التأخي / ساجد الحلفي
في خطوة وُصفت بالتحول النوعي في حماية الإنتاج الصحفي، أعلن المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عن إطلاق بوابة إلكترونية مخصصة للصحفيين المهنيين وناشري الصحف الورقية، تمكّنهم من التصريح بمقالاتهم والحصول على مستحقات النسخ التصويري .
البوابة التي دخلت حيز التنفيذ ابتداء من فاتح أغسطس 2026 عبر الرابط، تأتي ضمن جهود أوسع لإرساء منظومة عادلة تعوّض المبدعين عن استغلال أعمالهم، وتضع حداً لما كان يُعتبر لسنوات «استغلالاً صامتاً» للمحتوى الصحفي .
ولطالما عانى القطاع الصحفي الورقي في المغرب من مفارقة غريبة: فالمقالات التي تُكتب بجهد وتحرير وتحليل تُستنسخ يومياً في الإدارات والمكتبات والجامعات والمقاهي دون أن يعود سنتيم واحد إلى صاحبها .
ويفرض القانون المغربي رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، المعدّل، على مستوردي ومصنعي آلات التصوير والطابعات والمساحات أداء مستحقات تُجمع ثم تُوزع على المؤلفين .
والآن، بعد سنوات من التحضير، أصبح للصحفيين منصة رقمية مباشرة للمطالبة بما لهم .
وأوضحت مديرة المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، دلال محمدي علوي، في تصريحات سابقة أن «المقال الصحفي الذي يحمل طابع الإبداع والتحليل لم يعد مجرد نقل خبر، بل مصنف محمي يستحق تعويضاً». وأضافت أن المرحلة الأولى تستهدف الصحافة الورقية لأنها الأكثر عرضة للنسخ الآلي، مشيرة إلى أن المكتب بدأ تحصيل المستحقات منذ فبراير 2024، وراكم حتى نهاية 2025 ما يقارب ثلاثة مليارات سنتيم مخصصة أساساً لهذا القطاع .
ويعتمد توزيع هذه المستحقات معادلة واضحة: 70 في المئة للصحفي المهني صاحب المقال، و30 في المائة للمؤسسة الصحفية التي نشرته .
ويهدف هذا التقسيم يهدف إلى تحقيق توازن بين حق المبدع الفردي واستثمار المؤسسة. غير أن الاستفادة ليست تلقائية .
ويشترط أن يكون المقال قد نُشر ورقياً، وأن يحمل طابعاً إبداعياً وليس مجرد نقل خبري، وأن يُصرَّح به عبر البوابة الإلكترونية في الآجال المحددة .
وأفاد المكتب أنه تم تحديد جدول زمني لطلبات التسجيل وتسجيل المقالات الصحفية. ستشمل هذه العملية المقالات المنشورة في الأعوام 2024 و2025 و2026 لتسهيل توزيع العائدات لكل عام على حدة .
واختتم المكتب بيانه بحثّ الصحفيين والناشرين على الالتزام بالجدول الزمني المعلن والتقيد بالمواعيد النهائية المحددة .
هذه الجدولة تسمح بتوزيع المستحقات بشكل سنوي ومنظم، وتجنب تراكم الطلبات .
///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////
ودعا المكتب في بلاغه الرسمي كافة الصحفيين الحاملين لبطاقة الصحافة المهنية وناشري الصحف إلى الولوج للمنصة والانخراط والتصريح داخل الآجال، محذراً من أن التأخير قد يعني ضياع الحق في التعويض عن تلك السنة.
وأكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، مراراً أن تفعيل مستحقات النسخ التصويري «خطوة مهمة نحو إرساء آليات عملية لدعم الصحافة الورقية».
وفي سياق أوسع، جاءت هذه المبادرة متزامنة مع تعديلات تشريعية على النظام الأساسي للصحفيين المهنيين وقانون حقوق المؤلف، سعت إلى توسيع تعريف الصحفي المهني وتعزيز حقوقه الاقتصادية والمعنوية، بما في ذلك الحق في الاستفادة من حقوق المؤلف.
وتحمل هذه البوابة دلالات أعمق من مجرد منصة رقمية. أولاً، هي اعتراف رسمي بأن المحتوى الصحفي الإبداعي قيمة اقتصادية وليس مجرد خدمة عمومية. ثانياً، تأتي في وقت تشهد فيه الصحافة الورقية أزمة وجودية بسبب التحول الرقمي وتراجع المبيعات والإعلانات. أي مورد مالي إضافي، ولو محدوداً في البداية، يمكن أن يشكل متنفساً للمقاولات الصحفية وللصحفيين المستقلين على حد سواء. كما تُرسخ البوابة مبدأ «من ينتج يستفيد».
وتضع هذه الخطوة المغرب في موقع متقدم، وترسل رسالة واضحة بأن حماية الملكية الفكرية لم تعد شعاراً بل سياسة.
ويقول محللون إن إطلاق هذه البوابة ليس مجرد إجراء إداري. إنه إعلان بأن زمن «اللصق والنسخ» المجاني يقترب من نهايته، وأن من يكتب ويستثمر في المحتوى يستحق أن يُكافأ. فالصحفي المغربي الذي كان يرى مقاله يُستنسخ عشرات المرات دون مقابل، أصبح الآن قادراً – بضغطة زر – على المطالبة بحقه.