نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست مأساة الثقافة العراقية في غياب المفكرين والعلماء والمبدعين، بقدر ما تكمن في عجز مؤسساتها الثقافية والأكاديمية عن اكتشاف قيمة منجزهم والاحتفاء بهم في حياتهم وبعد رحيلهم. فكثيراً ما نكتشف قيمة مفكرينا من خلال الجامعات الغربية ومراكز البحث العالمية، وكأن الاعتراف الخارجي أصبح شرطاً ضرورياً لكي نلتفت إلى ما أنتجته عقول عراقية من معرفة وإبداع. ومن بين هذه الأسماء التي تستحق استعادة جادة، يبرز اسم الفيلسوف والباحث العراقي محسن مهدي (1924 – 2007)، أحد أبرز المتخصصين عالمياً في الفلسفة العربية الإسلامية، وصاحب إسهامات علمية تركت أثراً عميقاً في دراسة الفارابي وابن خلدون والتراث السردي العربي.

ولد محسن مهدي في العراق، في قضاء عين تمر التابع لمحافظة كربلاء، وتلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث درس الاقتصاد والفلسفة، قبل أن يتجه إلى الولايات المتحدة لمواصلة دراساته العليا. وحصل على الدكتوراه في الفلسفة في جامعة شيكاغو عام 1954، عن أطروحته التي تناولت فلسفة التاريخ عند عبد الرحمن بن خلدون. ثم واصل مسيرته الأكاديمية والبحثية، حتى أصبح أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية في جامعة هارفرد، وشغل كرسي جيمس ريتشارد جيويت للغة العربية، وظل اسمه حاضراً في الأوساط الفلسفية والاستشراقية العالمية.
لم يكن محسن مهدي مجرد أستاذ جامعي متخصص في الفلسفة الإسلامية، بل كان باحثاً يمتلك مشروعاً معرفياً متكاملاً، يقوم على إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي قراءة تاريخية وفلسفية نقدية، بعيداً عن التبجيل الذي يعطل العقل، أو الأحكام المسبقة التي تختزل ذلك التراث في صورة جامدة. لقد تعامل مع الفلاسفة المسلمين بوصفهم منتجين للمعرفة، ومشاركين في الحوار الإنساني الممتد بين الحضارات، وليسوا مجرد ناقلين للفلسفة اليونانية أو شراحاً لها.
يشكل اشتغال محسن مهدي على أبي نصر الفارابي (نحو 870 ـ 950م) واحداً من أهم فصول مشروعه الفكري. فقد أدرك أن أهمية الفارابي لا تكمن في كونه شارحاً لأرسطو، أو ناقلاً للفكر اليوناني إلى العربية، وإنما في قدرته على بناء تصور فلسفي جديد، يربط بين المعرفة النظرية والحياة المدنية، وبين الفلسفة والدين، وبين طبيعة الإنسان وشروط الاجتماع السياسي.
في كتابه (الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسية)، الذي ترجمته وداد الحاج حسن، يقدم مهدي قراءة عميقة للمصادر الفكرية التي أسهمت في تكوين فلسفة الفارابي، متتبعاً أثر التراث الأفلاطوني والأرسطي، والأفلاطونية المحدثة، فضلاً عن البيئات الفكرية واللاهوتية التي عرفتها بغداد في ذلك العصر.
وتكمن أهمية هذه القراءة في أنها لا تنظر إلى الفارابي باعتباره تابعاً للفلسفة اليونانية، بل مفكراً استطاع أن ينتقي من تلك الموروثات ما يخدم مشروعه الخاص، وأن يعيد صياغة المفاهيم الفلسفية ضمن سياق إسلامي واجتماعي جديد. ومن هنا نفهم لماذا استحق الفارابي لقب (المعلم الثاني)، بعد أرسطو المعلم الأول. فقد أسهم في تأسيس تقليد فلسفي عربي إسلامي، تجاوز حدود الترجمة والشرح إلى بناء المفاهيم وإنتاج الأسئلة، وترك تأثيراً واضحاً في مسار الفلسفة اللاحق، ولا سيما لدى ابن سينا وابن رشد.
من أبرز القضايا التي توقف عندها محسن مهدي مفهوم الفلسفة المدنية عند الفارابي. ففي تصنيف العلوم، لم يتعامل الفارابي مع المعرفة بوصفها مجموعة موضوعات متفرقة، بل وضع العلوم في منظومة مترابطة، تشمل اللغة والمنطق والرياضيات والطبيعيات والإلهيات، إلى جانب العلم المدني والفقه والكلام.
وكان العلم المدني، في هذا التصور، معنيّاً بدراسة أفعال الإنسان الإرادية، والفضائل والرذائل، وأنماط الاجتماع البشري، والمدينة، والرياسة، والغاية التي ينبغي أن يتجه إليها المجتمع الإنساني.
وهنا تبرز أهمية قراءة مهدي؛ إذ يرى أن الفلسفة المدنية عند الفارابي تفتح مجالاً لفهم العلاقة بين الفلسفة والملة، أي بين التفكير العقلي والنظام الديني الذي ينظم حياة الجماعة. فالفلسفة لا تكتفي بتفسير العالم، بل تبحث أيضاً في كيفية تنظيم المجتمع، وفي الشروط التي تجعل الحياة الإنسانية أقرب إلى الفضيلة والسعادة.
لقد كانت هذه المسألة من أكثر المسائل عمقاً في الفكر الفارابي؛ فكيف يمكن الجمع بين العقل والوحي؟ وكيف تتشكل المدينة الصالحة؟ وما طبيعة العلاقة بين الحاكم والمواطنين؟ وهل تكفي القوانين وحدها لبناء مجتمع فاضل، أم أن بناء الإنسان معرفياً وأخلاقياً يمثل شرطاً أساسياً لذلك؟ هذه الأسئلة تجعل قراءة الفارابي تتجاوز حدود تاريخ الفلسفة إلى قضايا لا تزال مطروحة في المجتمعات المعاصرة.
في كتابه الشهير (آراء أهل المدينة الفاضلة)، وضع الفارابي تصوره للمدينة التي يتعاون أفرادها من أجل تحقيق السعادة الإنسانية. فالسعادة ليست مجرد امتلاك الثروة أو السلطة أو المتع المادية، وإنما بلوغ الكمال الإنساني عن طريق المعرفة والفضيلة والعمل الصالح. والمدينة الفاضلة، وفق هذا التصور، ليست تجمعاً سكانياً تحكمه المصالح الآنية، بل مجتمع يقوم على التعاون وتكامل الوظائف والمسؤوليات، ويكون فيه الرئيس مؤهلاً بالمعرفة والحكمة والقدرة على توجيه المجتمع نحو غايته الأخلاقية. وقد أولى الفارابي أهمية خاصة للرئيس الفيلسوف أو النبي، بوصفه حلقة وصل بين المعرفة العليا وتنظيم الحياة المدنية. كما بحث في مسألة استمرار الحكم بعد غياب الرئيس المؤسس، ودور القوانين والشرائع في حفظ نظام المدينة واستقرارها. ومن الضروري هنا عدم الخلط بين المدينة الفاضلة والمدينة الديمقراطية في تصنيف الفارابي؛ فالديمقراطية ترد ضمن أنماط المدن التي تختلف عن المدينة الفاضلة، وإن كان الفارابي يشير إلى ما قد يتوافر فيها من إمكانات وفضائل متنوعة.
إن أهمية هذا المشروع تكمن في أنه جعل السعادة والفضيلة والمعرفة معايير أساسية للحكم على طبيعة الاجتماع السياسي، وهي معايير تتيح لنا اليوم إعادة طرح سؤال الدولة: هل الغاية من السلطة المحافظة على امتيازات الحاكم، أم توفير الشروط التي يستطيع المواطن من خلالها أن يعيش حياة كريمة وآمنة وعادلة؟
لم ينحصر اهتمام محسن مهدي بالفارابي وحده، فقد ترك إسهاماً مهماً في دراسة ابن خلدون، من خلال أطروحته وكتابه (فلسفة ابن خلدون التاريخية)، الذي قدم فيه قراءة فلسفية لمنهج المؤرخ العربي الكبير، ولا سيما محاولته الانتقال بالتاريخ من مجرد تسجيل الأخبار والحوادث إلى البحث عن أسبابها وقوانينها الاجتماعية والعمرانية.
لقد كان ابن خلدون معنياً بفهم المجتمع وتحولاته، وبالعصبية والعمران والدولة وأسباب قيامها وانهيارها. وقد تعامل مهدي مع هذه المفاهيم باعتبارها عناصر في مشروع فكري متماسك، يستحق الدراسة والمقارنة ضمن تاريخ الفكر الإنساني.
أما إسهامه في تحقيق كتاب (ألف ليلة وليلة)، فيمثل وجهاً آخر من وجوه تميزه العلمي. فقد كرس سنوات من البحث والتحقيق لدراسة المخطوطات والروايات النصية، وسعى إلى بناء نص علمي محقق يستند إلى أقدم الشواهد المتاحة، بعيداً عن الاكتفاء بالطبعات المتداولة. وهذا العمل يكشف عن سعة اهتمامه؛ إذ جمع بين الفلسفة وتاريخ الأفكار والتحقيق النصي والتراث الأدبي.
إن رحيل محسن مهدي عام 2007 في الولايات المتحدة، من دون أن تتاح له العودة إلى العراق وزيارة مدينته التي ينتمي إليها، يثير أسئلة مؤلمة عن علاقة الوطن بمبدعيه، وعن الأسباب التي تجعل أسماء عراقية ذات حضور عالمي محدودة التداول في جامعاتها ومؤسساتها الثقافية.
لا ينبغي أن يكون الاحتفاء بمحسن مهدي مناسبة عاطفية عابرة، أو مجرد استذكار لسيرة أكاديمية ناجحة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع ثقافي وعلمي يتضمن إعادة نشر مؤلفاته وترجماتها، وتنظيم ندوات متخصصة حول فلسفته، وإدراج أعماله ضمن برامج الدراسات العليا، وتشجيع الباحثين على دراسة منهجه في قراءة الفارابي وابن خلدون.
كما أن من الضروري إعادة الاعتبار إلى تقاليد البحث الفلسفي الرصين، الذي لا يخشى مساءلة الموروث، ولا يتعامل معه بوصفه حقيقة مغلقة، بل يراه مجالاً مفتوحاً للفهم والتأويل والنقد والمقارنة.
إن محسن مهدي لم يكن مجرد عراقي عمل في جامعة هارفرد، بل كان واحداً من العقول التي أسهمت في جعل الفلسفة العربية الإسلامية موضوعاً أساسياً في البحث الأكاديمي العالمي. وقد استفاد من منجزه باحثون عرب وأجانب، وأصبحت دراساته مرجعاً مهماً في فهم الفارابي وابن خلدون وتاريخ الفلسفة.
إن استعادة هذه الشخصية ليست منّة من أحد، بل هي واجب ثقافي تجاه تاريخنا الفكري، ودعوة إلى مراجعة علاقتنا بالعلماء والمفكرين الذين لم ننصفهم بما يستحقون. فالعراق الذي أنجب الفارابي وابن خلدون وغيرهما من أعلام الفكر، لا ينبغي أن يكتفي بالافتخار بماضيه، بل عليه أن يصنع بيئة تحترم العقل وتحتضن الباحث وتكرّم المعرفة.
إن قيمة الأوطان لا تقاس بعدد التماثيل التي تقيمها لمفكريها، بل بمقدار ما تمنحه لأفكارهم من حياة في جامعاتها ومدارسها ووعي أجيالها. ومحسن مهدي واحد من أولئك الذين ينبغي أن يعودوا إلى الذاكرة العراقية، لا بوصفهم أسماء من الماضي، بل بوصفهم مشاريع فكرية ما زالت أسئلتها حية في حاضرنا.