د. عصام البرّام
في تاريخ الشعوب التي مرت بتجارب طويلة من التحولات والصراعات، لا تكون الثقافة مجرد مساحة للمعرفة والجمال، بل تتحول إلى وسيلة لحماية الذاكرة وإعادة تعريف الذات ومواجهة خطر النسيان. وفي الحالة الكوردية، تبدو هذه الوظيفة أكثر حضورًا، لأن الثقافة ارتبطت بصورة وثيقة بأسئلة الهوية واللغة والذاكرة والمكان والانتماء. ومن هنا اكتسب المثقف الكوردي موقعًا يتجاوز الدور التقليدي للكاتب أو الشاعر أو الفنان، ليصبح في كثير من الأحيان حارسًا لذاكرة جماعية، وصوتًا لتجربة تاريخية معقدة، وصانعًا لأسئلة تتصل بمستقبل الإنسان والمجتمع.
لكن حراسة الهوية لا تعني تحويل الثقافة إلى حصن مغلق، ولا تعني أن يصبح المثقف مجرد مدافع عن رواية واحدة. فالثقافة الحقيقية لا تحمي الهوية بتجميدها، وإنما تجعلها قادرة على الحوار والتطور والتفاعل مع العالم. والمثقف الكوردي، بحكم التجربة التاريخية التي نشأ في ظلها، يجد نفسه أمام مهمة مزدوجة: أن يحافظ على خصوصية ثقافية ولغوية وذاكرة مهددة بالتهميش، وأن يفتح في الوقت نفسه هذه الخصوصية على الأسئلة الإنسانية الكبرى التي تتجاوز حدود القومية والجغرافيا.
إن هذه الازدواجية هي التي تمنح الثقافة الكوردية جانبًا مهمًا من حيويتها. فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما وعاء للذاكرة. والأغنية الشعبية ليست مجرد تعبير فني، بل قد تكون سجلًا لمجتمع عاش التحولات والتهجير والفقد. والشعر لا يكتفي بوصف الجبل أو القرية أو الوطن، وإنما يحمل في كثير من الأحيان أسئلة المنفى والحرية والعدالة والكرامة. وهكذا تصبح الثقافة وسيلة لاستعادة ما يمكن أن تضيع تفاصيله في الروايات الرسمية للتاريخ.
الهوية بين الذاكرة والتحول
يواجه المثقف الكوردي سؤال الهوية من موقع شديد الحساسية. فالهوية ليست مجرد مجموعة من الرموز والشعارات، وإنما تجربة تاريخية تتشكل من اللغة والذاكرة والمكان والعادات والفنون وأنماط الحياة. ولذلك فإن الدفاع عن الهوية الثقافية يبدأ من حماية اللغة، ومن منحها القدرة على التطور والإنتاج، لا من التعامل معها باعتبارها أثرًا من الماضي. وتظل اللغة الكوردية واحدة من أهم المساحات التي يلتقي فيها الثقافي بالتاريخي. فاللغة تحمل أسماء الأمكنة، وأمثال الناس، وأغانيهم، وحكاياتهم، وطرائقهم في وصف العالم. وكلما تراجعت اللغة تراجعت معها أجزاء من الذاكرة. ولهذا فإن الكتابة باللغة الكوردية، وإنتاج الأدب والفكر بها، وتطوير البحث العلمي والتعليم والترجمة، ليست أعمالًا ثقافية منفصلة عن الواقع، بل هي جزء من عملية الحفاظ على الوجود الرمزي للمجتمع.
غير أن الهوية التي تعيش على استعادة الماضي وحده تصبح عرضة للتحول إلى صورة جامدة. وهنا تقع على عاتق المثقف مسؤولية أخرى: أن يسأل عن الحاضر والمستقبل. فلا يكفي أن نسأل من نحن، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا نريد أن نكون؟ وكيف يمكن للهوية أن تتعايش مع التعدد؟ وكيف يمكن للثقافة الكوردية أن تحافظ على خصوصيتها من دون أن تنغلق أمام الثقافات الأخرى؟
إن الهوية الناضجة لا تخاف من الحوار، لأن ثقتها بذاتها تجعلها أكثر قدرة على استقبال الاختلاف. ومن هنا يستطيع المثقف الكوردي أن ينقل قضية الهوية من مستوى الدفاع المستمر إلى مستوى الإنتاج الثقافي والمعرفي. فالهوية لا تصبح قوية فقط عندما نتحدث عنها، وإنما عندما ننتج أدبًا وفكرًا وفنًا ومعرفة تجعلها حاضرة في الحياة اليومية وفي المشهد الثقافي الإنساني.
المثقف وصناعة الأسئلة الكبرى
لا تكمن قيمة المثقف في قدرته على تقديم الأجوبة الجاهزة، بل ربما في قدرته على طرح الأسئلة التي يتجنبها الجميع. وفي الحالة الكوردية، تتداخل الأسئلة الثقافية مع أسئلة سياسية واجتماعية وإنسانية واسعة. فهناك سؤال العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الهوية والمواطنة، وبين الذاكرة والمستقبل، وبين الانتماء القومي والانفتاح الإنساني.
وقد يكون السؤال الأهم هو: كيف يستطيع المثقف أن يدافع عن قضية شعبه من دون أن يتحول إلى أسير للخطاب السياسي؟ فالمثقف الذي يفقد استقلاله النقدي يتحول بسهولة إلى صوت إضافي للسلطة أو الحزب أو الجماعة، بينما وظيفته الحقيقية أن يبقى قادرًا على مساءلة الجميع، بما في ذلك أبناء مجتمعه ومؤسساته السياسية والثقافية.
إن المثقف الكوردي يحتاج إلى أن يحافظ على مسافة نقدية من السياسة، لا بمعنى الابتعاد عن قضايا المجتمع، وإنما بمعنى عدم اختزال الثقافة في العمل السياسي المباشر. فالأدب ليس بيانًا حزبيًا، والشعر ليس برنامجًا سياسيًا، والفن لا ينبغي أن يتحول إلى ملصق دعائي. الثقافة تصبح أكثر تأثيرًا عندما تمنح القضايا الإنسانية عمقها، وتكشف تعقيداتها، وتضع الإنسان قبل الشعارات.
وهنا تظهر أهمية المثقف في إعادة قراءة التجربة الكوردية نفسها. فالتاريخ ليس مجرد سلسلة من المظالم والانتصارات، وإنما تجربة مليئة بالتناقضات والأسئلة. والمثقف الذي يمتلك الشجاعة يستطيع أن يقرأ التاريخ بعين نقدية، وأن يميز بين الذاكرة التي تمنح الإنسان قوة، والذاكرة التي تتحول إلى وقود دائم للصراع. إن صناعة الأسئلة الكبرى تعني أيضًا الانتقال من سؤال الهوية وحده إلى سؤال الإنسان. فماذا يعني أن يكون الإنسان كورديًا في عالم متعدد الثقافات؟ وكيف يمكن بناء مجتمع يحترم المرأة والشباب والمختلف فكريًا؟ وكيف يمكن للثقافة أن تواجه التطرف والعنف وخطاب الكراهية؟ وكيف يمكن أن تتحول الذاكرة من مصدر للألم إلى طاقة لبناء المستقبل؟ هذه الأسئلة تجعل المثقف جزءًا من الحاضر، لا مجرد حارس للماضي.
من حراسة الذاكرة إلى بناء المستقبل
تواجه الثقافة الكوردية اليوم تحديات جديدة تختلف في طبيعتها عن تحديات المراحل السابقة. فقد فتحت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أبوابًا واسعة أمام انتشار اللغة والفن والأدب، لكنها في الوقت نفسه فرضت إيقاعًا سريعًا قد يهدد القراءة العميقة ويشجع على الاختزال. وأصبح المثقف أمام فضاء مفتوح يستطيع فيه أي شخص أن ينتج خطابًا ثقافيًا، لكن كثرة الأصوات لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى المعرفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع ثقافي يتجاوز رد الفعل، ويضع المعرفة والتعليم والترجمة والإبداع في قلب عملية بناء المستقبل. فالمجتمع الذي يريد حماية هويته يحتاج إلى جامعات قوية، ومؤسسات ثقافية مستقلة، ومكتبات، ومراكز بحث، ومساحات حرة للحوار، وإلى تشجيع الكتاب والفنانين والمفكرين على إنتاج أعمال تتجاوز حدود المناسبات والشعارات.
كما أن الترجمة يمكن أن تؤدي دورًا بالغ الأهمية في تعريف العالم بالأدب والفكر الكوردي، وفي الوقت نفسه فتح الثقافة الكوردية على تجارب الشعوب الأخرى. فالثقافة التي تريد أن تُسمع صوتها تحتاج أيضًا إلى أن تتعلم الإصغاء إلى أصوات الآخرين. ومن خلال الترجمة يمكن للكاتب الكوردي أن يصل إلى قارئ بعيد عن جغرافيته، ويمكن للقارئ الكوردي أن يكتشف تجارب إنسانية مختلفة تساعده على إعادة النظر في أسئلته الخاصة.
وفي هذا السياق، يصبح المثقف جسرًا بين الذاكرة والمستقبل. إنه لا يكتفي بحراسة ما ورثه، بل يسأل عما ينبغي أن يتركه للأجيال القادمة. وإذا كانت الذاكرة تمنح المجتمع جذوره، فإن النقد يمنحه القدرة على النمو. ولذلك فإن الثقافة الكوردية تحتاج إلى الجمع بين الاعتزاز بالخصوصية والانفتاح على العالم، وبين حفظ الذاكرة ومراجعتها، وبين الدفاع عن الحقوق وتجنب الوقوع في أسر الخطابات المغلقة.
ولعل أعظم ما يستطيع المثقف الكوردي أن يقدمه هو أن يجعل من التجربة الكوردية جزءًا من الحوار الإنساني الأوسع. فالقضية الكوردية، بما تحمله من تاريخ وثقافة وتجارب إنسانية، لا ينبغي أن تُختزل في السياسة وحدها. إن الأدب والفن والفكر قادرون على تقديم الإنسان الكوردي للعالم من خلال حياته اليومية، وأحلامه، ومخاوفه، وأسئلته، وعلاقته بالمكان والذاكرة.
إن المثقف الذي يحرس الهوية لا ينبغي أن يقف عند بوابة الماضي، بل عليه أن يفتح النوافذ على المستقبل. فحراسة الهوية ليست رفضًا للآخر، وصيانة الذاكرة ليست إقامة دائمة في الحزن، والنقد ليس خيانة للجماعة. إن الثقافة التي تنضج هي التي تستطيع أن تحب هويتها وأن تسائلها في الوقت نفسه، وأن تحافظ على ذاكرتها دون أن تسمح لها بأن تتحول إلى سجن.
من هنا، يبقى المثقف الكوردي أمام مهمة تاريخية وإنسانية في آن واحد: أن يحمي اللغة من النسيان، والذاكرة من المحو، والثقافة من التسييس المفرط، والإنسان من الاختزال في شعار. وأن يحول التجربة الكوردية من مادة للصراع إلى مادة للإبداع والمعرفة والحوار.
فالأمم لا تحافظ على وجودها بالقوة وحدها، وإنما بما تنتجه من معنى. وحين يستطيع المثقف أن يجعل من ذاكرة شعبه أدبًا، ومن جراحه معرفة، ومن أسئلته إبداعًا، فإنه لا يصبح مجرد حارس للهوية، بل يتحول إلى أحد صانعي مستقبلها. وفي هذه المسافة بين الذاكرة والسؤال، بين الجذور والانفتاح، وبين الخصوصية والإنسانية، تتشكل المهمة الأعمق للمثقف الكوردي: أن يحفظ ما كان، وأن يفهم ما هو كائن، وأن يسأل بشجاعة عما يمكن أن يكون.