هل تعديل الدستور العراقي مناسب في هذا التوقيت؟ ولماذا الآن؟

شيركو حبيب

المبدأ الأساسي هو أن يكون تعديل الدستور أداةً لمعالجة الأزمات، لا وسيلةً لإعادة توزيع السلطة لمصلحة طرف سياسي على حساب طرف آخر. لذلك، من المهم التمييز بين الحاجة الحقيقية إلى الإصلاح الدستوري واختيار توقيت سياسي قد يحوّل هذه القضية إلى ساحة للتنافس والصراع على السلطة.
في رأيي، لا يمكن التسرع في الحكم على مدى ملاءمة تعديل الدستور العراقي من دون الأخذ في الاعتبار الأوضاع السياسية في البلاد، ولا سيما أن العراق يمر بظروف صعبة، خصوصًا على الصعيدين الاقتصادي والأمني. ومن هنا، تبرز تساؤلات مهمة بشأن المواد المقترح تعديلها، والأهداف الحقيقية وراء هذه المقترحات. ففي بلد مثل العراق، حيث لا تزال العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان مليئة بالخلافات الدستورية والسياسية، يحتاج أي تعديل دستوري إلى التدقيق والتأكد من نتائجه وتداعياته.
لماذا يُطرح تعديل الدستور في هذا التوقيت؟
في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، دعا فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، إلى مراجعة الدستور وتعديل بعض مواده (رغم ان هذا الموضوع ليس من اختصاصه و لا صلاحياته)، وهو ما يثير أيضًا تساؤلًا بشأن حدود صلاحياته الدستورية في هذا المجال، في وقت تزامن فيه ذلك مع الذكرى الحادية والعشرين للاستفتاء على الدستور العراقي عام 2005.
لا شك في أن مراجعة الدستور ليست أمرًا غير قانوني في حد ذاتها، لكن السؤال هو: لماذا الآن؟ هل الهدف معالجة المشكلات التي لا تزال عالقة، أم أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى إعادة ترتيب موازين السلطة في مرحلة سياسية جديدة من تاريخ العراق؟
لفهم هذا التوقيت، يمكن التوقف عند عدد من النقاط الأساسية:
أولًا: بداية مرحلة سياسية جديدة
إن استكمال عملية تشكيل الحكومة وحسم المناصب الحكومية المتبقية قد يتيحان فرصة لفتح حوار أوسع بشأن آليات تشكيل السلطة وطرق اتخاذ القرار. لكن ذلك لا يثبت، في حد ذاته، أن تشكيل الحكومة هو السبب الرئيسي وراء طرح تعديل الدستور.
ثانيًا: الاستفادة من مناسبة الذكرى السنوية
أتاحت الذكرى الحادية والعشرون لإقرار الدستور فرصة سياسية وقانونية مناسبة لإعادة فتح النقاش حول التجربة الدستورية العراقية. وخلال السنوات الماضية، أصبحت قضايا انتخاب رئيس الجمهورية، وتفسير مفهوم «الكتلة النيابية الأكبر»، والالتزام بالمواعيد الدستورية، من أبرز الملفات التي أثارت خلافات سياسية وقانونية.
ثالثًا: معالجة الخلافات المتعلقة بتشكيل السلطة
تركز بعض المقترحات المطروحة مؤخرًا على النصاب المطلوب لانتخاب رئيس الجمهورية، وتعريف الكتلة النيابية الأكبر، والآثار المترتبة على تجاوز المدد الدستورية. وهذه مسائل مهمة، لكن معالجتها يجب أن تتم بطريقة تجعل النصوص الدستورية أكثر وضوحًا، وتمنع تكرار الخلافات، بدلًا من فتح الباب أمام أزمة جديدة.
رابعًا: الصراع حول شكل الدولة وتوزيع السلطات
هذه هي النقطة الأكثر حساسية من منظور إقليم كوردستان. فمن الممكن أن يسهم تعديل الدستور في توضيح العلاقة بين بغداد وأربيل، لكن إذا استُخدم بهدف تقليص الصلاحيات الدستورية للإقليم أو تعزيز سلطة المركز على حساب النظام الاتحادي، فقد يتحول إلى مصدر لأزمة جديدة.
لا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن هذا هو الهدف الحقيقي لجميع المقترحات المطروحة، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون سببًا لتجاهل هذا الاحتمال. ومن الضروري أن تتعامل القوى الكوردية مع هذه المسألة بجدية وحذر.
هل هذا توقيت مناسب من منظور كوردستان؟
في رأيي، قد تكون مراجعة الدستور ضرورة، لكن الموافقة على مبدأ التعديل لا تعني الموافقة على كل مقترح لتغيير مواده. فالأهم هو تحديد أهداف أي تعديل ومضمونه ونتائجه بوضوح.
من مصلحة إقليم كوردستان أن يشارك بفاعلية وبموقف موحد في أي حوار دستوري، وأن يطالب، قبل كل شيء، بتنفيذ المواد التي لم تُطبَّق بصورة كاملة حتى الآن. فالقضايا المتعلقة بالنفط والغاز والموازنة والحقوق الدستورية للإقليم وتوزيع الصلاحيات تحتاج إلى حلول حقيقية، لا إلى مجرد تغيير النصوص.
وفي هذا السياق، تشكل الفقرة الرابعة من المادة 126 من الدستور العراقي ضمانة مهمة لحماية صلاحيات الأقاليم. فوفقًا لهذه الفقرة، لا يجوز إجراء أي تعديل دستوري ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني، وتصديق أغلبية سكانه في استفتاء عام.
ولا يجوز تجاهل هذه الضمانة الدستورية في أي حوار، لأن حماية أسس النظام الاتحادي وحقوق الإقليم تمثل جزءًا أساسيًا من الحفاظ على التوازن السياسي والدستوري في العراق.

لذلك، ينبغي أن يستند موقف القوى الكوردية إلى ثلاثة مبادئ أساسية:
• التنفيذ قبل التعديل: يجب، قبل تغيير المواد الدستورية، معرفة أسباب عدم تنفيذها ومعالجة تلك الأسباب.
• التوافق قبل التصويت: لا ينبغي طرح أي تعديل يؤثر في أسس النظام الاتحادي وحقوق مكونات العراق للتصويت، من دون حوار جاد وتوافق وطني حقيقي.
• المصلحة الوطنية قبل المصلحة الحزبية: يجب أن يكون هدف أي إصلاح تعزيز الدولة العراقية وحماية الحقوق الدستورية لجميع مكوناتها، لا تقوية طرف على حساب الأطراف الأخرى.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التمييز بدقة بين المادتين 126 و142 من الدستور، لأن لكل منهما إجراءاتها الخاصة لتعديل الدستور. فالمادة 126 تحدد الآلية العامة للتعديل، بينما تتضمن المادة 142 آلية خاصة لمراجعة الدستور وفق شروط وإجراءات محددة. لذلك، يجب أن يجري اللجوء إلى أي من المادتين مع مراعاة الشروط الدستورية الخاصة بها.
هل المشكلة في الدستور أم في تطبيقه؟
من وجهة نظري، هذا هو السؤال الأهم في هذه القضية. فمنذ عام 2005، حدد الدستور العراقي الأساس القانوني للعلاقة بين مؤسسات الدولة، وطبيعة النظام الاتحادي، والحقوق والحريات، والعلاقة بين بغداد وأربيل. ومع ذلك، لا تزال مجموعة من هذه القضايا مصدرًا للخلافات والجدل السياسي.
إذا لم تُنفَّذ مادة دستورية، أو فسّرها أحد الأطراف بطريقة لا يقبلها الطرف الآخر، فهل يكون الحل في تغيير النص، أم في الالتزام بالدستور والتوصل إلى اتفاق بشأن تفسيره الصحيح والقانوني؟
أرى أنه قبل الشروع في أي محاولة لتعديل الدستور، لا بد من إجراء تقييم صريح للأسباب التي حالت دون تنفيذ بعض مواده بصورة كاملة. فتغيير النصوص، من دون تغيير أسلوب التعامل مع الدستور والالتزام بأحكامه، لا يقدم ضمانة لحل الأزمات.
الدستور ليس نصًا جامدًا لا يجوز تغييره، بل يمكن تعديله وفقًا للاحتياجات الحقيقية حسب المواد الدستورية بذلك لكن يجب، في الوقت نفسه ألا يتحول إلى أداة سياسية تُغيَّر موادها وفقًا لمصالح طرف معين كلما تبدلت موازين القوى.
لماذا الآن؟
الواضح في المرحلة الراهنة أن الدعوات إلى مراجعة الدستور تتزامن مع الحديث عن معالجة مشكلات تشكيل السلطة وتفسير بعض المواد الدستورية. لكن تحديد أي أهداف سياسية أخرى يتطلب أدلة ومعلومات واضحة بشأن مواقف الأطراف ومفاوضاتها.
لذلك، لا يقتصر السؤال المهم أمام القوى الكوردية وسائر الأطراف العراقية على تحديد المواد التي ينبغي تعديلها، بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر أهمية: من المستفيد من هذا التعديل؟ وما الضمانات التي تكفل حماية الحقوق الدستورية؟ وكيف يمكن التأكد من أن التوازن بين بغداد وأربيل لن يتغير على حساب أحد الطرفين؟
في النهاية، ليس السؤال الأساسي هو ما إذا كان ينبغي تعديل الدستور العراقي أم لا، بل ما إذا كان هذا التعديل يهدف إلى معالجة المشكلات وتطبيق المبادئ الدستورية، أم إلى تغيير موازين السلطة.
إن مصلحة العراق وإقليم كوردستان تقتضي أن يستند أي مسعى دستوري إلى الحوار والتوافق وحماية الحقوق الدستورية. فلا يمكن لأي إصلاح أن يحقق نجاحًا حقيقيًا إذا أدى إلى إضعاف الثقة بين مكونات العراق أو الإخلال بالتوازن بين السلطات.
فالمشكلة ليست دائمًا في نصوص الدستور، بل تكمن أحيانًا في عدم الالتزام بها. وقبل المطالبة بتغيير النصوص، علينا أن نجيب عن سؤال جوهري: لماذا لم تُنفَّذ المواد التي اتفق عليها العراقيون عام 2005؟

قد يعجبك ايضا
∧