الظفيري أن مسرور بارزاني، الذي ولد في تخوم أربيل ونشأ في إيران وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة، اعتذر عن مواصلة الحديث باللغة العربية -رغم إلحاح الظفيري في البداية- نظراً لعدم إتقانه التعبير بها عن الأفكار المركبة بسبب نشأته بعيداً عن المحيط العربي. وبينما أراد مسرور بارزاني التحدث بالكوردية، تم الاتفاق على إجراء الحوار باللغة الإنجليزية لضمان دقة الترجمة ونقل التصريحات، وهو ما فسر التساؤلات حول عدم استخدامه العربية أو الكوردية في ذلك اللقاء.
أكد الظفيري أن رئيس حكومة إقليم كوردستان يفكر “وفق سقف الاتحاد والفدرالية” التي تجمعه بالعراق، مع تركيزه على أن يكون الكورد مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، دون تهميش. وأشار إلى أن مسرور بارزاني يشخص المشكلة الكبرى مع الحكومة الاتحادية في “الفهم العميق للفكرة الفدرالية والإيمان بها”، خاصة في ملفات المادة 140 وقانون النفط والغاز، مؤكداً أن الاستقرار في بغداد ينعكس إيجاباً على أربيل.
تطرق الظفيري في مقاله إلى التعداد السكاني للكورد الذي يتراوح بين 40 و50 مليوناً، موزعين بين تركيا (20-30 مليوناً)، إيران (10 ملايين)، ثم العراق وسوريا. ورصد تقدماً نوعياً في فهم الأطراف الأخرى للمسألة الكوردية، مستشهداً بتمثيل الكورد في البرلمان التركي عبر حزب العدالة والتنمية بنسبة 10-15%، وقانون عملية السلام الأخير.
كما أشار إلى المعطيات القادمة من سوريا مع الرئيس أحمد الشرع، والتي تمنح إشارات لتجاوز مظالم الماضي، مؤكداً أن العلاقة في العراق بين كافة المكونات قطعت شوطاً كبيراً من التكامل رغم بعض الشوائب العالقة.
عرج الظفيري على الإخفاقات التاريخية، مستذكراً إعلان القاضي محمد عن جمهورية مهاباد في ساحة المشاعل الأربعة، وكيف تحولت تلك الساحة بعد 11 شهراً فقط إلى مشنقة له ولرفاقه بعد تخلي السوفييت عنهم، مما عكس صعوبة تحقق الهدف المنشود تاريخياً.
إلا أن الظفيري شدد على أن ما لمسه في أربيل اليوم يختلف؛ حيث يتحول الإقليم الفدرالي إلى “ركيزة استقرار” وليس مصدر توتر. وأكد أن نجاح “النموذج الكوردي” في الإدارة والاقتصاد جذب مئات الآلاف من العراقيين العرب للاستقرار والاستثمار في مدن إقليم كوردستان، مما يدل على سلامة الرهان على فكر الجيل الجديد الذي يمثله مسرور بارزاني.
وختم علي الظفيري نصه بالتساؤل حول مدى فهم العرب للكورد والعكس، مستحضراً كلمات الشاعر محمود درويش: “ليس للكوردي إلا الريح تسكنه ويسكنها، وتدمنه ويدمنها، لينجو من صفات الأرض والأشياء”. وخلص إلى أن الإيمان بالمساواة والحقوق للجميع هو السبيل الوحيد ليزدهر الحقل من أقصاه لأقصاه.