هوشيار زيباري في النجف.. وفاء لرجالات التأسيس وانفتاح على الحوار الوطني

الشيخ داود سليمان بيگ

زيارة تجمع بين الرمزية الدينية والذاكرة التاريخية، وتسلط الضوء على الدور الوطني للكورد الفيليين في تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

لم تكن زيارة السيد هوشيار زيباري، مسؤول المركز القيادي للحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد، إلى محافظة النجف الأشرف، برفقة السيد آراس حبيب محمد كريم، الأمين العام للمؤتمر الوطني العراقي، مجرد زيارة دينية أو اجتماعية عابرة، بل حملت في مضامينها دلالات تاريخية وسياسية ووطنية، جمعت بين استحضار ذاكرة التأسيس والوفاء لرجالاتها، وفتح آفاق جديدة للتواصل والحوار بين أربيل والنجف.

وتضمنت الزيارة أداء مراسم الزيارة لمرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وزيارة مكاتب عدد من مراجع الدين العظام في النجف الأشرف، فضلاً عن زيارة قبر المناضل الراحل حبيب محمد كريم، استذكاراً لمسيرته النضالية وإسهاماته الوطنية والسياسية.

وتبرز أهمية المحطة الأخيرة على وجه الخصوص، إذ لم يكن حبيب محمد كريم شخصية عادية في تاريخ الحركة السياسية الكوردستانية، بل كان أحد أبرز رجالات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وشغل منصب سكرتير الحزب خلال مرحلة تاريخية مهمة من مسيرته.

فعندما نستحضر اسم حبيب محمد كريم، فإننا نستحضر مرحلة مفصلية من تاريخ تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي عُقد مؤتمره التأسيسي في السادس عشر من آب عام 1946.

وقد ارتبط اسم حبيب محمد كريم وشقيقه الدكتور جعفر محمد كريم بالبدايات الأولى للحزب ومسيرته السياسية، وهو ما يعكس حقيقة تاريخية مهمة تتمثل في الدور الذي أداه الكورد الفيليون في الحركة السياسية الكوردستانية، ومساهمتهم في بناء مؤسساتها ورفد قياداتها منذ مراحلها الأولى.

ولم يقتصر هذا الدور على الانتماء القومي أو الجغرافي، بل جاء تعبيراً عن رؤية سياسية ووطنية آمنت بأن القضية الكوردستانية قضية شعب بمختلف مكوناته، وأن العمل السياسي المشترك يمثل إحدى الركائز الأساسية لبناء الحركة الوطنية.

ومن هذا المنطلق، فإن زيارة قبر حبيب محمد كريم تحمل معنى الوفاء لذاكرة التأسيس، وتذكيراً بأن تاريخ الأحزاب والحركات السياسية لا يُكتب بأسماء قيادات الحاضر وحدها، بل بأسماء الرجال الذين أسهموا في وضع لبناتها الأولى.

أما زيارة مكاتب مراجع الدين العظام في النجف الأشرف، فتكتسب أهمية إضافية عند قراءتها في سياق العلاقات بين القيادة الكوردستانية والمرجعيات الدينية والقيادات السياسية الشيعية في العراق.

فالنجف ليست مجرد مركز ديني، بل تمثل إحدى أبرز المؤسسات الروحية والفكرية ذات الحضور المؤثر في المجتمع العراقي، كما كان للمرجعية الدينية دور فاعل في محطات مفصلية من تاريخ العراق الحديث.

ومن هنا، يمكن قراءة هذه الزيارة بوصفها خطوة في مسار التواصل والانفتاح على المؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية، وتعزيز الحوار بين مختلف مكونات المجتمع العراقي.

إن العلاقة بين أربيل والنجف ينبغي ألا تبقى محكومة بحدود الملفات السياسية الآنية أو الاختلافات في وجهات النظر، بل تحتاج إلى قنوات تواصل مستمرة، تقوم على الاحترام المتبادل، وفهم خصوصية كل طرف، والبحث عن المشتركات الوطنية التي تجمع العراقيين.

إن مرافقة السيد آراس حبيب محمد كريم للسيد هوشيار زيباري في هذه الزيارة تضيف إليها بُعداً تاريخياً واجتماعياً مهماً.

فآراس، بوصفه نجل المناضل الراحل حبيب محمد كريم، يمثل امتداداً لذاكرة عائلة ارتبط اسمها بتاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كما أن حضوره إلى جانب شخصية قيادية في الحزب يعيد التأكيد على أهمية العلاقات التاريخية والإنسانية التي جمعت رجالات الحركة السياسية الكوردستانية.

وتبرز هنا دلالة أخرى، تتمثل في أن الوفاء لرجالات التأسيس ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو اعتراف بالأدوار التي أدتها الشخصيات المختلفة في بناء الحركة السياسية، وترسيخ ثقافة احترام التاريخ وتضحيات رواده.

كما يمكن قراءة هذه الزيارة من خلال ثلاثة مسارات مترابطة:

أولاً: المسار السياسي: تعزيز التواصل بين قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والمرجعيات الدينية في النجف الأشرف، بما يفتح المجال أمام مزيد من الحوار والتفاهم بين المؤسسات السياسية والدينية في العراق.

ثانياً: المسار التاريخي: إعادة تسليط الضوء على الشخصيات التي أسهمت في تأسيس الحزب ومسيرته، وفي مقدمتها حبيب محمد كريم وشقيقه الدكتور جعفر محمد كريم، وإبراز مساهمة الكورد الفيليين في تاريخ الحركة السياسية الكوردستانية.

ثالثاً: المسار الوطني والاجتماعي: التأكيد على أن العلاقات بين مكونات العراق لا تُبنى على المصالح السياسية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى الاعتراف المتبادل بالتاريخ المشترك، وتعزيز الروابط الدينية والاجتماعية والإنسانية.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الدلالات تمثل قراءة سياسية ورمزية لمضامين الزيارة، ولا تعني بالضرورة وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية محددة لم يُعلن عنها.

إن الجمع بين زيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وزيارة مكاتب المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، واستذكار المناضل الراحل حبيب محمد كريم عند قبره، يمنح هذه الزيارة خصوصية واضحة، كونها تجمع بين احترام الرموز الدينية، والانفتاح على المرجعيات، والوفاء لرجالات أسهموا في صناعة تاريخ الحركة السياسية الكوردستانية.

ولعل الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذه الزيارة هي أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهو يستحضر رجالات تأسيسه، يستحضر في الوقت ذاته حقيقة أن تاريخ الحركة الكوردستانية كان ثمرة جهود وإسهامات شخصيات متعددة، وأن الكورد الفيليين كانوا جزءاً أصيلاً من هذا التاريخ، وأسهموا في بناء مسيرته السياسية منذ بداياتها.

إن حبيب محمد كريم ينتمي إلى ذاكرة التأسيس، وزيارة قبره تمثل وفاءً لتلك الذاكرة، فيما تمثل النجف فضاءً رحباً للتواصل والحوار والانفتاح الوطني.

فالتاريخ الذي لا يُنسى هو التاريخ الذي يُبنى عليه المستقبل، والوفاء لرجالات الأمس ينبغي أن يكون جسراً لتعزيز العلاقات الوطنية بين أبناء العراق اليوم وغداً.

قد يعجبك ايضا
∧