استشعار المكان في نصوص اللصوص 

 

د . صباح ايليا القس

 

المكان هو البعد الارضي الذي يحتوي المخلوقات جميعا للعيش واستمرار الحياة . هذا هو تعريفي للمكان من وجهة نظر واقعية ..

وهناك نظرات فلسفية اجتهدها الفلاسفة عبر القرون واستفاد الفلاسفة العرب ممن سبقوهم من الفلاسفة لا سيما اليونانيين من القدماء وهناك تعريفات حديثة تتناسب مع معطيات العصر ..

المكان تحدده وجهات النظر , بحيث يختلف التعريف الجغرافي عن التعريف الادبي الذي قد لا يعنيه المكان الجغرافي مطلقاً فهو باحث عن رؤية اخرى يجتهدها بحسب قراءته ونظرته الشعورية ضمن تقنية الابداع الادبي شعرا او نثرا قصة او رواية او مقالا .

فالطلل عند العامة الذين يمرون به قد لا يعنيهم سوى انه مكان نزل به قوم وارتحلوا لسبب  ما . اما عند الشعراء فأن الطلل هو استهلال تذكاري وحياة عقلية وعاطفية تثير في الشاعر ما لا تثيره في غيره لا سيما اذا كان هذا الطلل مكانا تواجدت فيه الحبيبة .

وبما ان الاطلال قد تجاوزها الادب الحديث لذلك اصبح للمكان وجود الزامي يحدد بوساطته المبدع طبيعة الانزياح بما يخدم عمله الادبي حينها يكتسب المكان جمالية تضاف الى ما وجدناه في الادب القديم .

قديما كانت الصحراء التي استثمرها الشعراء كالسعة والوحشة والاغتراب والعزلة والصمت والاهوال والعطش والموت ويضاف الى ذلك ما يتطلبه العيش في هذا المكان لاستمرار الحياة فكانت الناقة التي تتطابق مواصفاتها مع حاجة الانسان في ذلك الوقت ولذلك استثمرها الشاعر بوصفها سفينة الصحراء .

يقول الشاعر :

أحقــــا عبـــاد اللــــه أن لســـت رائيــــا        صحـــاريَّ نجـــد والريــــــــاح الذواريـــا

ويقول مالك بن الريب أيضا :

ألا ليــــــت شعــري هـــل أبيتــــنّ ليلـــة      بجنـــب الغضــا ازجــي القــلاص النواجيـــا

ولأن اللصوص يعيشون في قلق دائم فقد اعتمدوا المَراقب والمراصد خشية مباغتة القبائل واستفادوا من هذه المراقب للاختفاء لانها لا تكون الا في المواقع المرتفعة .

يقول الشاعر :

ومرقبــــة يحــــار الطــــرف فيهــــا       الـــى شمـّــــاء مشرفــــة القــــذالِ

أقمــــت بريـدهـــا يومـــــا طويــــلا       ولـــم أشـــــرف بهـــا مثــل الخيــالِ

من المعلوم ان الجبال اغلبها تخلو من الحياة ومن المياه وكذلك الصحراء سوى بعض الواحات لذلك يكون الماء حاجة لا يمكن الاستغناء عنها لانه يمثل الحياة ومن دونه تفنى الكائنات الحية الانسان والحيوان والزرع فلا حياة الا مع الماء ولهذا كانت هناك حروب كبيرة بين القبائل وتسفك دماء بقدر بركة الماء التي يموتون في سبيلها .

يقول الشاعر :

وقومـــا عـــلى بئــــر السمينـــة أسمعــــا       بهـــا الغـــر والبيـــض الحســان الروائيــا

وبعد كل ما تقدم من متطلبات الحياة ومغرياتها وصراعاتها يأتي الموت بوصفه واقعا تستوي فيه الاجساد اذ هو النتاج الاخير لحياة الانسان الاعتيادي وهو عند اللصوص يمثل نهاية القلق والتوتر والخوف من النهاية الحاسمة فمنهم من يستسلم للامر خاضعا للقدرية ومنهم من يتمناه خلاصا ومنهم من يدافع عن الوجود تحديا حتى النفس الاخير .

يقول الشاعر :

إنــي لاعلـــم انـــــي ســـــوف يتركنـــي      صحبـــي رهينــــة تـرب بيـــن أحجـــار

فــــردا برابيـــة او وســـــــط مقبــــــرة       تسفــــي علـــيّ ريـــاح البـــارح النــاري

هذه بعض مفردات المكان التي عالجها الشعراء اللصوص وهي مفردات دالة على المكان بصورته الواقعية التي تراها العين وتدركها الحواس وهناك اماكن اخرى لها حديث آخر .

 

 

قد يعجبك ايضا