المهندس إياد ذياب الجبوري مدير زراعة ديالى: حماية الثروة الزراعية ودعم الفلاحين مسؤولية وطنية لضمان الأمن الغذائي
التآخي – عرفان الداوودي
ديالى.. حين تتحدث الأرض بلغة الخير والعطاء
في شرق العراق، حيث تمتد الأراضي الزراعية على ضفاف نهر ديالى وروافده، وتتعانق أشجار البرتقال والليمون مع النخيل والرمان، وتفوح من البساتين روائح الثمار الناضجة، تقف محافظة ديالى شامخةً بتاريخها الزراعي العريق، بوصفها واحدة من المحافظات التي ارتبط اسمها بالأرض والخضرة والإنتاج، حتى غدت الزراعة جزءاً أصيلاً من هويتها الاقتصادية والاجتماعية والتراثية.
ديالى ليست مجرد محافظة على خارطة العراق، بل حكاية أرضٍ سخية، وأيادٍ تعبت في حراثة التربة وسقي الأشجار وجني الثمار، وأجيال ورثت حب الزراعة عن الآباء والأجداد، فحافظت على البساتين وحوّلتها إلى مصدر للرزق والعطاء.
ومن بين مدنها وأقضيتها ونواحيها، تبرز بعقوبة بلقبها المعروف «مدينة البرتقال»، بما تختزنه من ذاكرة زراعية ارتبطت ببساتين الحمضيات، من البرتقال والليمون واليوسفي وسائر الأصناف، فيما تتألق بساتين المقدادية بشهرتها في إنتاج الرمان، وتحتفظ مناطق أخرى من المحافظة بتاريخها في زراعة النخيل وإنتاج التمور بمختلف أنواعها، فضلاً عن العنب والفواكه الموسمية.
ولا تتوقف خيرات ديالى عند أشجار الفاكهة، إذ تمتد مساحاتها الزراعية إلى حقول الحنطة والشعير، اللذين يمثلان ركيزتين أساسيتين في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، إلى جانب محاصيل أخرى تسهم في توفير احتياجات الأسواق المحلية.
كما تشتهر ناحية السعدية، بصورة خاصة، بزراعة الفستق، حتى أصبحت المنطقة الوحيدة المعروفة بهذا المحصول على نطاق واسع في ديالى. وتنتج السعدية مئات الأطنان من الفستق سنوياً، يجري تسويقها وتصديرها إلى محافظتي الموصل وأربيل، ما يمنح هذا المحصول أهمية اقتصادية وتجارية متزايدة، ويجعل الناحية مركزاً مميزاً لإنتاج الفستق في المحافظة.

إن هذه الثروة المتنوعة تجعل من ديالى مساحة واسعة للإنتاج الزراعي، ومصدراً مهماً للرزق والعمل، وركيزةً من ركائز التنمية المحلية، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام الجهات الزراعية مسؤولية كبيرة تتمثل في حماية البساتين، ومواجهة شح المياه، ودعم الفلاحين، وتطوير وسائل الإنتاج والتسويق.
ومن هنا، جاءت جولتنا الصحفية لتسليط الضوء على واقع القطاع الزراعي في المحافظة، والوقوف على الجهود التي تبذلها مديرية زراعة ديالى في متابعة شؤون المزارعين، وتطوير الإنتاج النباتي والحيواني، والتعامل مع التحديات التي تواجه هذا القطاع الحيوي.
مديرية زراعة ديالى.. إدارة القطاع الزراعي ومتابعة شؤون الفلاحين
خلال جولتنا الصحفية، التقينا المهندس إياد ذياب الجبوري، مدير زراعة ديالى، وتحدثنا معه عن واقع الزراعة في المحافظة، وأهمية البساتين والمحاصيل الاستراتيجية، ودور المديرية في متابعة النشاط الزراعي وتقديم الإرشادات الفنية للمزارعين، فضلاً عن التحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي وسبل النهوض به.
ويُعد التواصل مع إدارة القطاع الزراعي خطوة مهمة لفهم طبيعة العمل الذي تضطلع به المديرية، باعتبارها إحدى الجهات المعنية بمتابعة الخطط الزراعية، والإشراف الإرشادي والفني، والتنسيق مع الجهات المختصة بشأن المحاصيل والبساتين والثروة الحيوانية، ضمن الصلاحيات والإمكانات المتاحة.
فالزراعة ليست مجرد عملية بذر وحصاد، بل منظومة متكاملة تبدأ من إعداد الأرض واختيار البذور والأصناف الملائمة، مروراً بالري والتسميد ومكافحة الآفات، وانتهاءً بالحصاد والخزن والتسويق. وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يمكن أن ينعكس على كمية الإنتاج وجودته، وعلى دخل الفلاح واستقرار الأسواق.
ومن هنا، تبرز أهمية الدور الفني والإرشادي الذي تضطلع به المؤسسات الزراعية، من خلال توعية المزارعين بالأساليب الحديثة، ومساعدتهم على التعامل مع التغيرات المناخية، وترشيد استخدام المياه، والحفاظ على خصوبة التربة، وتحسين إنتاجية الدونم الواحد.
بساتين البرتقال والحمضيات.. ذاكرة ديالى الزراعية
عندما يُذكر اسم ديالى، تتقدم الحمضيات إلى الذاكرة بوصفها واحدة من أبرز العلامات التي عرّفت المحافظة على مستوى العراق.
لقد ارتبطت بعقوبة تاريخياً ببساتين البرتقال، التي لم تكن مجرد أشجار مثمرة، بل شكلت نمط حياة متكاملاً لعائلات كثيرة، ومصدراً للدخل والعمل، ومساحةً اجتمعت فيها خبرة الأجداد مع جهود الأجيال الجديدة.
وتتنوع الحمضيات التي تُزرع في المحافظة بين البرتقال والليمون واليوسفي وأصناف أخرى، تختلف في مواسم نضجها وخصائص ثمارها واحتياجاتها الزراعية.
وتحتاج هذه البساتين إلى عناية مستمرة، تبدأ من توفير المياه المناسبة، واختيار الشتلات السليمة، وإجراء التقليم والتسميد في الأوقات الملائمة، وصولاً إلى مكافحة الآفات والأمراض التي قد تصيب الأشجار أو تؤثر في جودة الثمار.
غير أن الحفاظ على هذه الثروة يواجه تحديات تتعلق بشح المياه، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع العناية ببعض البساتين، فضلاً عن تأثير التغيرات المناخية في نمو الأشجار وكميات الإنتاج.

وتشير دراسات أكاديمية منشورة عن ديالى إلى تذبذب إنتاجية الحمضيات والتمور خلال السنوات الماضية نتيجة عوامل مناخية وبشرية، الأمر الذي يؤكد أهمية وضع برامج مستدامة لحماية البساتين وإعادة تأهيل المتضرر منها.
إن حماية بساتين البرتقال ليست مسؤولية اقتصادية فحسب، بل هي أيضاً مسؤولية تجاه تراث المحافظة وهويتها الزراعية. فكل بستان يُحافَظ عليه يمثل مورداً للرزق، وفرصة للعمل، ومساحة خضراء تسهم في الحفاظ على البيئة.
النخيل والتمور.. ثروة تتوارثها الأجيال
إلى جانب الحمضيات، تحتل أشجار النخيل مكانة مهمة في تاريخ الزراعة بديالى، إذ تنتشر في عدد من مناطق المحافظة، وتنتج أصنافاً متنوعة من التمور التي تختلف في ألوانها ومذاقها ومواسم نضجها.
ولا تقتصر أهمية النخيل على إنتاج التمور، بل تمتد إلى دوره في دعم اقتصاد العائلات الزراعية، وتوفير فرص العمل في عمليات التلقيح والخدمة والجني والتعبئة والتسويق.
كما تمثل زراعة النخيل جزءاً من الخبرة الزراعية المتوارثة، التي تحتاج إلى التطوير من خلال تحسين خدمة الأشجار، ومكافحة الآفات، واستخدام أساليب الري الملائمة، وتوفير وسائل حديثة لخزن التمور وتسويقها.
ومن الضروري كذلك الاهتمام بجودة المنتج المحلي، وتشجيع الصناعات المرتبطة بالتمور، مثل التعبئة والتغليف وتصنيع المنتجات الغذائية، بما يساعد على رفع القيمة الاقتصادية للمحصول وعدم الاكتفاء ببيعه مادةً أولية.
إن مستقبل النخيل في ديالى يرتبط بقدرة الجهات المعنية والمزارعين على حماية الأشجار القائمة، وتجديد البساتين التي تراجعت إنتاجيتها، وتوفير متطلبات الخزن والتسويق التي تضمن وصول المنتج إلى المستهلك بجودة مناسبة.
رمان المقدادية.. ثمرة تحمل اسم المحافظة
ومن الحمضيات والنخيل نصل إلى الرمان، الذي ارتبط اسم ديالى به ارتباطاً وثيقاً، ولا سيما رمان المقدادية المعروف بجودته وشهرته في الأسواق المحلية.
وتشكل بساتين الرمان مورداً اقتصادياً مهماً لعدد من العائلات الزراعية، كما أن موسم جني الثمار يمثل فرصة لتشغيل الأيدي العاملة وتنشيط الأسواق المحلية.
وتحتاج هذه البساتين إلى برامج رعاية منتظمة، واختيار أصناف ملائمة، وتوفير مياه الري، ومتابعة الآفات والأمراض، فضلاً عن الاهتمام بعمليات الفرز والتعبئة والنقل لتقليل التلف والمحافظة على جودة الثمار.
وقد أشارت تقارير صحفية سابقة إلى أن اعتماد أساليب زراعية حديثة وإدخال أصناف جديدة أسهما في دعم بعض بساتين الرمان في ديالى رغم تحديات الجفاف.
ومن المهم أن تتواصل هذه الجهود ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل البساتين، وتقديم الإرشادات الفنية للمزارعين، وفتح منافذ تسويقية مناسبة، بما يحافظ على سمعة المنتج المحلي ويعزز قدرته على المنافسة.

الحنطة والشعير.. الأمن الغذائي يبدأ من الحقول
إذا كانت الحمضيات والرمان والتمور تمثل الواجهة البستانية المميزة لديالى، فإن الحنطة والشعير يمثلان جانباً أساسياً من أهميتها في إنتاج المحاصيل الحقلية.
وتنتشر زراعة الحنطة في مناطق متعددة من المحافظة، من بينها العظيم وبلدروز وخانقين، فيما تشكل المحاصيل الحقلية مورداً اقتصادياً مهماً للمزارعين، وتسهم في دعم الأمن الغذائي وتوفير المواد الأولية اللازمة لعدد من الأنشطة الاقتصادية.
وتتطلب زراعة الحنطة والشعير تخطيطاً دقيقاً للموسم الزراعي، يبدأ باختيار البذور الملائمة، وتحديد مواعيد الزراعة، ومراعاة الظروف المناخية، وتوفير مياه الري عند الحاجة، وصولاً إلى الحصاد وتسويق المحصول.
لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، وفي مقدمتها شح المياه وتقلبات الأمطار وتكاليف مستلزمات
واضافةمديرية زراعة ديالى، بأن إنتاج الحنطة للموسم المذكور انخفض بنحو 50 إلى 55 بالمئة مقارنة بالموسم السابق، نتيجة شح المياه وتقليص المساحات الزراعية. وأشارت تقارير أخرى خلال الشهر نفسه إلى أن المساحات المزروعة المشمولة بالتسويق تجاوزت 305 آلاف دونم، مع اختلاف التقديرات بشأن الكميات المتوقعة للتسويق.
وتوضح هذه الأرقام أهمية التعامل مع ملف المياه بوصفه أحد أبرز المحددات لمستقبل الزراعة في ديالى، وضرورة تنسيق الجهود بين المؤسسات الزراعية والجهات المعنية بإدارة الموارد المائية، لضمان توزيع المياه وفق الخطط المعتمدة، ومساعدة المزارعين على اعتماد تقنيات الري الحديثة حيثما أمكن.
كما أن تسهيل تسويق المحاصيل، وتوفير المستلزمات الزراعية، وتقليل الفاقد أثناء الحصاد والخزن والنقل، تمثل خطوات مهمة لحماية دخل الفلاح وتعزيز استقرار الإنتاج.
الفستق في ناحية السعدية.. محصول مميز وأسواق تمتد إلى الموصل وأربيل
تُعد ناحية السعدية المنطقة الوحيدة في ديالى التي اشتهرت بصورة خاصة بزراعة الفستق، إذ تحولت زراعته فيها إلى نشاط اقتصادي بارز ومصدر مهم لدخل عدد من العائلات الزراعية.
وتنتج السعدية مئات الأطنان من الفستق، التي لا تقتصر على تلبية احتياجات الأسواق المحلية، بل يجري تصديرها وتسويقها إلى محافظتي الموصل وأربيل، ما يعكس جودة المنتج وارتفاع الطلب عليه خارج حدود ديالى.
وتمنح هذه المكانة ناحية السعدية ميزة زراعية وتجارية مهمة، وتفتح المجال أمام تطوير زراعة الفستق من خلال زيادة الإنتاج، وتحسين عمليات الجني والفرز والتعبئة، وتوفير وسائل الخزن المناسبة، بما يحافظ على جودة المحصول ويرفع قيمته التسويقية.
كما تتطلب زراعة الفستق دراسة دقيقة للظروف المناخية والتربة وملوحة المياه واحتياجات الري، فضلاً عن اختيار الأصناف المناسبة وتوفير الشتلات الموثوقة والإرشادات المتخصصة.
ولا يكفي التوسع في زراعة هذا المحصول لتحقيق النجاح؛ إذ ينبغي أن يستند التطوير إلى خطط فنية واقتصادية تحدد احتياجات البساتين، وتكاليف الإنتاج، وسبل مكافحة الآفات، والمدة اللازمة لدخول الأشجار مرحلة الإنتاج، فضلاً عن متطلبات التسويق والنقل إلى المحافظات الأخرى.
ومن هنا، يمكن أن تؤدي مديرية زراعة ديالى بالتعاون مع المزارعين والجهات البحثية المختصة دوراً مهماً في دعم هذا النشاط، وتقديم الإرشادات الفنية، وتحسين جودة المنتج، وتعزيز حضور فستق السعدية في الأسواق العراقية.
إن تجربة السعدية في زراعة الفستق تمثل نموذجاً مهماً لتنويع الإنتاج الزراعي في ديالى، وتؤكد أن بعض مناطق المحافظة تمتلك خصوصيات زراعية يمكن تحويلها إلى فرص اقتصادية مستدامة إذا توافرت لها الرعاية والدعم والتخطيط المناسب.
مدير قسم الأراضي.. توضيحات بشأن واقع الأراضي الزراعية
وخلال لقائنا في مديرية زراعة ديالى، كان حاضراً معنا أيضاً السيد عبد اللطيف صافي، مدير قسم الأراضي، الذي تحدث إلينا موضحاً أهمية عمل القسم ودوره في متابعة شؤون الأراضي الزراعية، وما يرتبط بها من معاملات وإجراءات إدارية وفنية تدخل ضمن اختصاصاته.
وبيّن السيد عبد اللطيف صافي أن ملف الأراضي الزراعية يمثل جانباً مهماً من عمل القطاع الزراعي، لما له من ارتباط مباشر بحقوق المزارعين، وتنظيم استغلال الأراضي، ومتابعة المعاملات ذات الصلة، وفق الضوابط والتعليمات النافذة.
كما تبرز أهمية التنسيق بين قسم الأراضي والأقسام الأخرى في المديرية، بما يسهم في معالجة المعوقات التي تواجه المزارعين، وتسهيل إنجاز معاملاتهم، والحفاظ على الأراضي الزراعية بوصفها ثروة وطنية ينبغي صونها وتنميتها.
ويأتي حضور مدير قسم الأراضي ضمن جولتنا الصحفية ليؤكد أهمية تكامل العمل بين مختلف الأقسام والشعب في مديرية زراعة ديالى، فالنهوض بالقطاع الزراعي لا يعتمد على الإنتاج والمحاصيل وحدهما، بل يحتاج أيضاً إلى إدارة منظمة لملف الأراضي، ومتابعة احتياجات المزارعين، والعمل على معالجة المشكلات التي تعترض نشاطهم الزراعي

الثروة الحيوانية.. جانب آخر من الاقتصاد الزراعي
لا تقتصر أهمية القطاع الزراعي في ديالى على المحاصيل والبساتين، بل تشمل أيضاً الثروة الحيوانية وتربية الأبقار والأغنام والدواجن وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالإنتاج الغذائي.
ويؤدي هذا القطاع دوراً في توفير اللحوم والحليب والبيض، وخلق فرص عمل، ودعم دخل العائلات الريفية، كما يرتبط بصورة مباشرة بالزراعة من خلال الأعلاف والمخلفات الزراعية وسلاسل الإنتاج والتسويق.
ويتطلب تطوير الثروة الحيوانية الاهتمام بالخدمات البيطرية، والوقاية من الأمراض، وتوفير الأعلاف، وتحسين أساليب التربية والإنتاج، فضلاً عن دعم أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كما أن التكامل بين الإنتاج النباتي والحيواني يمكن أن يسهم في الاستخدام الأفضل للموارد المتاحة، ويعزز فرص الاستدامة الاقتصادية للأنشطة الزراعية في المحافظة.
الفلاح الديالي.. شريك أساسي في حماية الأرض
خلف كل بستان مثمر وحقل منتج يقف فلاح يبذل جهداً يومياً في مواجهة الحرارة والبرد وتقلبات الطقس وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ويحتاج الفلاح اليوم إلى أكثر من التوجيهات العامة؛ فهو بحاجة إلى خدمات إرشادية قريبة منه، ومعلومات دقيقة عن المحاصيل، ودعم فني يساعده على مواجهة الآفات والأمراض، وإمكانية الوصول إلى البذور والأسمدة والمستلزمات الزراعية ذات الجودة المناسبة.
كما أن تنظيم التسويق، وتحسين وسائل النقل والخزن، وتسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق، كلها عوامل تؤثر في الجدوى الاقتصادية للزراعة واستمرار المزارع في خدمة أرضه.
ومن المهم أن تكون احتياجات الفلاحين حاضرة في الخطط الزراعية، من خلال التواصل الميداني والاستماع إلى المشكلات التي يواجهونها، وتحديد الأولويات وفق طبيعة كل منطقة ومحصول.
فالاهتمام بالمزارع ليس دعماً لفرد أو عائلة فحسب، بل هو استثمار في الإنتاج المحلي والأمن الغذائي واستقرار المجتمعات الريفية.
المياه والتغيرات المناخية.. التحدي الأبرز أمام الزراعة
لا يمكن الحديث عن مستقبل الزراعة في ديالى من دون التوقف عند قضية المياه، التي أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد المساحات المزروعة وكميات الإنتاج واستدامة البساتين.
فالأشجار المثمرة تحتاج إلى رعاية تمتد سنوات طويلة، وأي نقص مستمر في مياه الري يمكن أن ينعكس على نموها وإنتاجها، وقد يؤدي إلى تراجع قيمة البستان أو فقدانه إذا استمرت الظروف الصعبة.
أما المحاصيل الحقلية، فتتأثر بتوقيت الأمطار وكميات المياه المتاحة خلال مراحل النمو المختلفة، الأمر الذي يجعل التخطيط الزراعي أكثر تعقيداً في المواسم التي تشهد تقلبات مناخية.
ومن هنا، تبرز أهمية التوسع في تقنيات الري الحديثة، وتحسين إدارة المياه، وصيانة شبكات الري، وتوعية المزارعين بأساليب تقليل الهدر، إلى جانب دعم الدراسات التي تحدد الاحتياجات المائية للمحاصيل والأصناف المختلفة.
كما ينبغي أن تتكامل جهود مديرية الزراعة مع الجهات المعنية بالموارد المائية والجامعات والمؤسسات البحثية، من أجل وضع حلول واقعية تتناسب مع طبيعة المحافظة ومواردها واحتياجات مزارعيها.
البحث العلمي والتعاون مع جامعة ديالى
إن النهوض بالقطاع الزراعي لا يتحقق بالخبرة التقليدية وحدها، على أهميتها، بل يحتاج إلى الاستفادة من نتائج البحوث العلمية والتقنيات الحديثة.
وتمثل كلية الزراعة في جامعة ديالى جهة أكاديمية يمكن أن تسهم في تطوير القطاع من خلال البحوث التطبيقية، وإقامة الدورات والورش التدريبية، وتقديم الاستشارات الفنية، والتعاون مع المؤسسات الزراعية في معالجة المشكلات التي تواجه المحاصيل والثروة الحيوانية.
وقد شهدت العلاقة بين كلية الزراعة ومديرية زراعة ديالى لقاءات ناقشت تفعيل التعاون العلمي والتدريب في المجالات النباتية والحيوانية، والاستفادة من خبرات الباحثين في خدمة القطاع الزراعي بالمحافظة.
ويمكن البناء على هذا التعاون لإجراء دراسات بشأن تراجع إنتاجية البساتين، واختيار الأصناف المناسبة، وتحسين أساليب الري، ومكافحة الآفات، وتطوير زراعة المحاصيل البديلة، ورفع جودة المنتجات الزراعية، ولا سيما الفستق الذي تمثل ناحية السعدية مركزاً مهماً لإنتاجه وتسويقه.
كما أن إشراك المزارعين في البرامج التدريبية يساعد على تحويل نتائج البحوث إلى ممارسات عملية في الحقول، ويعزز فرص نجاح المشاريع الزراعية واستدامتها.
التسويق والتصنيع الزراعي.. كيف نحافظ على قيمة المنتج؟
إن إنتاج المحاصيل الزراعية يمثل نصف الطريق، أما النصف الآخر فيتمثل في إيصالها إلى المستهلك بأفضل جودة وأقل فاقد ممكن.
وتحتاج ديالى إلى الاهتمام بسلاسل التسويق الزراعي، وتطوير عمليات الفرز والتعبئة والتخزين والنقل، بما يتناسب مع طبيعة كل محصول وموسم إنتاجه.
فالحمضيات والرمان والتمور والفستق تحتاج إلى أساليب حفظ وتسويق ملائمة، فيما تتطلب الحنطة والشعير منظومة فعالة للاستلام والخزن والنقل، تحافظ على جودة الحبوب وتحد من التلف.
وبالنسبة إلى فستق السعدية، فإن تطوير عمليات التعبئة والتغليف والخزن يمكن أن يعزز قدرته على المنافسة في أسواق الموصل وأربيل، ويزيد من العائد الاقتصادي للمزارعين، فضلاً عن إمكانية فتح أسواق جديدة أمام المنتج.
كما يمكن للصناعات الغذائية المرتبطة بالفواكه والتمور والفستق أن تضيف قيمة اقتصادية إلى المنتج المحلي، وتفتح فرصاً جديدة للاستثمار والعمل، وتساعد على الاستفادة من الفائض الموسمي بدلاً من تعرضه للتلف أو بيعه بأسعار غير مجزية.
ومن هنا، فإن تطوير الزراعة في ديالى ينبغي أن يشمل جميع مراحل الإنتاج، من الحقل إلى السوق، وأن يقوم على شراكة بين المزارعين والجهات الزراعية والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية.
رؤية للنهوض بالقطاع الزراعي في ديالى
إن الإمكانات الزراعية التي تمتلكها المحافظة تتيح فرصاً مهمة للتطوير، لكن الاستفادة منها تتطلب خططاً واضحة وأولويات قابلة للتنفيذ.
وتبرز في مقدمة هذه الأولويات حماية البساتين القائمة، وإعادة تأهيل المتضرر منها، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير الإرشاد الزراعي، ودعم المحاصيل الاستراتيجية، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة، وتحسين التسويق والخزن والتصنيع.
كما ينبغي إيلاء ناحية السعدية اهتماماً خاصاً بوصفها مركزاً مميزاً لزراعة الفستق، من خلال دعم المزارعين، وتطوير البنى التحتية الخاصة بالفرز والتعبئة والخزن، وتسهيل نقل الإنتاج إلى الموصل وأربيل، وتشجيع الاستثمار في الصناعات المرتبطة بهذا المحصول.
كما أن توفير قاعدة بيانات زراعية محدثة عن المساحات المزروعة، وأعداد الأشجار، وكميات الإنتاج، واحتياجات المياه، والتحديات التي تواجه المزارعين، يساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.
ويحتاج هذا العمل إلى تكامل الجهود بين مديرية زراعة ديالى والوزارات والجهات المختصة والحكومة المحلية والجامعات والمزارعين، مع متابعة النتائج وتقييمها بصورة مستمرة.
فالهدف لا يتمثل في زيادة الإنتاج لموسم واحد فقط، بل في بناء قطاع زراعي قادر على الاستمرار، وتوفير فرص العمل، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
الخاتمة.. ديالى تستحق أن تبقى خضراء
في ختام هذا التحقيق، تبقى ديالى محافظة تحمل في بساتينها وحقولها حكاية وطن، وفي أشجار البرتقال والنخيل والرمان شهادة على ارتباط الإنسان بأرضه، وفي حقول الحنطة والشعير صورةً من صور العطاء الذي يبدأ من يد الفلاح وينتهي على موائد العراقيين.
وتبقى ناحية السعدية شاهدة على قدرة الأرض الديالية على إنتاج محاصيل مميزة، إذ جعلت من الفستق محصولاً معروفاً يتجاوز حضوره حدود المحافظة، ويصل إنتاجه إلى أسواق الموصل وأربيل، حاملاً معه اسم المنطقة وجهد مزارعيها.
إن حماية هذا الإرث الزراعي مسؤولية مشتركة لا تقع على جهة واحدة، بل تتطلب تعاون المؤسسات الحكومية والجامعات والمزارعين والقطاع الخاص، والعمل على مواجهة شح المياه، وتطوير وسائل الإنتاج، ودعم التسويق، وتشجيع الاستثمار الزراعي المستدام.
ومن خلال لقائنا مع المهندس إياد ذياب الجبوري، مدير زراعة ديالى، سعينا إلى تسليط الضوء على أهمية هذا القطاع الحيوي ودوره في حياة المحافظة ومستقبلها الاقتصادي.
وتبقى الحاجة قائمة إلى مواصلة الحوار مع إدارة المديرية بشأن الأرقام التفصيلية للمساحات المزروعة والإنتاج السنوي، وخطط حماية البساتين، وبرامج دعم الفلاحين، والمشاريع المنفذة والمستقبلية، لتقديم صورة صحفية مكتملة تستند إلى البيانات الرسمية والتجارب الميدانية.
ديالى ليست مدينة البرتقال وحدها؛ إنها أرض النخيل والرمان والحنطة والشعير، وموطن فستق السعدية الذي يصل إلى الموصل وأربيل، وأرض الفلاح الذي يزرع الأمل مع كل بذرة، ويصنع من تعب يديه خيراً للعراق.