د. مؤيد الونداوي
(القسم الأول)

هنالك جدل قائم حول الحركة الوطنية العراقية، وهو جدل اتسعت مساحته بسبب ما حصل إثر ما شهدته البلاد بعد عام 2003. اليوم اعرض لكم خلاصة المفهوم البريطاني عن هذا الحراك الوطني بينما البلاد تتطلع لمستقبلها عند نهاية الحرب العالمية الاولى. وقد تم توثيقه إثر انطلاق ثورة العراق الكبرى في عام 1920 من طرف الانسة غير ترود بيل
عندما اندلعت الثورة العراقية الكبرى في 30 حزيران 1920، وعندما بات صناع السياسة والقرار يطلعون على حجم الخسائر في صفوف القوات البريطانية -الهندية حينها وكذلك الخسائر المادية طالب البرلمان البريطاني ان تقوم السلطات البريطانية في بغداد بتقديم عرض شامل لأعمالها من احتلال بلاج ما بين النهرين في 1914 ولغاية انطلاق هذه الثورة في العراق. وهكذا جرى ارسال تقرير مطول اعدته السكرتيرة الشرقية غير ترود بيل. في خاتمة التقرير اردت باب خاص بالحركة الوطنية العراقية وهو تقرير مطول وجدت من المفيد ان اعرض اهم ما ورد فيه.
يرى التقرير ان سكان البلاد قد تقبلوا واقع الاحتلال واستسلموا لاحتمال قيام ادارة بريطانية. ومثل هكذا تفكير وجد له حضوره في المناطق التي استقر فيها الحكم البريطاني مدة اطول. ففي وقت مبكر من سنة 1917 أعلن سكان البصرة عن رضاهم عن الوضع. ولا ريب في وجود مظالم، مثل مسائل العمل والإسكان؛ وكلما طال أمدها اشتد ضغطها. لكن كان معترفاً به، في الجملة، أنها ناجمة عن حالة الحرب، وكان يسود البلاد اعتقاد، كثيراً ما عُبّر عنه علناً، بأن البريطانيين يقصدون الخير للعرب. وبصورة عامة، كانت هذه هي نزعة البصرة والعمارة والحلة والمناطق الريفية بوجه عام. أما بغداد، التي كانت مركزاً للفكر السياسي أنشط بكثير من أي جزء آخر من العراق، فلم تُبدِ رأياً. وأما المدن المقدسة، فكانت الكاظمية، كَبغداد، صامتة؛ وفي كربلاء كانت أية صعوبات نشأت محليةً بحتة؛ بينما كانت اضطرابات النجف في سنتي 1917 و1918 قد غذّتها دسائس تركية ألمانية، ثم هدأت بهزيمة القائمين فيها وانسحابهم، وبإبعاد العناصر المحلية المضطربة.
وقد طرأ تحوّل جديد على تفكير الأهالي، أولاً، بنشر مبادئ الرئيس ولسون الأربعة عشر في الصحف الرسمية في بلاد الرافدين يوم 11 تشرين الأول/أكتوبر 1919. وثانياً، بنشر الإعلان الإنكليزي الفرنسي في 8 تشرين الثاني/نوفمبر، الذي نصّ على أن نية الحكومتين هي إقامة: “حكومات وإدارات وطنية بين الشعوب التي طال اضطهاد الأتراك لها، تستمد سلطتها من الاختيار الحر للسكان الأصليين”
وتابع الإعلان: “إن الحكومتين، بعيداً عن الرغبة في فرض مؤسسات معينة على هذه البلاد، لا تهتمان إلا بضمان السير الطبيعي للحكومات والإدارات التي اختارتها هذه الشعوب بإرادتها الحرة، وذلك بتأييدهما ومعونتهما الفعالة. وإن كفالة عدالة محايدة ومتساوية، وتشجيع انتشار التعليم، ووضع حد للانقسامات التي طالما استغلتها السياسة التركية؛ ذلك هو الدور الذي تضطلع به الحكومتان الحليفتان في الأراضي المحررة”.
إن هذا الإعلان عن سياسة متفقة مع المبادئ التي خيضت الحرب على أساسها لم يفعل أكثر من تأكيد النيات التي سبق الإعلان عنها عند احتلال بغداد. لكنه اختلف عن التصريح السابق في أمر مهم: فإعلان بغداد صدر حين كانت نتيجة الحرب لا تزال شديدة الشك، ولذلك عُدّ في الأساس تدبيراً حربياً؛ أما الإعلان الإنكليزي الفرنسي فقد نُشر بعد تحقق انتصار الحلفاء، فحظي بالتصديق والإيمان.
وإذا كان سكان بلاد الرافدين، قبل صدور الإعلان، قد ارتضوا في عمومهم قبول ما حسمته القوة العسكرية، فإن الإعلان فتح أمامهم احتمالات أخرى لم تكن طبيعتها مفهومة بوضوح، بل لم يكن مرجحاً أن يفهمها السكان الذين وُجّه إليهم الإعلان. وقد عدّه بعضهم مجرد إشارة إلى عدم يقين واضعيه بشأن المستقبل، وشرعوا في تمحيص كل حادث أو تصرف، مهما كان ضئيلاً، يصدر عن السلطات إعادة البلاد إلى الأتراك، وهو احتمال قوبل بمشاعر متباينة، لكنه أوحى، على الأقل، بضرورة التحوّط الفوري. وذهب آخرون إلى النقيض تماماً، ففسّروا الرغبة المعلنة للحلفاء في إقامة حكومة محلية في بلاد الرافدين على أنها اعتراف بقدرة العرب على الشروع في إدارة وطنية من دون مساعدة أو رقابة.
وفي بغداد، حيث كانت الطموحات السياسية أكثر تطوراً منها في سائر بلاد الرافدين، بدأ، خلال أسبوع من نشر الإعلان الإنكليزي الفرنسي، تداول فكرة تعيين أمير عربي للعراق في كل مكان، وقوبلت في الأوساط الإسلامية بتأييد عام. غير أنه لم يكن ثمة اتفاق على الشخص الذي ينبغي اختياره لهذا المنصب. ففي البداية تردّد الاختيار بين أحد أبناء ملك الحجاز، وعضو من أسرة سلطان مصر، ووجيه من الموصل هو هادي العمري؛ كما ذُكر نقيب بغداد، كما أبدى النقيب قدراً من التردد في قبول منصب دولة رفيع.
وسرعان ما اتخذ النقاش في المدينة طابعاً جدلياً حاداً، ويرجع ذلك جزئياً إلى دخول عنصر جديد إلى بغداد بعد الهدنة. فبموجب الشروط المتفق عليها مع القائد التركي، سُمح لجميع الرجال العرب الذين كانوا في خدمة الدولة العثمانية، مدنية كانت أم عسكرية، بالعودة إلى ديارهم. وكان بعضهم قد رافق الأتراك، بمحض اختياره، حين انسحبوا أمام جيش الجنرال مود المنتصر، ومن غير المحتمل، بحكم الفرض، أن يكنّوا مشاعر ودّ تجاه استمرار السيطرة البريطانية؛ فلما عادوا إلى بغداد، وهم عاطلون وغير قابلين للتوظيف إلى حد كبير، شكّلوا نواةً للسخط والعداء.
وشعرت الطائفة اليهودية، وهي أغنى طوائف بغداد وتضم أكثر من ثلث سكان المدينة بكثير، بالقلق من الخطب العنيفة الجوفاء في المقاهي، وقدّمت عريضة بالإجماع تطلب فيها السماح لها بأن تصبح من الرعايا البريطانيين إذا أُقيمت حكومة عربية في بلاد الرافدين. وكان المسيحيون، وهم جماعة صغيرة تقارب واحداً من خمسة وعشرين من مجموع السكان، مضطربين بالقدر نفسه، وأعلنوا أن موقف المسلمين منهم أخذ يزداد عدائية. وفي هذه الأثناء، تلقّى القائم بأعمال المفوض المدني، الكولونيل ولسون، تعليمات من حكومة صاحب الجلالة لاستطلاع آراء السكان المحليين في المناطق المعنية بشأن المسائل الآتية:
1. هل يؤيدون قيام دولة عربية واحدة تحت الوصاية البريطانية، تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل إلى الخليج الفارسي؟
2. وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل يرون أن توضع الدولة الجديدة تحت حكم أمير عربي؟
3. وفي هذه الحالة، من الشخص الذي يقترحونه؟
وفي ضوء التجربة، يجوز الشك في أن مثل هذا الاستطلاع، سواء أُجري برعاية رسمية أم غير رسمية، كان يمكن أن يستخرج إجابات تصلح لإرشاد من يجريه. فأغلبية الأشخاص الموجّهة إليهم الأسئلة لم تكن لهم آراء محددة، ولم يكونوا في وضع يتيح لهم تكوينها. وكان من المتعذر عملياً متابعة الاستطلاع بين عموم رجال القبائل والرعاة وسكان الأهوار ومزارعي الأرز والشعير والتمر على نهري الفرات ودجلة، إذ لم تتجاوز خبرتهم في شؤون الحكم التأمل في أفعال جيرانهم القريبين. ولم يكن بوسعهم، في كل حال، إلا ترديد الصيغة التي يفرضها شيوخهم المباشرون؛ ولذلك كان من الأنفع والأسرع توجيه الأسئلة إلى الشيوخ وحدهم. وبناءً عليه، طُلبت آراء الشيوخ وذوي المكانة في الأرياف والبلدات الإقليمية.
وكان ثمة إجماع في نقطة واحدة: إذ رأى الجميع أن ولاية الموصل ينبغي أن تتحد مع ولايتي بغداد والبصرة. أما في سائر المسائل، فمن بين سبعة عشر استطلاعاً مستقلاً أُجريت، جاءت أوضح الإجابات من لواء الحلة؛ حيث أعلن السكان، بتأثير كبير من نصيحة السيد البارز محمد علي القزويني، الذي نجا بصعوبة من الإعدام على يد الأتراك في تشرين الثاني/نوفمبر 1916، تأييدهم الكامل لاستمرار الإدارة البريطانية، ورفضوا الانصياع للدعاية القومية أو غيرها.
وطلبت ستة ألوية أخرى حكومةً بريطانية من دون أمير، وفي أربع حالات رُغِب في تعيين السير برسي كوكس مفوضاً سامياً. وجاء رد مماثل من خمسة ألوية أخرى، مع فارق أنهم عدّوا الأمير مثالاً مرغوباً إذا أمكن الاتفاق على شخص له، وإمكاناً في المستقبل القريب؛ وأُثير مرتين اعتراض على اختيار أمير من البيت الهاشمي. وفي لواء بعقوبة وقع خلاف حاد في الرأي؛ إذ أراد سكان مدينة بعقوبة، المتأثرون ببغداد، أميراً من أسرة الشريف، وربما انطوى ذلك على معنى عدم الحاجة إلى رقابة أجنبية، في حين طلب رجال القبائل الإدارة البريطانية.
أما في النجف ولواء الشامية، الذي تقع النجف ضمنه، فقد بدّل الرأي العام موقفه أكثر من مرة. غير أنه أمكن، في الجملة، استنتاج أن أميراً مسلماً تحت الحماية البريطانية كان يحظى بتأييد عام، وذُكرت أسرة الشريف في هذا الصدد. وفي كربلاء والكاظمية منع المجتهدون المؤمنين من إبداء التأييد لأي شيء غير حكومة إسلامية، واشتد الجدل إلى حد أُوقفت معه الاستطلاعات. وبعد ذلك وردت عدة عرائض مؤيدة للإدارة البريطانية، تحمل تواقيع شيوخ ووجهاء من أهل المدن.
وأخيراً، اتُّخذ القرار في بغداد. وطُلب من قضاة الطائفتين السنية والشيعية اختيار خمسة وعشرين من أعيان مذهبيهما، ومن الحاخام الأكبر اختيار عشرين من كبار اليهود، ومن رؤساء الطوائف المسيحية اختيار عشرة مسيحيين. لكن القضاة لم يؤدوا مهمتهم بإخلاص، سواء عن قصد أو تحت ضغط ديني وسياسي. وبعد صعوبة كبيرة أخرجوا اجتماعاً منتقى، امتنع رؤساء الأسر المسلمة البارزة عن المشاركة فيه بسبب نزعاته المتطرفة؛ وانسحب منه العنصران اليهودي والمسيحي للسبب نفسه. ووقّع المسلمون المجتمعون عريضة أعربوا فيها عن تفضيلهم دولة عربية يرأسها ملك مسلم، يكون واحداً من أبناء الشريف. ولم يُذكر شيء عن الحماية الأجنبية، لكن كان معروفاً أن المتطرفين يرغبون في استبعادها.
وقدّم اليهود والمسيحيون عرائض منفصلة انحازوا فيها صراحةً إلى الإدارة البريطانية. وفي الأيام التالية ورد عدد من العرائض المماثلة، موقعة من رؤساء الأسر المسلمة البارزة والتجار، الذين رفضوا جميعاً الاشتراك في ذلك الاجتماع. ومن الجدير بالملاحظة أن النقيب منع أي فرد من أسرته من حضوره.
والواقع أن المتطرفين تجاوزوا الحد. فالأشخاص الذين رحّبوا أول الأمر بفكرة أمير عربي أصابهم القلق من الأحاديث الجامحة والإثارة التي أُطلقت، ورفضوا بديلاً أتاح مجرد النقاش فيه إطلاق العنان لعواطف تهدد الاستقرار السياسي للبلاد. وبناءً على طلب بعض كبار المواطنين، أُرسل سبعة من المحرّضين، وكلهم موظفون عثمانيون سابقون اضطلعوا بدور رئيسي في الدعاية المعادية لبريطانيا، إلى القسطنطينية عن طريق الهند ومصر؛ فعاد الباقون إلى الهدوء.
يتبع