آشتي محمد
كاتبة ومحللة سياسية
في العراق، لا تكمن المشكلة دائماً في قلة الموارد، بقدر ما تكمن في كيفية إدارة هذه الموارد وتوزيعها بشكل عادل. بلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة وإمكانيات اقتصادية وبشرية هائلة، ومع ذلك لا يزال الكثير من المواطنين يبحثون عن فرصة عمل، أو دخل يؤمّن لهم حياة كريمة، أو خدمة أساسية تليق بيهم .
إن هدر المال العام ليس مجرد أرقام تضيع في الموازنات، ولا قضية مالية تخص مؤسسات الدولة وحدها ، فهو في الحقيقة يمس حياة المواطن مباشرة. فكل مبلغ يُهدر أو يُنفق بلا جدوى هو فرصة ضائعة لبناء مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، أو مشروع يوفر فرص عمل، أو برنامج يدعم عائلة تواجه ظروفاً معيشية صعبة.
والأكثر ضرراً هم المواطنين محدودي الدخل لانهم أول من يشعر بآثار سوء الإدارة والفساد والهدر،فهذة الفئة لاتملك موارد كبيرة تعوضه عن ارتفاع تكاليف المعيشة أو تراجع الخدمات، ولذلك فإن حماية المال العام ليست مجرد مسؤولية قانونية، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية تجاه المواطنين.
و معالجة الظروف المعيشية الصعبة لا تعني الاكتفاء بالمساعدات والإعانات. بل يبدٲ الدعم الحقيقي بمنح المواطن القدرة على الاعتماد على نفسه، من خلال خلق فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع القطاع الخاص، وتوفير التدريب المهني، وتحسين التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
كما أن إنصاف المواطن يتطلب توجيه الإنفاق العام نحو الأولويات الحقيقية للمجتمع، وإخضاع المشاريع الحكومية لمعايير واضحة للشفافية والمحاسبة، ومراقبة العقود والمشتريات، وتقليل فرص التلاعب والهدر في المال العام .
كذلك من الضروري جداً أن تتحول برامج الحماية الاجتماعية من مجرد مساعدات مؤقتة إلى وسائل حقيقية للتمكين الاقتصادي، بحيث يحصل المواطن على فرصة للعمل والإنتاج وبناء مستقبل أفضل له ولأسرته.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات عن محاربة الفقروالحرمان، بقدر ما يحتاج إلى قرارات شجاعة تضع المواطن في قلب الموازنة والخطط الاقتصادية. نحتاج إلى أن نسأل في كل مشروع وقرار وإنفاق: ماذا سيعود على المواطن؟ ومن المستفيد الحقيقي؟ وهل كان يمكن إنفاق المال بطريقة أفضل؟
إن المال العام ليس مال الحكومة، ولا مال المسؤول، ولا ملكاً لفئة أو حزب، إنه مال الشعب وملكاً للشعب ، وكل دينار يُنفق منه يجب أن يكون له أثر حقيقي في حياة الناس وفي بناء الدولة.
إن تحسين ظروف المعيشة وإنقاذ الأسر من الفقر والعوز يجب أن يكون أولوية وطنية، تبدأ بإيقاف الهدر، ومحاصرة الفساد، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، ودعم فرص العمل والإنتاج، وتوجيه الثروة نحو خلق حياة كريمة للمواطن قبل أي شيء آخر.
فالدولة القوية ليست التي تنفق أكثر، بل التي تنفق أموال شعبها بعدالة وكفاءة، وتحوّل ثرواتها إلى فرص وحياة كريمة لمواطنيها.
وفي الختام ، فإن تحسين ظروف معيشة حياة المواطنين ليس منّة من أحد، بل هو حق أصيل للمواطن، وواجب على الدولة، ومسؤولية أخلاقية تقع على عاتق كل من يشارك في إدارة المال العام في الحكومة.