حين كنتَ ChatGPT لصديقي وكان هو Gemini… كانت المعرفة

د.فیصل صادق توفیق​

حين كنتَ ChatGPT لصديقي، وكان هو Gemini، لم تكن المسألة في حقيقتها منافسة بين برنامجين، ولا مقارنة بين نموذجين من نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما كانت تفتح أمامي سؤالا أقدم بكثير من كل هذه التكنولوجيا الا وهو كيف يعرف الإنسان؟ ومن أين تأتي المعرفة؟ وهل كثرة ما نعرفه تعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر فهما؟

وربما لأنني عشت زمنا (لیس ببعید) كانت فيه المعرفة تسير على مهل، فإنني كلما رأيت اليوم سؤالا يطرح على الذكاء الاصطناعي فتأتي الإجابة خلال ثوان، أتذكر أنا وصديقًا لي، وكيف كنا نقضي وقتا طويلا في نقاش قد يبدأ من فكرة صغيرة وينتهي بنا إلى عشرات الأسئلة. لم يكن يومها ChatGPT ولا Gemini، ولم تكن الإجابة تسكن في شاشة الهاتف، كان لدينا كتاب، وكان لدينا سؤال، وكان لدينا وقت طويل لنختلف. كنا نبدأ النقاش من عبارة بسيطة، فيقول أحدنا: أعتقد أن الأمر كذلك. فيسأل الآخر: ولماذا؟ ثم تبدأ الرحلة. نفتح كتابا، ونبحث عن رأي آخر، ونعود إلى النقاش، وربما نكتشف أن أحدنا لم يكن على صواب. وأحيانا كان النقاش يمتد إلى اليوم التالي، فنعود وقد حمل كل منا حجة جديدة يريد أن يضعها على الطاولة.

لم نكن نعرف آنذاك أننا كنا نمارس، بصورة عفوية، شيئا يشبه أقدم تقاليد التفكير الفلسفي: السؤال، والفحص، والنقد، ثم العودة إلى الفكرة مرة أخرى. ولعل هذا هو أول ما ينبغي أن نتعلمه عن المعرفة: أنها لا تبدأ من الإجابة، وإنما من السؤال.

ففي روايات أفلاطون لحوارات سقراط، لا يظهر سقراط باعتباره رجلا يملك الإجابات الجاهزة بقدر ما يظهر بوصفه من يدفع الآخرين إلى فحص ما يعتقدون أنهم يعرفونه. وفي «الدفاع» يقر سقراط، بمعنى قريب من ذلك، بحدود معرفته، في مقابل أولئك الذين يظنون أنهم يعرفون وهم عاجزون عن تبرير ما يدّعونه. ولهذا ارتبط اسمه في الثقافة الفلسفية بفكرة الاعتراف بالجهل بوصفه بداية للحكمة، وإن كانت الصيغة الشائعة «أنا أعرف أنني لا أعرف شيئا» ليست اقتباسا حرفيا دقيقا من النص الأفلاطوني، وهذه الفكرة في نظري أعظم مما تبدو عليه. فالإنسان لا يصبح فقير المعرفة لأنه لا يعرف كل شيء؛ بل يصبح فقير الفكر عندما يعتقد أنه يعرف كل شيء والعقل الذي يقول «ربما أكون مخطئًا» يظل مفتوحًا على التعلم، أما العقل الذي يقول «لا يمكن أن أكون مخطئًا» فقد أغلق الباب على نفسه، حتى لو كان يحمل عشرات الشهادات ومئات الكتب.

ولذلك كان السؤال الذي كنا نطرحه على بعضنا، ونحن نتجادل في تلك الأيام البعيدة عن الذكاء الاصطناعي، أهم من الإجابة نفسها: ما دليلك؟ وقد يبدو السؤال بسيطا لكنه يغيّر طريقة التفكير كلها فعندما تقول «هذا صحيح» شيء، وأن تعرف لماذا هو صحيح شيء آخر. وهنا يأتي ديكارت، الذي جعل من الشك المنهجي وسيلة لإعادة بناء المعرفة على أساس أكثر صلابة لم يكن شكه دعوة إلى إنكار كل شيء، وإنما كان محاولة للتخلص من المعتقدات التي لا يملك الإنسان بشأنها يقينا كافيا، ثم البحث عما يستطيع أن يقف أمام الاختبار. وهكذا يصبح الشك، paradoxically، طريقا إلى المعرفة لا عدوا لها. وربما كنا نمارس شيئا قريبا من ذلك دون أن نعرف اسمه، فلم نكن نرفض الفكرة لأننا نريد رفضها وإنما لأننا نريد أن نعرف إن كانت قادرة على الصمود أمام السؤال. ثم نعود إلى الكتاب، ثم إلى كتاب آخر، ثم إلى رأي ثالث. وفي النهاية قد لا ينتصر أحدنا على الآخر، لكننا نعود ونحن نعرف أكثر مما كنا نعرفه قبل النقاش. وهذه ربما إحدى أجمل وظائف الحوار: أن لا يكون الهدف منه أن تجعل الآخر يخسر، وإنما أن تجعل الطرفين يخرجان بفهم أوسع ومن هنا يمكن أن نفهم قيمة فكرة كانط عن التنوير؛ فالإنسان، في نظره لا يتحرر فكريا بمجرد أن تتوافر له المعلومات، وإنما عندما يمتلك الشجاعة لاستخدام عقله بنفسه. وشعاره الذي اختصر به مشروع التنوير هو «تجرأ على استخدام عقلك»، وما أكثر حاجتنا إلى هذه الفكرة اليوم. ففي الماضي كان الإنسان قد يستسلم لما يقوله كتاب أو أستاذ او شیخ أو رجل ذو سلطة فكرية، أما اليوم فقد يستسلم لما تقوله الشاشة أو ما تقترحه الخوارزمية أو ما تنتجه الآلة. تغيرت الوسيلة، لكن الخطر نفسه بقي: أن يتوقف الإنسان عن التفكير بنفسه.

لقد انتقلنا من عصر كان فيه الوصول إلى المعلومة صعبا إلى عصر أصبحت فيه المعلومة تحاصرنا من كل جانب وهنا حدث تحول عجيب، في الماضي كان السؤال: أين أجد المعلومة؟ أما اليوم فأصبح السؤال الأصعب: كيف أعرف أن المعلومة التي وجدتها صحيحة؟ وهذا هو الفارق بين المعلومة والمعرفة. المعلومة تخبرك بأن شيئًا ما قيل أو حدث، أما المعرفة فتدفعك إلى فهمه والتحقق منه وربطه بسياقه، ومقارنته بما تعرفه من قبل. ثم تأتي مرحلة أبعد وهي الحكمة، عندما تعرف ماذا تفعل بما عرفت. ولهذا يمكن لإنسان أن يحفظ آلاف المعلومات ولا يكون واسع الفكر، ويمكن لآخر أن يعرف أقل لكنه يمتلك قدرة أكبر على الفهم والتمييز. ومن هنا أتذكر كارل بوبر، الذي جعل نقد الأفكار واختبارها جزءا أساسيا من نمو المعرفة. فالنظرية لا تصبح قوية لمجرد أن لدينا أدلة تؤيدها؛ بل تصبح أكثر صلابة عندما تستطيع أن تصمد أمام محاولات جادة لاختبارها ونقدها.

وهذا درس يبدو لي شديد الأهمية في عصر الذكاء الاصطناعي حين تعطينا الآلة جوابا مقنعا، لا ينبغي أن يكون سؤالنا فقط : هل يبدو هذا صحيحا؟ بل ينبغي أن نسأل: ما مصدره؟ هل توجد أدلة أخرى؟ هل هناك تفسير مختلف؟ ما حدود هذه الإجابة؟ وهل يمكن أن تكون الآلة قد أخطأت؟ فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنحنا جوابا بسرعة مذهلة، لكنه لا يعفينا من مسؤولية الحكم على الجواب وهنا تغيرت طبيعة المشكلة فلم تعد المشكلة أن المعرفة بعيدة. أصبحت المشكلة أن المعرفة مختلطة بالضجيج لم تعد المعلومة نادرة، بل أصبح من الصعب أحيانًا تمييز المعلومة من الرأي، والرأي من الدعاية، والحقيقة من الانطباع، والمصدر من الادعاء. ولهذا فإن توسيع الفكر لا يكون بكثرة القراءة وحدها، وإنما بنوعية القراءة أيضًا. أن تقرأ ما يوافقك، ثم تقرأ ما يخالفك، أن تستمع إلى من يختلف معك دون أن تعتبر الاختلاف إساءة، أن تدخل إلى التاريخ لكي تفهم الحاضر، وإلى الفلسفة لكي تفهم حدود أفكارك، وإلى القانون لكي تفهم النظام، وإلى السياسة لكي تفهم المصالح، وإلى الأدب لكي تفهم الإنسان. فالعقل لا يتسع عندما نملؤه بالمعلومات فقط، وإنما عندما نضع المعلومات المختلفة في حوار مع بعضها. وربما لهذا السبب كنت أرى في نقاشاتنا القديمة شيئًا جميلًا نفتقده أحيانًا اليوم. كنا نختلف لأن الوصول إلى الحقيقة كان يحتاج منا إلى جهد. أما اليوم فقد يستطيع كل واحد منا أن يسأل الآلة عن رأيه، ثم يحصل على إجابة تؤيده وهنا يكمن خطر جديد قد يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة لتوسيع الفكر إلى وسيلة لتأكيد ما نريد أن نسمعه. إذا سأل الإنسان سؤالا منحازا، فقد يحصل على إجابة تخدم انحيازه، وإذا بحث فقط عما يؤكد قناعته، فلن تساعده كثرة المعلومات على التحرر منها. ولهذا لا تكمن قيمة الذكاء الاصطناعي في أن يفكر بدلا منا، وإنما في أن يساعدنا على التفكير بصورة أفضل، وأن يفتح لنا أبوابا لم نكن نراها، وأن يعرض علينا وجهات نظر لم نفكر فيها، وأن يختبر معنا الفكرة بدل أن يكون مجرد آلة لإنتاج الإجابات. وهنا تعود ذاكرتي إلى صديقي، كان أحدنا يقول: هذا ما وجدته في الكتاب. فيرد الآخر: لكن ماذا يقول الكتاب الآخر؟ ثم يأتي السؤال الذي كنا نعود إليه دائما: وما دليلك؟

اليوم يمكننا أن نطرح السؤال نفسه على ChatGPT أو Gemini. لكن الفرق أن الآلة تستطيع أن تختصر علينا ساعات البحث، ولا تستطيع أن تختصر علينا مسؤولية التفكير وهذه، في رأيي، هي النقطة التي ينبغي ألا نغفل عنها في عصر الذكاء الاصطناعي. فكلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على الإجابة، أصبح الإنسان أكثر حاجة إلى القدرة على السؤال. وكلما أصبحت المعلومات أكثر وفرة، أصبح الإنسان أكثر حاجة إلى التمييز. وكلما أصبحت الإجابات أسرع، أصبح التمهل في التفكير أكثر قيمة. وكلما اقتربت الآلة من محاكاة الذكاء، أصبح علينا أن نسأل أنفسنا بصورة أعمق: ماذا نريد من ذكائنا نحن؟ هل نريد أن نعرف أكثر فقط؟ أم نريد أن نفهم أكثر؟ هل نريد أن ننتصر في النقاش؟ أم نريد أن نصل إلى الحقيقة؟ هل نريد أن نثبت أننا على حق؟ أم نملك الشجاعة لأن نقول: كنت مخطئًا؟ ربما تكون هذه الأخيرة هي أصعب مراحل المعرفة، أن تعرف أن الخطأ ليس عارًا، أن تتراجع عندما يظهر لك الدليل. أن تغير رأيك عندما تتغير معرفتك، أن لا تجعل أفكارك جزءا من كبريائك إلى الدرجة التي تمنعك من مراجعتها. فالإنسان الذي يتعلم لا ينبغي أن يخاف من تغيير رأيه؛ لأن ثبات العقل ليس في أن يبقى على الفكرة نفسها مهما تغيرت الظروف والأدلة، وإنما في أن يبقى وفيا للحقيقة التي يبحث عنها. ولهذا فإن المعرفة الحقيقية لا تجعل الإنسان متعاليا، بل أكثر تواضعا كلما قرأ أكثر، اكتشف كم بقي عليه أن يقرأ، وكلما عرف أكثر أدرك اتساع ما لا يعرفه. وكلما اقترب من الحقيقة، اكتشف أنها ليست نقطة يصل إليها وينتهي كل شيء بعدها، وإنما أفق يتقدم معه كلما تقدم.

وربما لهذا كله، حين أفكر اليوم في العبارة التي بدأت بها: «حين كنتَ ChatGPT لصديقي، وكان هو Gemini»، أجد أنها ليست قصة عن ChatGPT ولا عن Gemini.إنها قصة عن الإنسان. عن ذلك الإنسان الذي كان يجلس مع صديقه قبل عصر الذكاء الاصطناعي، فيختلفان حول فكرة، ويفتحان كتابا، ويبحثان عن دليل، ويعود كل منهما في اليوم التالي بفكرة جديدة. ثم جاء عصر أصبحت فيه الإجابة على بعد سؤال. لكن السؤال بقي كما هو. والحقيقة بقيت كما هي والإنسان بقي هو المسؤول عن أن يميز بينهما. لقد تغيرت أدوات المعرفة، لكن جوهر المعرفة لم يتغير. كان لدينا الكتاب، ثم جاءت المكتبة الإلكترونية، ثم محركات البحث، ثم الذكاء الاصطناعي، تغيرت السرعة، تغيرت الوسيلة، تغير شكل الوصول. لكن الإنسان ما زال يقف أمام السؤال نفسه الذي وقف أمامه سقراط قبل أكثر من ألفي عام: ماذا أعرف؟ وكيف أعرف أن ما أعرفه صحيح؟ وربما يكون هذا هو أجمل ما يمكن أن نتعلمه من رحلتنا الطويلة مع المعرفة: أن لا نخاف من السؤال، ولا نخجل من الجهل، ولا نتكبر على المراجعة، ولا نخلط بين امتلاك المعلومة وامتلاك الحقيقة. فالمعرفة ليست أن تمتلك إجابة عن كل سؤال. وليست أن تحفظ أكثر من الآخرين، وليست أن تنتصر في كل نقاش.

المعرفة أن يصبح عقلك قادرا على السؤال، وأن يصبح ضميرك قادرا على الاعتراف بالخطأ، وأن يصبح فكرك قادرا على رؤية أكثر من زاوية، وأن تصبح تجربتك قادرة على تحويل ما تعلمته إلى حكمة. وحينها فقط، ربما نفهم أن أجمل ما في المعرفة ليس أنها تجعلنا نعرف أكثر، وإنما أنها تجعلنا أكثر إنسانية، وأكثر تواضعا، وأكثر قدرة على فهم العالم والآخرين وأنفسنا. ولهذا، إذا كان الذكاء الاصطناعي قد جعل الوصول إلى المعرفة أسرع، فعلينا نحن أن نجعل الوصول إلى الحكمة أعمق. فالآلة تستطيع أن تجيب لكن الإنسان هو الذي يسأل، والآلة تستطيع أن تجمع المعلومات لكن الإنسان هو الذي يمنحها معناها. والآلة تستطيع أن تقترح علينا الطريق لكن الإنسان هو الذي يقرر إلى أين يريد أن يصل. وربما كان ذلك هو الفارق الذي سيبقى بين الإنسان والآلة مهما تطورت الآلات: فأن المعرفة ليست في أن تعرف كل شيء، بل في أن تعرف ماذا يستحق أن تعرف، ولماذا، وماذا ستفعل بما عرفت. وفي نهاية الأمر، ربما لم يكن أعظم ما تعلمناه أنا وصديقي من تلك النقاشات القديمة هو أننا كنا نعرف أكثر من بعضنا. بل أننا تعلمنا شيئا أبقى: وهو أن الحوار الذي لا يغير شيئا في عقلك لم يكن حوارا كاملا، والكتاب الذي لا يفتح في عقلك سؤالا جديدا لم تقرأه حقًا، والمعرفة التي لا توسع نظرتك إلى الحياة لم تتحول بعد إلى فكر.

وهكذا، من سقراط إلى ديكارت، ومن كانط إلى بوبر، ومن الكتاب إلى الإنترنت، ومن السؤال القديم إلى ChatGPT وGemini، تستمر الرحلة نفسها: إنسان يسأل، ثم يبحث، ثم يشك، ثم يتعلم، ثم يكتشف أن كل إجابة حقيقية ليست نهاية الطريق… وإنما بداية لسؤال أعمق. تلك هي المعرفة. أن لا تخرج من السؤال كما دخلته.

قد يعجبك ايضا