ملاحظة: “هذه القصة مستوحاة من رواية متداولة في منطقة آغري وإغدير عن طفلة كردية نجت من أحداث ثورة آغري عام 1930، ثم عاشت سنوات طويلة في البرية قبل العثور عليها. أُعيدت صياغتها أدبياً، مع الحفاظ على جوهر الرواية المتناقلة، ولا أقدّم جميع تفاصيلها بوصفها وقائع أرشيفية موثقة.”
في ذلك الصباح من عام 1959، دخل مير علي أورال، رئيس بلدية إغدير، باحة البلدية كعادته.
كان الصباح بارداً.
رفع عينيه إلى الجبل البعيد، ثم اتجه نحو الكوخ الخشبي الصغير القائم في طرف الحديقة.
كان يذهب إليه كل صباح.
لم يكن الكوخ سجناً، رغم أن من دخله لم يكن يعرف كيف يعيش خارجه.
ولم تكن المرأة التي تسكنه سجينة، رغم أن الناس كانوا يسمونها:
المرأة المتوحشة.
فتح مير علي الباب.
ناداها:
“جميلة…”
لم تجبه.
اقترب.
كانت مستلقية على الأرض، ساكنة تماماً.
جلس إلى جانبها.
وضع يده على جبينها.
ثم بقي طويلاً دون أن يقول شيئاً.
في ذلك الصباح ماتت جميلة.
وفي ذلك الصباح أيضاً، بدأت قصتها الحقيقية.
قبل تسعة وعشرين عاماً…
كان جبل آغري يغلي.
صيف 1930.
كان الدخان يصعد من سفوحه، والرصاص يقطع صمت الصخور، والجيش التركي يطوق الجبل من الجهات كلها.
كان بين المحاصرين رجال مقاتلون، لكن الجبل كان يحمل أيضاً أناساً لم يحملوا بندقية في حياتهم.
نساء.
أطفال.
شيوخ.
أكثر من ألف إنسان وجدوا أنفسهم فجأة في مكان لا طريق للخروج منه.
وحين بدأ الهجوم الأخير، استطاع قسم من المقاتلين اختراق الحصار والعبور نحو إيران.
لكن الجبل لم يستطع أن يحمل الجميع.
بقيت النساء.
وبقي الأطفال.
وبقي الشيوخ.
وبقيت أم شابة تحمل طفلتها ذات العام الواحد.
كانت الطفلة اسمها:
جميلة.
وفي تلك الساعات، لم يكن أحد يعرف أن الجبل سيحتفظ بها.
يقال إن الأوامر التي صدرت كانت واضحة:
لا أحد يجب أن يبقى على الجبل.
وحين نفدت الحاجة إلى الرصاص، أصبحت الحراب كافية.
انتهى الهجوم.
وسكتت البنادق.
لكن الجبل لم يسكت.
كانت الجثث متناثرة بين الصخور.
والليل يهبط ببطء.
خرجت الذئاب من أوكارها.
ثم ظهرت الدببة.
اقتربت أنثى دب من مكان بين الصخور.
شمّت رائحة الدم.
كانت أم جميلة قد ماتت.
أما الطفلة، فكانت لا تزال حية.
صغيرة.
مرعوبة.
وحيدة.
اقتربت الدبة منها.
لم تقتلها.
حملتها بأسنانها من ثيابها الممزقة، ومضت بها نحو وكرها.
هناك، وضعتها بين صغارها.
وهكذا، من دون أن يعرف أحد، بدأت حياة أخرى لجميلة.
كبرت الطفلة بين الدببة.
لم تعرف بيتاً.
لم تعرف اسماً.
لم تعرف لغة.
لم تعرف أن هناك عالماً آخر خلف الصخور.
كانت الدبة أمها.
والدببة إخوتها.
والجبل وطنها.
أكلت ما تأكله الدببة.
شربت الماء كما تشرب.
نامت حين تنام.
واستيقظت حين تستيقظ.
ومشت كما تمشي.
وحين كبرت، لم يعد في ذاكرتها شيء تقريباً عن البشر.
كان العالم بالنسبة إليها رائحة الصخر، وثلج الشتاء، وعشب الصيف، وأصوات الحيوانات.
كانت عارية.
وكان جسدها يحمل آثار حياة لا تشبه حياة البشر.
ومرت سنة…
ثم أخرى.
ثم عشر.
ثم عشرون.
وفي عام 1953، تغيّر شيء في تركيا.
خفّ الحظر عن منطقة آغري.
بدأ الناس يعودون إلى القرى القريبة من الجبل.
عاد الرعاة.
عادت القطعان.
وعادت الكلاب.
لكن الجبل لم يعد كما كان.
كان يخفي سراً.
في أحد الأيام، رأى الرعاة شيئاً يتحرك على السفح.
لم يكن دباً.
ولم يكن ذئباً.
كان يمشي على قدمين.
توقفوا.
تبادلوا النظرات.
قال أحدهم:
“إنه إنسان!”
وقال آخر:
“لا… انظر إلى طريقة مشيه.”
اقتربوا.
فهرب المخلوق.
أطلقوا الكلاب وراءه.
ركضت الكلاب.
وركض الرعاة خلفها.
حتى وصلوا إليه.
دارت معركة قصيرة.
عضّت الكلاب.
قاومت المرأة.
صرخت بصوت غريب.
ثم تمكنوا من الإمساك بها وربطها.
وحين اقتربوا منها جيداً، صمت الجميع.
لم يكن أمامهم وحش.
كانت أمامهم امرأة.
امرأة نحيلة، عارية، شعرها طويل، وعيناها واسعتان كعيني حيوان خرج للتو من الغابة.
قدموا لها الخبز.
لم تلمسه.
قدموا لها الماء.
انحنت وشربته كما تشرب الكلاب.
نظر الرعاة إلى بعضهم.
ثم ذبح أحدهم خروفاً.
وضع قطعة من اللحم أمامها.
أكلتها نيئة.
لم يتراجعوا.
ربما لأنهم، للمرة الأولى، لم يروا فيها وحشاً.
رأوا إنسانة لم يعرفها أحد.
حاول أحد الرعاة أن يغطي جسدها بجلد خروف.
مزقته.
وألقته بعيداً.
لم تكن تعرف لماذا يجب على الإنسان أن يغطي جسده.
مضى الصيف.
كانت جميلة تجلس بين الرعاة والكلاب.
لم تعد تحاول الهرب.
كانت تستطيع أن تهرب.
لكنها لم تفعل.
ربما لأنها، للمرة الأولى، شعرت أن هناك بشراً لا يريدون قتلها.
وحين جاء الشتاء، نزل الرعاة بقطعانهم نحو سهل إغدير.
وتبعتهم.
عندما دخل القطيع المدينة، رأى الناس المرأة.
تجمعوا حولها.
أمسك بها بعض الشبان وربطوها.
كان المشهد أشبه بوصول مخلوق من أسطورة قديمة.
خرج مير علي أورال من مبنى البلدية.
رأى الحشد.
رأى المرأة.
ثم رأى الحبل حول عنقها.
لم يسأل كثيراً.
تقدم.
أمسك الحبل.
وفكّه.
وقال:
“اتركوها.”
ثم التفت إلى الناس:
“إنها إنسانة.”
أدخلها إلى كوخ خشبي في حديقة البلدية.
أمر بأن يقدموا لها الماء واللحم.
وفي كل صباح، كان يأتي بنفسه.
كان يقف عند الباب.
ينظر إليها.
ثم يسأل:
“هل أكلت؟”
بدأت جميلة تخرج من الكوخ.
في البداية خطوات قليلة.
ثم إلى آخر الحديقة.
ثم إلى الشارع.
كانت المدينة تخيفها.
لكنها كانت تعود دائماً إلى الكوخ.
شيئاً فشيئاً، اعتاد الناس وجودها.
لم تعد المرأة المتوحشة.
صارت:
جميلة.
لكن أحداً لم يعرف من أين جاءت.
حتى جاء رجل ذات يوم إلى البلدية.
كان في وجهه شيء من الحزن القديم.
اقترب من رئيس البلدية.
قال:
“سيدي…”
ثم توقف.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
“سمعت أن امرأة تعيش هنا.”
قال مير علي:
“نعم.”
“هل يمكنني رؤيتها؟”
سأله:
“لماذا؟”
أجاب:
“لأنني أعتقد أنها أختي.”
ساد الصمت.
كان اسمه حسن.
قال إنه كان في السابعة عشرة عندما وقعت أحداث آغري.
كان مقاتلاً في إحدى الوحدات.
وحين انهزموا، هرب الرجال نحو إيران.
لكنه ترك خلفه أمه وأخته الصغيرة.
قال:
“كانت أختي في عامها الأول.”
ثم سكت.
“بعد أيام، علمنا أن الجيش قتل المدنيين الذين بقوا في الجبل.”
عاد بعد فترة يبحث.
لم يجد أمه.
لم يجد أخته.
وجد فقط الجثث.
والصخور.
والصمت.
قال:
“اعتقدت أنها ماتت.”
ثم رفع عينيه.
“حتى سمعت عن هذه المرأة.”
دخل حسن حديقة البلدية.
كانت جميلة جالسة قرب شجرة.
اقترب منها.
لم تعرفه.
بالطبع لم تعرفه.
كيف يمكن لامرأة عاشت نصف عمرها بين الدببة أن تتذكر وجه طفل رأته قبل تسعة وعشرين عاماً؟
وقف أمامها.
كانت تحدق فيه.
اقترب أكثر.
ثم أمسك يدها.
ارتجفت.
نظر إلى أصابعها.
وفجأة…
تغير وجهه.
قال بصوت خافت:
“هذا الإصبع…”
كان أحد أصابعها يحمل علامة قديمة.
علامة لم ينساها.
قال:
“أختي كانت تملك هذه العلامة.”
ثم بكى.
لم تكن جميلة تعرف لماذا يبكي الرجل.
اقترب منها أكثر.
قال:
“جميلة…”
لم تتحرك.
كرر:
“جميلة…”
رفعت عينيها إليه.
وللمرة الأولى منذ تسعة وعشرين عاماً، نطق أحدهم اسمها أمامها.
طلب حسن أن يأخذها معه.
وافق مير علي.
خرج الأخ وأخته من البلدية.
سارا نحو القرية.
كان الناس ينتظرون.
النساء يبكين.
والرجال صامتون.
لكن جميلة لم تكن تعرف أحداً.
كانت القرية بالنسبة إليها غريبة.
البيوت غريبة.
الأصوات غريبة.
الروائح غريبة.
والبشر أنفسهم غريبون.
بقيت هناك فترة قصيرة.
ثم عادت.
في أحد الصباحات، وجد موظفو البلدية جميلة جالسة في حديقة البلدية.
لم يعرفوا كيف جاءت.
لكنهم فهموا.
لم تكن تعرف بيتاً آخر.
عاد الكوخ.
وعادت هي إليه.
مرت السنوات.
كبرت المدينة.
وتغيرت الوجوه.
أما جميلة…
فبقيت في كوخها.
كان مير علي يزورها كل صباح.
وفي أحد أيام عام 1959، فتح باب الكوخ.
لكن جميلة لم تنهض.
جلس بجوارها.
أمسك يدها.
كانت باردة.
ظل صامتاً طويلاً.
ثم قال:
“نامي يا جميلة.”
خرج.
وأمر أن تدفن في مقبرة إدرماما في إغدير.
لم يكتبوا على قبرها تاريخاً طويلاً.
ولا سيرة.
ولا بطولات.
فقط:
هنا قبر جميلة.
امرأة فقدت أمها.
وفقدت وطنها.
وفقدت طفولتها.
وفقدت لغة البشر.
ثم عادت إليهم…
فلم تجد بينهم مكاناً إلا كوخاً صغيراً.
ومع ذلك، ربما كانت محظوظة.
لأنها، طوال حياتها، لم تتعلم الكراهية.
كانت تعرف الجبل.
وتعرف الدببة.
وتعرف الجوع.
وتعرف الخوف.
ثم عرفت الرحمة.
وربما لهذا السبب…
حين عاد إليها أخوها بعد تسعة وعشرين عاماً، لم تعرف وجهه.
لكنها لم تخف منه.
النهاية