علاء لطفي
يذكرنا التاريخ دوما في محطاته البارزة بنضال أمة كانت ولازالت لها إسهاماتها الكبرى في مسار الحضارة العربية والإسلامية قبل أن تكون أيضا منعطف تاريخي في الشرق الأوسط.. فالذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (16 أغسطس 1946) ستبقي علامة فارقة في تخليد النضال الكردي لإعلاء قيم الحضارة والمواطنة في مواجهة محاولات مستميتة لطمس الهوية والجغرافيا والتاريخ.
مصر بالتأكيد كان لها دور تاريخي بارز محفور في ذاكرة الشرق باللقاء التاريخي الذي جمع الزعيم الكردي الخالد الملا مصطفى بارزاني بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في القاهرة عام 1958، وهو ما يفتح باباً واسعاً لقراءة عمق العلاقات الكردية – العربية، وفهم أبعاد القضية الكردية بكل ما تحمله من قيم إنسانية.
في 5 أكتوبر 1958، توقف الملا مصطفى بارزاني في القاهرة عائداً من منفاه في الاتحاد السوفيتي بعد نجاح ثورة 14 تموز في العراق. كان استقبال جمال عبد الناصر له حدثاً مشحوناً في تقديري بثلاث دلالات مفصلية في تاريخ القضية الكردية.. الأول في تقديري أنه كان بمثابة “اعتراف وتقدير”.. كان الاستقبال بمثابة اعتراف عربي رفيع المستوى، ومن عاصمة ثقل العرب (القاهرة)، بشرعية القيادة الكردية وحق الشعب الكردي في الشراكة.
ثانيا هو تعبير مادي ملموس فعلا وقولا عن “تضامن ضد الاستعمار” في مواجهة الاستعمار بدت واضحة في رؤية ورغبة مشتركة جمعت بين الزعيمين، في التحرر من الهيمنة الأجنبية والاستعمار. نظر عبد الناصر إلى بارزاني كقائد حركة تحرر وطني، ونظر بارزاني إلى القاهرة كعمق استراتيجي وداعم لحقوق الشعوب… ثالثا وهو الأهم في تصوري أن اللقاء كان “تأسيس لثقة متبادلة” وخطاب عربي-كردي معتدل، يتجاوز الشوفينية القومية، ويؤكد على الأخوة التاريخية التي تجمع الشعبين.
واليوم ونحن نحتفل بذكرى التأسيس وسط عواصف السياسة الدولية وأجواء العبث بمقدرات الشعوب، وسقوط العهود والمواثيق الإنسانية قبل السياسية، نؤكد مجددا على تلك المعاني التاريخية تصحيحا لأى مغالطات تثير الريبة والشكوك مجددا حول أحلام وتطلعات وتصورات الشعب الكردي وقضيته العادلة.. فالقضية الكردية ليست مجرد نزاع سياسي أو حدودي، بل هي واحدة من أعمق قضايا الهوية في الشرق الأوسط.
ولا ينبغي لنا أن نسقط من حساباتنا أننا نتحدث عن “أمة عريقة” ينظر اليها على مدار التاريخ كأحد الشعوب الأصيلة التي ساهمت في بناء حضارة وتاريخ المنطقة (ولعل شخصية صلاح الدين الأيوبي هي الرمز الأبرز لهذا التداخل التاريخي).
وهذا يقودنا أيضا الى اليقين بأن “عدالة المطلب”، تستند الى محورية القضية الكردية حول الحقوق الإنسانية الأساسية؛ كالحق في اللغة، والثقافة، والمشاركة السياسية العادلة، والإدارة الذاتية في إطار دول ديمقراطية تحترم التعددية .
وأخيرا علينا أن نتذكر دوما، أن “الجغرافيا السياسية” شاهد عدل على معاناة الكرد لعقود من تقسيم جغرافيتهم وسحق هوياتهم إثر معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى (مثل سايكس بيكو ولوزان)، مما جعل نضالهم مستمراً للحفاظ على وجودهم الثقافي والسياسي وسط بيئة إقليمية بالغة التعقيد .
وهنا لا يسعنا إلا أن نتوقف باحترام واجلال للدور المحوري لمكتب الحزب الديمقراطي في القاهرة، واسهاماته البارزة في الحفاظ على ذاكرة الأمة الكردية لتكون حاضرة دوما في عقل وقلب القاهرة، اذ لم يكن الوجود السياسي الكردي في العاصمة المصرية مجرد تمثيل دبلوماسي تقليدي، بل كان “جسر عبور” حقيقي بين ثقافتين وشعبين.
وقد لعب مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في القاهرة دورا هو الأهم ، بما أسهم به من دور تنويري بعدالة القضية . اذ نجح في كسر العزلة الإعلامية، من خلال عمل المكتب كمنبر إعلامي نشط لتوضيح حقيقة القضية الكردية للرأي العام العربي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي كانت تروج لها بعض الأنظمة للوقيعة بين العرب والكرد.
ومن خلال آليات “الدبلوماسية الثقافية” نظم المكتب ندوات، وطبع كتباً، وترجم أعمالاً من الكردية إلى العربية والعكس.. ليظهر للمثقف العربي الوجه الحضاري والإنساني للنضال الكردي.
ليصبح قادرا على بناء شبكة علاقات عربية، مع النخب السياسية، والمفكرين، والصحفيين المصريين والعرب، الأمر الذى أتاح غطاءً معنوياً وسياسياً داعماً للكرد في الأزمات العابرة.
وفي مواجهته وصراعه في مواجهة حملات التضليل بالشأن الكردي. رسخ مبدأ “المصير المشترك” وفكرة أن استقرار الشرق الأوسط وازدهاره لا يمكن أن يتحقق إلا بإنصاف الشعب الكردي، وأن التآخي العربي-الكردي هو حجر الزاوية لمواجهة التحديات المشتركة.
إن إحياء هذه الذكرى هو تذكير بأن لغة الحوار، والاعتراف المتبادل، والبحث عن المشتركات التاريخية (كما حدث في القاهرة عام 1958) هي السبيل الأنجح لحل قضايا المنطقة وبناء مستقبل قائم على التعايش والسلام.