د. عصام البرّام
لم يعد الفساد في العراق مجرد ظاهرة إدارية أو مالية يمكن حصرها في دوائر الدولة ومؤسساتها، بل تحول إلى أزمة عميقة ومتجذرة تمس مختلف جوانب الحياة، وتلقي بظلالها الثقيلة على الفرد والمجتمع والدولة. فعلى الرغم من امتلاك العراق ثروات طبيعية هائلة، وفي مقدمتها النفط والغاز، فضلاً عن الإمكانات البشرية والموقع الجغرافي المهم، ما زالت شرائح واسعة من العراقيين تعاني الفقر والبطالة وضعف الخدمات وتراجع مستويات المعيشة. ويطرح هذا التناقض تساؤلات جوهرية حول أسباب تعثر مسيرة التنمية، وفي مقدمتها تفشي الفساد بمختلف أشكاله، واستغلال السلطة والنفوذ لتحقيق المصالح الشخصية والحزبية على حساب المصلحة العامة.
إن أزمة الفساد في العراق ليست وليدة مرحلة واحدة، وإنما هي نتيجة تراكمات سياسية وإدارية واقتصادية، ساهمت فيها الحروب والأزمات وضعف المؤسسات الرقابية، إلى جانب غياب المساءلة الحقيقية وانتشار المحاصصة السياسية التي أضعفت في كثير من الأحيان معايير الكفاءة والنزاهة في إدارة مؤسسات الدولة. وقد أدى ذلك إلى تحويل بعض المواقع الوظيفية إلى أدوات لتحقيق المكاسب الخاصة، بدلاً من أن تكون مسؤولية وطنية تهدف إلى خدمة المواطنين وحماية المال العام.
وتتعدد صور الفساد في العراق، من الرشوة والاختلاس والتلاعب بالعقود والمشاريع الوهمية، إلى استغلال المناصب العامة والتعيينات القائمة على المحسوبية والولاء، فضلاً عن هدر المال العام وتهريب الأموال إلى الخارج. ولا تقتصر خطورة هذه الممارسات على حجم الأموال المهدورة، بل تمتد إلى آثارها بعيدة المدى على ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وعلى قدرة النظام السياسي والإداري على أداء واجباته وتحقيق تطلعات المجتمع.
الفساد وانعكاساته على الفرد والمجتمع
يعد المواطن العراقي الحلقة الأكثر تأثراً بأزمة الفساد، لأنه يتحمل بصورة مباشرة نتائج سوء الإدارة وهدر الموارد العامة. فعندما تُسرق الأموال المخصصة لبناء المستشفيات والمدارس والطرق، يكون المواطن هو من يدفع الثمن من صحته وتعليمه ومستوى معيشته. وعندما تتحول الوظيفة العامة إلى امتياز تمنحه العلاقات والمحسوبية بدلاً من الكفاءة والاستحقاق، يفقد الشاب المجتهد فرصته في الحصول على عمل مناسب، ويشعر بأن جهده العلمي والمهني لا قيمة له أمام نفوذ أصحاب المصالح.
وقد ساهم الفساد في تعميق مشاعر الإحباط واليأس لدى قطاعات واسعة من الشباب، الذين باتوا يرون أن المستقبل داخل البلاد أصبح غامضاً، الأمر الذي دفع بعضهم إلى التفكير بالهجرة بحثاً عن فرص أفضل وبيئة تقدر الكفاءة وتحترم القانون. ولا تمثل هذه الهجرة خسارة للأفراد وحدهم، بل تعد استنزافاً خطيراً للطاقات العلمية والخبرات الوطنية التي يحتاج إليها العراق في عملية البناء والإعمار.
ومن الناحية الاجتماعية، أدى انتشار الفساد إلى إضعاف قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وأوجد شعوراً متزايداً بعدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بل وبين أفراد المجتمع أنفسهم. فعندما يعتقد الإنسان أن النجاح لا يتحقق بالعمل والاجتهاد، وإنما بالواسطة والمال والنفوذ، تتراجع قيمة الالتزام بالقانون، ويصبح تجاوز الأنظمة أمراً مألوفاً لدى بعض الفئات. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الفساد، وهي انتقاله من ممارسة ترتكبها مجموعة من المسؤولين إلى ثقافة سلبية تهدد منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية.
كما أسهم الفساد في توسيع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، إذ ازدادت ثروات فئات محدودة مستفيدة من النفوذ والامتيازات، في مقابل استمرار معاناة شرائح واسعة من المواطنين من الفقر وضعف الخدمات وارتفاع تكاليف الحياة. وأدى ذلك إلى تراجع الشعور بالعدالة الاجتماعية، وازدياد التوترات والاحتقان، بما يهدد التماسك المجتمعي ويضعف فرص الاستقرار.
الفساد وتهديد مستقبل الدولة العراقية
لا تتوقف تداعيات الفساد عند الفرد والمجتمع، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً لبنية الدولة وهيبتها وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية. فالدولة التي تعجز عن حماية المال العام ومحاسبة المتجاوزين تفقد تدريجياً ثقة مواطنيها، وتضعف قدرتها على فرض القانون وتحقيق الاستقرار. كما أن استمرار الفساد يؤدي إلى إهدار الموارد المالية التي يفترض أن تُستثمر في تطوير الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد المفرط على النفط.
وفي العراق، تتجلى خطورة هذه الأزمة بوضوح في تعثر عدد من المشاريع الخدمية والاستثمارية، وتراجع كفاءة المؤسسات، وارتفاع كلفة تنفيذ المشاريع مقارنة بما تحققه من نتائج فعلية. كما أن الفساد يخلق بيئة طاردة للاستثمار، لأن المستثمر المحلي والأجنبي يحتاج إلى قوانين واضحة وإجراءات شفافة ومؤسسات مستقرة، بعيداً عن الابتزاز الإداري والصفقات غير القانونية والتدخلات السياسية.
ومن أبرز المخاطر أيضاً أن الفساد يضعف المؤسسات الديمقراطية، عندما تتحول بعض المواقع السياسية والإدارية إلى أدوات لخدمة المصالح الضيقة، بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق الإرادة الشعبية. كما يؤدي إلى تشويه مفهوم المواطنة، حين يشعر المواطن بأن حقوقه مرتبطة بانتمائه أو علاقاته، لا بصفته مواطناً يتمتع بحقوق دستورية متساوية مع الآخرين.
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الشعارات والوعود، وتضع مكافحة الفساد في مقدمة أولويات الإصلاح الوطني. ويبدأ ذلك بتعزيز استقلال القضاء والأجهزة الرقابية، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ومحاسبة المتورطين في سرقة المال العام مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم. كما ينبغي تطوير الإدارة الحكومية واعتماد التحول الرقمي في المعاملات، بما يقلل الاحتكاك المباشر ويحد من فرص الرشوة والتلاعب، فضلاً عن اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التعيينات والمناصب العامة.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة النزاهة والرقابة المجتمعية، وتعزيز وعي المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وتشجيعهم على رفض الرشوة والمحسوبية وعدم التستر على التجاوزات. فمكافحة الفساد ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون مؤسسات الدولة والمجتمع بمختلف فئاته.
من هنا، فإن أزمة الفساد في العراق تمثل تحدياً وجودياً لمستقبل الدولة والمجتمع، لأنها لا تسرق الأموال فحسب، بل تسرق الفرص والأحلام والثقة بالمستقبل. والعراق، بما يمتلكه من ثروات وطاقات بشرية وتاريخ حضاري عريق، قادر على تجاوز هذه الأزمة إذا توفرت قيادة تؤمن بالإصلاح، ومؤسسات تعمل وفق القانون، ومجتمع يرفض تحويل الفساد إلى أمر اعتيادي. فبناء الدولة لا يتحقق بكثرة الموارد وحدها، وإنما بحسن إدارتها وعدالة توزيعها ونزاهة القائمين عليها. وستبقى معركة العراق الحقيقية هي استعادة ثقة المواطن بدولته، وترسيخ مبدأ أن المال العام ملك لجميع العراقيين، وأن الوظيفة العامة تكليف لخدمة الوطن وليست وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.