نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس كل مستشرقٍ يجيء إلى الشرق باحثاً عن أطلال أو مخطوطات أو مادة يضيفها إلى خزائن المعرفة في بلاده؛ فبعضهم تجاوز حدود البحث الأكاديمي إلى اختبار المكان والإنسان والروح، وكان المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون ( 1883- 1962 ) واحداً من أكثر هؤلاء إثارةً للاهتمام. فقد تحولت علاقته بالعراق والإسلام والتصوف، بمرور الزمن، من اهتمام علمي إلى تجربة إنسانية وفكرية وروحية عميقة، ظل أثرها ملازماً له حتى نهاية حياته.
ومن هذا الباب جاءت قراءتي لتجربة ماسينيون لأنها لا تقدم لنا المستشرق الفرنسي بوصفه باحثاً في التاريخ الإسلامي وحسب، وإنما تكشف لنا عن إنسانٍ قادته المصادفات والأزمات والرحلات إلى اكتشاف عالم روحي لم يكن غريباً تماماً عن جذوره المسيحية.
ولد ماسينيون سنة 1883 في فرنسا، ونشأ في بيئة عائلية متباينة المشارب الفكرية والدينية. كان والده قريباً من الفكر التنويري، فيما كانت والدته أكثر ارتباطاً بالقيم المسيحية المحافظة. ولعل هذا التكوين المتناقض أسهم، في وقت لاحق، في تشكيل شخصيته الباحثة عن منطقة مشتركة بين الأديان والثقافات، وهي المنطقة التي ستقوده إلى دراسة الإسلام والتصوف، ثم إلى التوقف طويلاً عند شخصيتي سلمان الفارسي والحسين بن منصور الحلاج.

لكن العراق لم يكن بالنسبة إلى ماسينيون مجرد محطة في رحلة استشراقية. لقد ترك المكان أثره في وعيه، كما تركت بغداد والكوفة والبصرة والمدائن آثارها في مشروعه العلمي. ففي رحلته إلى العراق، ارتبط اهتمامه بالآثار والتاريخ بدراسة المجتمع واللغة واللهجات، فاقترب من بغداد لا بوصفها مدينةً قديمة فحسب، وإنما بوصفها نصاً مفتوحاً تتداخل فيه الحضارات والأديان واللغات والذاكرة الشعبية.
وتزداد تجربته العراقية دلالة حين نتوقف عند حادثة اعتقاله في طريق عودته من جنوب العراق. فقد وجد نفسه، وهو في حالة مرض وإرهاق وتحت تهديد الموت، أمام تجربة قاسية جعلته يختبر العراق من موقع مختلف تماماً: موقع الإنسان الغريب الذي يحتاج إلى النجدة، لا موقع الباحث الذي يراقب الأشياء من الخارج.
وفي سلمان باك، بالقرب من بقايا المدائن وطاق كسرى، حدث التحول الأكثر رمزية في حكايته. هناك، وسط المكان الذي تختلط فيه طبقات التاريخ الفارسي والعربي والإسلامي، وجد ماسينيون نفسه أمام مشهد إنساني وروحي بسيط: صوت الربابة، وهديل حمامة، وذاكرة سلمان الفارسي، وكرم الضيافة العربية. وفي تلك اللحظة بدا له أن المكان لا يتحدث بلغة الآثار وحدها، وإنما بلغة الروح أيضاً.
لقد كان سلمان الفارسي بالنسبة إلى ماسينيون نموذجاً للإنسان الباحث عن الحقيقة، الإنسان الذي غادر موطنه الأول بحثاً عن يقين يتجاوز الحدود الجغرافية والقومية. ولذلك لم يكن غريباً أن ينجذب إليه ماسينيون، وهو القادم من خلفية مسيحية والمشغول منذ وقت مبكر بأسئلة الدين والروح والتجربة الإنسانية.
ومن هنا يمكن فهم انتقاله التدريجي إلى دراسة التصوف الإسلامي، ولا سيما تجربة الحلاج. فقد وجد في التصوف مساحةً واسعة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والخالق، وفي مفاهيم المحبة والفناء والزهد والتضحية. كما رأى في بعض التجارب الصوفية الإسلامية امتدادات أو أصداء لمفاهيم روحية عرفتها المسيحية، من دون أن يعني ذلك إلغاء الفوارق الجوهرية بين التجربتين.
وكان الحلاج، تحديداً، الشخصية التي استحوذت على اهتمامه بصورة استثنائية. فقد أمضى سنوات طويلة في دراسة حياته ومحيطه الاجتماعي والفكري، وتتبع نصوصه وأشعاره ومواقفه، محاولاً فهم الرجل بعيداً عن الأحكام السريعة التي جعلت منه، عبر التاريخ، إما قديساً أو زنديقاً. لقد أراد ماسينيون أن يرى الإنسان الموجود خلف الأسطورة، والمفكر خلف الاتهام، والصوفي خلف المأساة.
وهنا تكمن أهمية تجربته؛ فهو لم يدرس الحلاج بوصفه شخصيةً غريبة عن الإسلام، وإنما حاول فهمه من داخل السياق الإسلامي نفسه، مستعيناً باللغات والمصادر والمخطوطات والروايات التاريخية. ومن خلال ذلك تحولت دراسة الحلاج لديه إلى مشروع فكري وروحي طويل، تجاوز حدود الاستشراق التقليدي.
ومن اللافت أيضاً أن ماسينيون لم يحصر اهتمامه بالعراق في التصوف وحده، بل انصرف إلى دراسة المدن واللغة والجغرافيا التاريخية، وخصوصاً بغداد ولهجاتها، والكوفة والبصرة وخططهما وأدوارهما في نشأة الحضارة العربية الإسلامية. وقد أفادت أبحاثه اللاحقة باحثين ومؤرخين اهتموا بتاريخ هذه المدن وتحولاتها الحضارية.
وكان تواصله مع العلماء والمثقفين والمؤرخين في العراق وبلاد الشام ومصر جزءاً من هذا المشروع الواسع. فقد كان يرى أن دراسة الشرق لا يمكن أن تتم من خلال الوثيقة وحدها، بل تحتاج إلى الاقتراب من أهله، والاستماع إلى لغتهم، ومعرفة عاداتهم، والاطلاع على خزائن مخطوطاتهم، وفهم الطريقة التي ينظرون بها إلى تاريخهم.
ولذلك فإن ماسينيون يمثل نموذجاً مختلفاً للاستشراق؛ ليس لأنه كان خالياً من المنطلقات الأوروبية التي حكمت جانباً من الدراسات الاستشراقية في عصره، وإنما لأنه تجاوز في كثير من أعماله النظرة الخارجية الجامدة، وانخرط بصورة عميقة في دراسة التراث الإسلامي، حتى أصبح الحلاج وسلمان والقرآن والتصوف جزءاً من عالمه الفكري والروحي.
ويكتسب أهمية المكان بالنسبة لماسينيون من أنه لا يفصل عن المكان العراقي. فالمكان هنا ليس خلفية للأحداث، بل شريك في صناعة التجربة. سلمان باك ليست مجرد قرية تضم مرقد سلمان الفارسي، والمدائن ليست مجرد أطلال، وطاق كسرى ليس حجراً باقياً من إمبراطورية سابقة؛ إنها كلها طبقات من ذاكرة العراق، تتجاور فيها الحضارات وتتداخل فيها الأديان وتتعاقب فيها الأزمنة.
ولعل أجمل ما في حكاية ماسينيون أن لحظة روحية صغيرة ــ هديل حمامة في مكان عابر ــ استطاعت أن تترك في نفسه أثراً أكبر من كثير من الكتب والمخطوطات. وهذا يذكرنا بأن المعرفة لا تولد دائماً من المكتبة أو الجامعة؛ أحياناً تولد من الطريق، ومن لقاء إنسان، ومن محنة، ومن مشهد طبيعي، ومن صوت عابر لا ندرك لحظته أنه سيبقى معنا سنوات طويلة.
فذاكرة المكان لا تخصه وحده؛ إنها تتوارثها الأجيال. الطفل الذي يقف أمام طاق كسرى في ستينيات القرن الماضي.
إن قصة ماسينيون مع العراق، في تقديري، ليست قصة مستشرق مع بلد شرقي، بل قصة إنسان مع مكان استطاع أن يغير شيئاً في داخله. وهذا هو الوجه الأجمل للعراق الذي ينبغي ألا ننساه؛ عراق المدن القديمة، والمكتبات، والمراقد، والمخطوطات، والآثار، والعلماء، والمتصوفة، والشعراء، والغرباء الذين مروا بأرضه ثم حملوا شيئاً منه إلى العالم.
لقد كان ماسينيون يبحث عن الحلاج، وعن سلمان، وعن جذور التصوف، وعن العلاقة بين الإسلام والمسيحية، لكنه وجد نفسه في نهاية المطاف أمام سؤال أكبر: كيف يمكن للإنسان أن يعثر على الحقيقة حين تتجاوز الحقيقة حدود الطائفة واللغة والجغرافيا؟
ولعل هذه هي القيمة الأعمق التي يمكن أن نستخلصها من تجربته. أن الحوار الحقيقي بين الحضارات لا يبدأ من الشعارات، وإنما من معرفة الآخر، والإنصات إليه، والاقتراب من تراثه بعيون الباحث وقلب الإنسان.