أنس الشيخ مظهر
استشهد أحد أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني على جلسة برلمان إقليم كوردستان، التي انتخبت هيئة رئاسته من دون مشاركة حزبه، بمشهد كوميدي للفنان فؤاد المهندس يقول فيه الطبيب: «العملية نجحت.. لكن المريض مات»، في إشارة منه إلى أن نجاح عقد جلسة البرلمان قد يكون على حساب وحدة الإقليم واستقراره، وأن ما جرى قد يوجه ضربة إلى تجربة كوردستان السياسية من الأساس.
التشبيه لافت وفي نفس الوقت خالٍ من الشعور بالمسؤولية، فإذا أخذنا الكلام على محمل الجد فإنه سيقودنا إلى السؤال التالي..
هل عقد جلسة البرلمان وتشكيل حكومة الإقليم هي المشكلة أم المشكلة في تعطيل العملية السياسية والبرلمان والمؤسسات الرسمية في الإقليم لأكثر من عامين؟
وهنا نصل إلى المفارقة الأساسية في خطاب الاتحاد الوطني.. فيبدو أن الاتحاد الوطني كان يريد أن يضع الإقليم امام خيارين…
إما أن تبقى المؤسسات فيه معطلة لأن الاتحاد الوطني يريدها حسب شروطه ومصالحه الحزبية، أو أن يهدد الإقليم في صميم وحدته.
الأخطر في الطرح أن يتم التلميح إلى تحويل إقليم كوردستان إلى كيانين سياسيين وإداريين بضمير مرتاح وكانه امر طبيعي.. دون ان يسال هذا السيد او من يدعمه انفسهم هل إن عدم مشاركتهم في إدارة الإقليم يبرر الذهاب إلى تقسيم الإقليم؟
إن التفكير بتقسيم الإقليم لخلافات حزبية ومصالح تتعلق بتوزيع السلطة، أقل ما يقال عنه أنه خيانة للقضية الكوردية وتضحيات شعبها من أجل حسابات حزبية ضيقة. فالقضية الكوردية أكبر من أي حزب، ووحدة الإقليم ليست ورقة ضغط في مفاوضات تشكيل الحكومة، ولا يجوز أن يصبح مصير شعب بأكمله رهينة خلاف على المواقع والنفوذ.
وبعيداً عن خطورة هذا التلويح، هل فكّر أصحاب هذا الطرح في مصير المناطق التي يسيطرون عليها ويهددون باقتطاعها؟ هل تستطيع تلك المناطق أن تنفصل عن إقليم كوردستان وتتحول إلى كيان مستقل سياسياً وإدارياً واقتصادياً، وهي محاطة ببغداد وإيران وبقية أراضي الإقليم؟ وكيف ستدير شؤونها وارتباطاتها الاقتصادية والأمنية، وما الذي سيبقى لها من خصوصية ومكانة سياسية وهي تجد نفسها مضطرة إلى الارتباط ببغداد بصورة أكبر؟ ولماذا دائماً تكون اوراق الضغط عندهم ان يتحولوا الى تبعية لهذا وذاك؟
إن المناطق التي يهددون باقتطاعها ليست جزيرة معزولة تستطيع العيش خارج محيطها الكوردستاني، وتقسيم الإقليم لن يمنحها قوة أو استقلالية أكبر، بل قد يحرمها من عمقها السياسي والاقتصادي والجغرافي، ويضعها أمام واقع أكثر تعقيداً، تكون فيه خياراتها محدودة وتبعيتها لبغداد أو طهران أكبر. وهكذا فإن التهديد الذي يُراد به الضغط على الحزب الديمقراطي قد ينتهي إلى الإضرار بالمناطق التي يهددون باقتطاعها وبمصالح اهلها قبل أي طرف آخر. بل إن هذا السيناريو قد يتحول إلى طلقة يطلقها الاتحاد الوطني على نفسه , فإذا كان أحد أعضاء مكتبه السياسي يحذر من موت المريض بسبب جلسة برلمانية، فكيف سيكون وصفه لمريض يختار حزبه تقسيمه بنفسه؟ عندها لن يكون الحديث عن أزمة مؤسسات أو خلاف على المشاركة، بل عن إضعاف الكيان الكوردستاني وتعريض مستقبل جزء عزيز من كوردستان لمخاطر جسيمة.
يجب ألّا نتجاهل أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يلجأ إلى تفعيل المؤسسات دون الاتحاد الوطني منذ بداية الأزمة، رغم امتلاكه القدرة على اتخاذ هذه الخطوة في وقت مبكر. لقد اختار طوال العامين الماضيين سياسة النفس الطويل، وتحمل الكثير من الخلافات والتعطيل، وأبقى باب التفاهم مفتوحاً، متصرفاً بمنطق الأخ الأكبر الذي يحرص على احتواء الخلاف وانتظار عودة شريكه إلى طاولة المسؤولية المشتركة، بدلاً من الذهاب إلى خيارات تزيد الانقسام. لكن للصبر حدوداً، ولا يمكن أن تظل مؤسسات الإقليم رهينة انتظار تفاهم قد لا يأتي. ومن هنا ينبغي قراءة خطوة تفعيل المؤسسات في سياق عامين من الانتظار ومحاولات التفاهم، لا تصويرها وكأنها قرار مفاجئ بإقصاء الاتحاد الوطني.
لا أحد ينكر أهمية الاتحاد الوطني ومكانته السياسية والتاريخية، ومن حقه أن يعترض ويطالب بضمانات ويمارس دوره السياسي، لكن هناك فرقٌ كبير بين المطالبة بالشراكة وبين جعل الغياب وسيلة لتعطيل المؤسسات، ثم اعتبار استمرارها من دون الحزب تهديداً للإقليم. فالغياب لا ينبغي أن يتحول إلى فيتو غير معلن يمنح الحزب الغائب سلطة تعطيل إرادة الحاضرين، كما أن الشراكة لا تعني امتلاك حق تعطيل الحياة السياسية كلما تعذر التفاهم بين طرفين.
والأغرب أن التهديد الذي يضر بصاحبه أكثر مما يضر بخصمه لا يُعد ورقة ضغط ناجحة، بل يتحول إلى عبء عليه. فكلما طال غياب الاتحاد الوطني، تعلّمت المؤسسات كيف تواصل عملها من دونه، بينما يفقد الحزب تدريجياً فرص التأثير في القرارات من داخل البرلمان والحكومة. كان بإمكانه أن يعترض ويعدّل ويعارض ويفاوض من داخل المؤسسات، أما المقاطعة المفتوحة فتجعله يتخلى بنفسه عن أدوات التأثير التي يمتلكها.
هناك نقطة مهمة يجب الإشارة إليها وهي أننا نتحدث عن حكومة ذات عمر سياسي محدود، لا عن تأسيس كيان جديد أو إعادة رسم مستقبل الإقليم لعقود قادمة. فهل يستحق الخلاف على المشاركة في حكومة لن يتجاوز عمرها المتبقي نحو سنتين الى ان يتم التلميح بتهديد مصير إقليم كوردستان ؟
ثم كيف يمكن لحزب يقول إنه يدافع عن مصالح الإقليم ويحمل مشروعاً سياسياً لخدمة كوردستان، أن يجعل كوردستان نفسها ضحيته الأولى عندما تتعارض المصلحة العامة مع مصالحه الحزبية؟ وكيف يمكن أن تصبح المناطق التي يدّعي الدفاع عن مصالحها؟ أليست مصلحة المواطنين في وجود برلمان يمارس دوره وحكومة تدير شؤونهم أولى من استمرار الخلاف على المواقع والحصص السياسية؟
ليس المطلوب إقصاء الاتحاد الوطني أو الانتقام منه، فمكانته السياسية والتاريخية لا تلغي حقه في المشاركة والاعتراض والمطالبة بالضمانات، كما أن أبواب العمل السياسي والمؤسساتي تظل مفتوحة أمامه. لكن الشراكة لا تعني أن يتوقف الجميع عندما يقرر أحد الأطراف عدم المشاركة، واحترام التعددية لا يعني أن تتحول المؤسسات إلى رهينة للتوافقات الحزبية إلى أجل غير معلوم.
هذا الموقف يذكرني بما كنا نفعله ونحن أطفال عندما نختلف على اللعب، فإذا لم يوافق الآخرون على شروط أحدنا، كان يقول: «إما أن ألعب، أو أخرّب الملعب!». كانت العبارة تُغتفر في خلافات الأطفال، لكنها لا تصلح لإدارة شؤون شعب ومؤسسات وتجربة سياسية بحجم إقليم كوردستان.
كوردستان ليست ملكاً للأحزاب، وليست ورقة في سوق الأطراف السياسية، ومستقبل شعب بأكمله لا يجوز أن يصبح رهينة لمصالح حزبية. ومن يريد حماية المريض فلا يمنع علاجه لأنه ليس الطبيب، ولا يهدد بتمزيق جسده لأنه لم يحصل على ما يريد. فليس من المقبول أن يكون مصير شعب بأكمله: إما أن ألعب أو أخرّب الملعب… خاصةً إن كانت ساحتك لا تحوي أكثر من ثلاثة وعشرين مقعداً…